(ق ق ج) و الجملة الفعلية (5)

(ق ق ج) و الجملة الفعلية:

     منذ أنْ ظهرت الكتابات القصصية القصيرة جداً، كأصغر حكي ممكن (Le récit minimal) في بحر التّسعينيات وانتشرت في الوطن العربي، كانت مجرّد تقليد لما عُرف عن هذا الجنس في أمريكا اللاتينية و بعض دول الغرب كفرنسا و انجلترا.. ثمّ بدأت عملية التّبلور، و التّعريب، فاكتسبنا جنساً جديداً للسّرديات العربية بِنَفَسٍ عربيّ. و هذا حدث نتيجة النقد التّنظيرالأولى الذي حاول أنْ يُتابع هذا الجنس و يحرصَ على تنظيمه، و تقعيده ضمنَ قواعد اعتبرها خصائصَ أساسية. و من ذلك الجُملة الفعلية.
.يقول د جميل حمداوي في مقالة ( مقاربة الجملة الفعلية في القصة السعودية القصيرة جداً): “تعد فعلية الجملة من أهمّ الأركان التي تنبني عليها القصّة القصيرة جداً، وتعتبر أيضاً من أهمّ تقنياتها اللّسانية والتّركيبية والدّلالية؛ لأنّ الجملة الفعلية تتخطى ملفوظها الكلامي نحو رسالتها الإخبارية والفنّية والجمالية. ومن ثمّ، نجد كثيراً من كتاب هذا الفنّ الجديد يستخدمون جُملا فعلية متعاقبة، تدلّ على الحركة والتّوتر والاضطراب، سواء أكانت تلك الجمل الفعلية بسيطة أم مركبة، سواء أكانت مبدوءة بالفعل الماضي أم بالفعل المضارع أم مصدرة بفعل الأمر”.

و يقول د يوسف حطيني: في كتابه (القصّة القصيرة جداً بين النّظرية والتّطبيق ) : “..فالقاص الذي يتابع حكايته، وينمي حركتها، يتعامل بشكل أكبر مع الجملة الفعلية، أو مع الجملة ذات القدرة على الفعل (الجملة الاسمية التي يأتي خبرها جملة فعلية)، وقد استعرضت عدداً كبيرا جداً من هذه القصص فرأيت ميلا حاداً، يبدو لي قسريا، نحو استخدام هذا النوع من الجمل.”
   و السّبب كما نلاحظ من القولتين : إنّ الجملة الفعلية ديناميكية /حركية ، تخلق في النّص حيوية الفعل، و تساعد على التّسريع، أو التّوالي، و التّتابع نحو النّهاية.. و هذا ما ترتضيه القصّة القصيرة جداً. إلاّ أنّ المشكل يكمن في أنّ جميع المنظرين و النّقاد، قد غفلوا عن أشياء هامّة. كمن يرى الحسناءَ في خانتها فحسب. فترتّب عن ذلك ما لم يكن في حسبانهم:
1 ــ الجملة الفعلية، لا شك أنّها هامّة، و أهميتها ليس في الصّيغة المتداولة في القصّة القصيرة جداً [ فعل + مرفوع + مُتمم ] هذه صيغة من ست عشرة صيغة. و قد تختزل في نصف العدد عند بعض النّحويين الجدد .أغلبها لا نجدها في النّصوص، و كأنّ القاصَّ غير مطّلع عليها. لأنّ الأفعال تختلف نوعاً : متعدية و لازمة . و تتنوع شكلاً: مَبنية للمعلوم أو مبنية للمجهول. و قد تتقدّمُ الجملةَ كما هو معروف،و قد تتوسطها، و قد تتأخر حسب ما يفرضه التّركيب و السّياق، و نتيجة ذلك يتمّ التَّعدّد المَوقعيّ، و تتحدّد نماذج الجُملة الفعلية. و ما دامت هذه النّماذج مُغيبة، أو قليلة التّوظيف لدرجة لا تكادُ تذكر. فإنّ الصّيغة الأولى:  [ فعل+ مرفوع+ مُتمم ] هي السّائدة.
2 ــ و مادامت صيغة واحدة مُهيمنة بهذا الشّكل دون باقي الصّيغ ،التي كان من الممكن أن تخلقَ التّنوّع والاختلاف التّركيبي والأسلوبي.. نشأ شكلٌ معياري انغمسنا في لجّته  جميعاً، من خلال كتاباتنا الإبداعية. و هو انتشار النّمطية (Stéréotype) الشّكلية، و هي واضحة لا تَسمح بالتّميز..فلا يمكن الاطلاع على مجموعة قصصية دون أن تلفتَ الجملُ الفعلية  انتباه المُطّلع، بشكل يفوق الجمل الاسمية بمختلف تَشكُّلاتها. و حين تتكرر الصّورة، هنا و هناك .. لا شك أنّها ترسَخ في الذّهن ، كقاعدة مُتّبعة.
لنتأمل هذه النصوص التي هيمنتْ عليها الجمل الفعلية. من انتقاء الأستاذ رشيد الأشقر:

. (استجابة ) / محمد علي مدخلي.
أطال في سُجوده ،دعا على مَنْ ظلمَه ، سقط الإمام مغشيًّا عليه.
. (عقوق) / محمد غازي النعيمي.
تطرّف في أفكاره، تشدّق في أقواله،حدّ سكينته،جز رأس أمّه،انتصر لنفسه.
.الزرّ الأحمر / إبراهيم شرف .
يستدرجه، يباغته، يَشْزر، يُكَشِّر، يَنْهت، يزأر، يزمجر، ينقض .. يأكل ظله.

   (تكريم) / فوزي القوراني .
  وزّعوا الأكفان على الأحياء؛ نعق الغُراب. ضحك الصّيّاد. زفرت الأرض، نبتتْ شقائق النعمان.

. (مفقود) / هدى إبراهيم أمون.
تفسحُ البساتينُ ممراتها لهم، يضجّ القفرُ بسيل خطاهم، تتنوّع اتجاهاتهُم و الهدف واحدٌ.. ينقشع الغبار عن بقعة شوكية اﻷعشاب تتوسّطها وردة جافة.

.   ( فداء) / أمل عطية.
  زهرةٌ أينعتْ ، أهملتها يدُ الرّعاية ، تكاثرتْ حولها الأشواك ، أصابها الجفاف، تطلعت للرّواء، تساقطت بمنتصف الطريق دهستها الأقدام ، انتشر أريجُها فوّاحا.

.   (دوائر) / ا.فتيحة قصاب.
  ذاتُ جدب، ألقمته شقّ تمرة، تدلّت عراجين “الخصاب” من فمي، ملأت بطونا خاوية، ضاق بي عميان الألوان، غمروني  بسوادهم اللّزج، رفعتني أكفّ خفيّة للسّماء، تحصّنتُ في جوف سحابة، اكفهرتْ؛ هطلتُ رطبا ملوّنا..

إذا من خلال هذه النّماذج، وغيرها كثير. يتّضح أنّ القصّة القصيرة جداً دخلت نفق الرتابة و النّمطية.لأنّها أصبحت تشكل بنية مهيمنة  (Structure dominante) و هذا كلّه حباً في التّسريع. (Accélération)  فماذا لو أهملتْ خاصية التّسريع و كتب النّص كتابة قصصية بليغة، مسكوكة، مصقولة، تنبض بالحيوية، و المتعة السّردية  وحسن التّكوين (Bien formé).. و تجمع أصناف الجمل الفعلية و لواحقها، و الاسمية و توابعها ..؟

فالجملة الاسمية إذا كان خبرها جملة فعلية. فهي مُتضمنة للفعل و لواحقه و للاسم ( المبتدأ) و لواحقه: نعته والعطف عليه،و توكيده،و البدل منه.. و بذلك تصبح الجملة الاسمية أثرى لواحقاً، و أرحب تعبيراً..

و بذلك أيضاً لا يمكن اعتبارُ الجملة الاسمية للثبوت والسّكون المطلق، وهي متضمنة  خصائص الجملة الفعلية، فضلا عن ذلك ما ذكره ابن الأثير : التّوكيد بإنّ و اللام  في خبرها، و لام الابتداء ولام القسم، أمّا الفعلية فلا يذكر لها إلا نون التّوكيد الثّقيلة والخفيفة. فإنْ كان خبرها فعلاً مضارعاً دلّت على التّجدّد و النّشوء. أمّا إذا كان ماضياً فلا استمرارية و لا تجدّد.

   إنّ اعتبار الجملة الفعلية ــ و تكرارها لدرجة الابتذال ــ أمر أساسي لبناء القصّة القصيرة جداً..قول فيه نظر ، لأنّه يخالف قواعد التّركيب و الأسلبة (la stylisation) . و ينبغي التّحرّر من ذلك.وإن دعا الأمر نبذ و إلغاء فكرة التّسريع. التي أصبحت تشكّل هاجساً لدى البعض. ففي جميع الحالات فالنّص قصير جداً. و كلماته تعدّ على رؤوس الأصابع .. فما معنى التّسريع لما هو سريع  أصلا ..؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.