الـ (ق ق ج) و إشكالية العنوان (4)

                                 (ق ق ج) و إشكالية العنوان (4)

   لا شكَّ أنَّ العنوان في العمل الإبداعي سرديا كان أو شعريا ، إشكالية ابتكار، و تفكير و تجانس، و ملاءمة، و دوام و اسْتمرارية.. بما لا يفيدُ المباشرة أو المُكاشفة ..على خلاف العنوان التّجاريّ، أو الإشهاري المباشر و التّقريريّ.. الذي الهدف منه العرض و الإخبار من أجل الإقبال، و وظيفته محدودة في الزّمان و المكان..
فالعنوان في الأعمال الإبداعية، أوّل عتبة تثير الانتباه، و تغري بالتّأمل،و التّصفّح، و القراءة.. سواء بتأثر الشّكل الهندسيّ لخطّه، أو لونه،أو أبعاد دلالته، أو المساحة التي يشغلها من غلاف الكتاب.. فالمسألة تصبح سيميائياً، صورة أيقونية محلَّ دراسة..و من تمَّ لا يجوز الارتجال في اختيار العنوان. و إنْ كانت عملية الاختيارِ صعبة و لا شكّ ! و يَتعثّرُ فيها الكثيرُ من المُبدعين، حتّى الكبار منهم، كالرّوائيين، و القاصين، و الشّعراء و المَسرحيين. لأنّ العنوانَ في العمل الإبداعي ، مجموعة من العلامات اللّسانية الدّالة، حسب ليوهوك (Leohoek):” مفردة، كلمات، جملة..”أمّا جاك فونتني (J Fontanille) فيرى ” أنّ العنوان، مع علامات أخرى، هو من الأقسام النّادرة في النّص التي تظهر على الغلاف، و هو نص موازٍ له.” أي خطاب أدبي صغير (mini-récit).
ولأهمية العنوان في الدّراسات الحديثة، خُصِّص له عِلم خاص:علم العنونة (Titrologie) الذي كان حصيلة أبحاث: جرار جينيت، و ليو هوك، و كلود دودشي، و جون مولينو، و روبرت شولز، و جون كوهين، و فرنسو فروري، و أندري فونتنا، و شارل جرفال..

 و القصّة القصيرة جداً كغيرها من فنون الإبداع، تتميز بالعَنونة. و يفتنّ القاصّون في اختيار عناوين ، مُغرية، و لافتة، و منها أنواع:

1ــ العنوان الغرائبيّ
: كبعض عناوين القاص إسماعيل البويحياوي [ أشربُ وميض الحبر، ندفُ الرّوح ،أو سَفرٌ تحتَ الجلد للبشير الأزمي، أو حائك العتمات لعلي بنساعود، و قبلات في يد الهواء لعزالدين الماعزي، و للفرح عمر واحد لزيد عبد الباري سفيان، نافذة بلا جدار لمحمد ياسين صبيح، و سيمفونية الببغاء لحسن برطال، و” عناق ظلال مراوغة” لجمعة الفاخري… فهذه الغرابة المقصودة لذاتها وظيفية بإحكام ، لأنّها استفزاز لمعارف المتلقي، و خلخلة لخياله المُستكين، و فتح لزاوية التّساؤل و إغراء  بالبحث ..و ذلك يوافق ما ذهب إليه أمبیرتو إیكو(umberto Eco) إذ قال: ” إن العنوان يجب أن يُشوش على الأفكار لا أن یقولبھا، فھو أحد المفاتیح التأّویلیة.ولا یھمّنا إذا كان الكاتب قد وضع العنوان قبل أو بعد الانتھاء من كتابة القصةّ ، ولكن الذي یھمّنا ھو ھل التقط الكاتبُ مكوّنات العنوان اللّغوية و الدّلالية من نسیج النّص أو لا؟ “

2 ــ العنوان الواضح المُركب، و هو الخالي من الغَرائبية، و قد يأتي جملة اسمية في الغالب: مثل ” تلك الأشياء” لشريف عابدين، “نجي ليلتي ” لميمون حيرش ،و ” عزف منفرد ” لأحمد رزيق، و ” الرّقص تحت المطر” لحسن البقالي
وقد يأتي جملة فعلية مثل: “يموتون ولا يموت ” لحنون مجيد و” قال لي و مضى” لعبد الحميد الغرباوي، أو شبه جملة مثل : ” في غيابِ الجواب” لوفاء عبد الرزاق،” و في معراج الشّوق أرتقي” لسعاد الناصر” و ” حيث يعلو الجدار” لمحمد محقق…

3 ــ العنوان البسيط المفرد، وقد يأتي عبارة عن اسم سواء معرّف أو نكرة مثل: ” فقاقيع ” لجمال الدين الخضري “أكواريوم ” لعبد الحميد الغرباوي، ” حبيباتي ” لجمعة الفاخري، ” رعشات” لسناء بلحور، و ” أقواس” لسمية البوغافرية، و “صريم ” لحسين زروق و” دينوغرافيا” لتوفيق بوشري…

4 ــ العنوان نكرة أو معرفة:
أمّا بخصوص تعريف العنوان أو تنكيره في القصة القصيرة جدا:
فالتّعريف و التّنكير خاص بالأسماء لأنّه يميزها عن الأفعال.فالاسم النّكرة يدلّ على العموم. و هو أصلُ المعرفة، لأنّه في غنى عن كلّ قرينة توضّحه.و يقبل النّصب على الحال و التّمييز و دخول (كم) الخبرية، و الاستفهامية.

أمّا المعرفة ما دلّ على اسم بعينه. و لها أنواع :الأعلام/شخص مُعين، لقب لعلم، أو كنيته،أو حيوان مُعين،و أسماء الإشارة،و الأسماء الموصولة، و المُعرف ب(ال) و المُعرف بالإضافة، و الضّمائر.
و لكن العنوان في القصة القصيرة جداً و في صيغة المفرد غالباً ما يـأتي نكرة، فإذا كانت المعرفة تَعني كَغرضٍ: التّعيين، فإنّ النّكرة أرحبُ و أوسع في الأغراض نَحوياً و بَلاغياً إذ
تُستخدم لغرضِ التّقليل يقول تعالى (لم يلبثوا إلاّ ساعةً منْ نَهارٍ) (الاحقاف/35) كما تُستخدم. لغرض التّعظيم: كما هو في الأثر: “إنَّ من البيان لسحراً .” و نجدها في غرض بيان النّوع: كأن تستفسرَ فَتسألَ: أرَجُلٌ أم امرأةٌ؟ و في غرض التَّهويل. وغرض التَّحقير..

5 ــ نص بدون عنوان
نصادف مجموعات قصصية نصوصها غير معنونة إلا بعدد، قد يكون ترتيبيا (3،2،1..) ، أو بحروف هجائية (أ،ب،ت..).أو بتنقط (……).و الغاية من ذلك اكتشاف ردة فعل القارئ من جهة ، و من جهة أخرى ترقب ما عسى  يقترحه ،لنص بدون عنوان.. و لكن و مع ذلك يبقى العنوان و إثباته على رأس النص، قيمة فنّية و إبداعية.

6 ــ أخطاء توظيف العنوان:

من أخطاء توظيف العنوان في القصّة القصيرة جداً:

1/5ــ عنوان يكشفُ المضمون: مثل ” غرام و انتقام ” و ” بيت سيء السّمعة “و كأنّ القاص يؤمن بمقولة الرسالة تقرأ من عنوانها. هذا لا ينبغي أن يكون  في الأعمال الإبداعية. ما يُرادُ أن يُعرف بكلّ تركيز : العنوان بوابة النّص، و أداته الدّعائية، يتّسم عموماً بالقصر، و الاختصار، والكثافة، و الغموض، و لفت الانتباه، والإيحاء، و الإغراء، و التّحفيز، وهو في الغالب الأعمّ حمّال أوجه..لأنّه لم يعد معادلاً موضوعياً كما كان في الأدبيات الكلاسيكية.

2/5ــ عنوان يلخص المضمون . مثل : ” وهمُ السّعادة” و ” نِهاية اللّعبة” هذا مما كان عليه الاعتقاد قديماً ، و ما يشاكله مازال ترويسة البحوث و الدراسات الأكاديمية. أمّا في الإبداع الحديث سرداً و شعراً.. ينبغي أن نعتبر العنوان نصاً موازياً (Paratexte) لنص الحكي، فلا يكشفه، و لا يلخصه كما يرى البعض، و إنّما يحضى بوشائج التّرابط العلائقي بروح النّص. فيكون مفتاحا لمغالقه، كما يكون أداة لقراءات تأويلية، تجعل منه قيمة فنّية مضافة.

3/5ــ عنوان تجريدي. فهو العنوان السّديمي الذي يعني ولا يعني شيئاً.و يصعب إيجاد علاقة له بالنّص،إلا تعسفاً و إسقاطاً (projection).. بدون مسوغ ملائم. و هذا لا يخدم فكرة النّص ، و لا تحليلها ..

4/5ــ العنوان الواضح البسيط : هو أقل العناوين فائدة، و وظيفية، لأنّه كاشف، و ملخص، و يجعل النّص بدون متعة قرائية، ولا مجال للدّهشة، والحيرة، والتّأمل، والتّساؤل،والتّشويق لمعرفة خبايا النّص..

  العنوان ككلّ الأعمال الإبداعية ، يتطلّب جُهداً و تدبّراً و ثقافة.. لأنّه أهمُّ عتبات الكتاب البارزة، و المفتاح المُساعد على فتح مَغالق النّص. فلا يجوز اختياره عاطفياً، كما نختار أسماء أبنائنا. أو ألقاب أحبتنا ، أو مسميات حيواناتنا الأليفة، أو أماكننا الأثيرة …و لكن لا بدّ من اختياره لوظيفته الفعلية، و الدّلالة، و الشّفرية ..على رأس النّص.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.