عشرة نصوص قصيرة جداً.

 

1

خرجَ متسللا قبل طلوع الشّمس، يَتحامل على المَشي، معتمداً عصاه بِتؤدة ،جلس عندَ قبرها ، كان حزيناً . جال ببصره في العَتمة. القُبور شَواهد مُنتصبة . شَعر بقشعريرةٍ ، وصوتٍ أجَشّ يُخاطبه :

ـ أسَتبقى تَزورُ قبرَها كلّ صباح ؟

ردّ على الحارس بِصوت مُتهدّج :

ـ  ألفتُ إيقاظها لِصلاة الصّبح .

ـ  لكنّها ماتت .. 

ـ حقاً .. و لكنّني ما زلتُ حيا .

ــ …………….. 

 ***

2

أراد  سائقاَ للأسرة و ألحّ في الطّلب .

ــ حَظكَ منَ السّماء. هذا سائقُ سيارةِ أُجرة في كَزابلانكا .

سيرته وردٌ وفُل ، و أَوراقُه جاهزة ..

اقْتحَمهُ بِعينين كبيرتَين مُحمرّتين :

 ــ لا أُريدُ عربياً ، أريدُ بَنغاليا .

ــ لماذا بنغالياً بالضَّبط ؟ !

ـ عندي حُرمة و بَنات يا رَجل ! ” خلّ عِندك نَظر !

ــ …………………؟ 

 ***

3

كانت المكتبة زاخرة بأمهات الكتب. سلّمتها فنجان قهوة ، لم تتكلم ، تابعت اندهاشها بفرح غامر، كانت عيناها كعيني طفل أدخِل غرفة من اللّعب ..

ــ هل قرأتِ كلّ هذه الكتب ؟

ــ ……………………… !!

ـــ ترى من كاتبك المفضل ؟

ــ زوجــــــــي ..

ـــ رائع ! هل هو كاتب قصّة؟

ــ لا ، يكتب .. يكتب شيكات .

ـــ   ………………………؟ !

***

4

جلست تحلب عنزتها، بعد أن شدّت رجلها إلى جذع زيتونة . فجأة ، أغارت الطائرات !  بقيت مشدوهة، يسكنها الرّعب، تتطلع إلى السماء ،.  لم تأبه باندلاق إناء الحليب، احتضنت عنزتها المتوتّرة المذعورة ..

هتف جارُها مثقلا بمتاعه و أولاده :

ــ اهربي يا أمّ الخير، كلّ شيء دُمّر و احتَرق .

 ابتعدت تجر ثقل السنين، رنت إلى قرية من نار و دخان ..

همهمت بحزن : ليتني تركتها حرّة طليقـة.. !!

***

5

كان يملك الكثير….لم يفكر ، لم يستشر أحداً ،حين التقيته في المقهى ،كان وجهه شاحباً ، كالحاً..أحاطت محجريه زرقة قاتمة امتصَّتْ نضارته، تلازمه الكآبة.. يدخن باستمرار ….. لا أدري ما جعله غارقاً في نوائب متتالية !

كان رأسي يضجّ فضولا لمعرفة الأسباب .. لم أجرؤ أن أسأله . حين رآني ، حاول أن يرسم ابتسامة، سرعان ما غابت مستعصية،ربت على كتفي قبل أن يغادر هامساً :رجاء ، ادفع ثمن القهوة…

***

6

 لأنّه لغويّ متمرّس، سألته:

ــ هل الشّبيحة من الشَّبح ؟

اضطرب، سعل، همهم ، ظننته لن يجيب..لكنّه أفصح :

ــ في “اللّسان” ،  ”الشَّبح ُ: ما ظهر لك شخصه من النّاس .. و الجمع أشباح و شُبوح .

و شَبَحَه يَشْبَحُه: مَدَّه ليجلده .”

ــ  واوْ … وجدتها.. وجدتها …

اندهش مضطرباً ،التفت مرتعباً، تلعثم مرتبكاً… :

ــ مَن الشّبيحة يا رجل؟! هذا من حوشي الأنام ، أقصد من حوشي الكلام، لفظ غريب ليس في ” اللّسـان” !!

ـــ …………………..؟!

***

7

كان البدر ينشر ضياءه . ذكّرها بذكرى اللّقاء الأوّل ..رأته جالساً وحده، اقتربت منه ، انثنت بدلال ، سألته بشغف :

عزيزي … بماذا يذكرك البدر ؟

كان شارداً ،لم يهتم بالسّؤال ، لكن حين ألحّت ، قال :

…من الوجهة الأسترونوميكية:قطعة من الأرض انفصلت عنها،لكن الجاذبية جعلتها تابعة

…أمّا من الناحية الأسترولوجيكية: الشّهر القمري ،يختلف عن الشّهر الشّمسي …

… أمّا إن شئت الرؤية التيولوجيكية : فإننا نصوم لرؤيته حين يكون هلالا

… أمّا المسألة المتيورولوجيكية ….

قبل أن يتمّ ،التفتَ ،لم يجدها …

***

8

صقيع الثلج عمّ الأجواء ،كلّ الكائنات أوت إلى مآويها..                                        اجتمعت القنافذ في جحر تلتمس الدفء ..انضمت إلى بعضها البعض في زحام ..  تحملت بجلد، وخزات الشّوك المؤلمة، ظلت طوال الوقت بين اقتراب و ابتعاد ..في الخارج ،كان الموت يتربص  بعنيدها ، فضل العزلة في انتظار الربيع .

***

9

ينتفضُ في الشّركة كالفقمة المكتنزة.. منتفخ الأوداج ، عيناه محمرتان يتطاير منهما الشّرر…. لا يكفّ عن الصّراخ في وجه العمّال… راغياً مزبداً ، قلقاً متوتراً .. يتحاشاه الجميع خوفاً.

مساءً ،يأوي إلى امرأة ضئيلة متجهمة ، في سنه أو

 أقلّ قليلا  .. ينتهي إليه زعيقها منفراً مجلجلا.. يتحاشاها دوماً ،ملاطفاً مستكيناً ،تصرخ في وجهه غاضبة. ،فلا يُسمَعُ صوتُه إلا هَمساً… !!

***

10

ظلّت كاظمةً غَيظها،تَنظره بتأفّف.. كان لاهياً لا يَدري، مَشدوداً، مَشدوهاً، شارداً…  

في الصّباح،كالعادة يتناول فطورَه أمَامه .عندَ الظّهر،يجلسُ إليه و يكتفي بشطيرة.في المغرب و إلى وقت مُتأخر، يَتفقد بَريده، و جُملة من المَواقع…

 لكنْ  هـذا الصّباح،لمْ يَجده. أطلّ مِن الشرفة ؛ وجده أجزاءً متناثرة .

غشت 1997

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.