العذرية : أسطورة العفّة الزّائفة

عذرية الفتاة في بلادنا العربية ليست رفاهية، فالعذرية لا تعني الشرف فحسب، و إنما ُتعتبر عذرية المرأة قبل الزواج  في كفة و حياتها في كفة أخرى في أحيان كثيرة . لطالما تحدث المجتمع عن العذرية من منظور العفة و الأخلاق ، و من منتاقضات ثقافتنا  أنها اعتبرت  الدماء السائلة من هذا الغشاء رمزًا  للطهارة بينما اعتبرت – نفس الثقافة – أن  الدماء السائلة من المرأة أثناء الطمث أو النفاس دماء  نجاسة،   بالرغم أن  الطمث و النفاس يرتبطان بتكوين و منح و خلق  حياة جديدة، فما النجاسة في ذلك؟   لكن ما هو الغشاء من المنظور الطبي أو الفسيولوجي و كيف و متى تم تكوينه  ؟  سُيحتم هذا علينا أولا أن نبحث في مرحلة تكوين الغشاء.

مرحلة تكوين الغشاء

يتكون الغشاء  في مرحلة ما في عمر الجنين  ُتعرف طبيًا  باسم (  Defeminization & masculinization  ) و ترجمتها الحرفية زوال الأنوثة والإذكار و ُتعرف كذلك بمرحلة التمايز الجنسي أي المرحلة التي يتم فيها  تحديد نوع  الجنين ( ذكر أم أنثى) في الأسابيع الأولى من الحمل.

قبل تحديد جنس المولود في مرحلة التمايز الجنسي ، يتكون لدى الجنين ِبنية اسمها ( قناة مولر   Müllerian ducts ) و ِبنية أخرى اسمها (  قناة ولف  Wolffian duct) ، و  في مرحلة تحديد نوع الجنين إما أن تتطور(  قناة مولر)  إلى جهاز تناسلي أنثوي و إما تتطور (  قناة ولف) إلى جهاز تناسلي ذكري، أي أنه في حالة تطور الجهاز التناسلي الأنثوي ستتطور ( قناة مولر ) و تضمر ( قناة ولف)  ، و الغشاء المخاطي الذي يسد فتحة المهبل و نسميه نحن غشاء البكارة ما هو إلا المقابل الجنيني  للحويصلة المنوية  (   seminal vesicles  )  في الجهاز التناسلي الذكري.

 هذا المقال ليس طبيًا و لكن هناك ضرورة لرصد هذه المعلومة البسيطة عن  تطور الجنين  لأنه  سيأخذنا إلى نتيجة علمية طبية خاصة بالغشاء ألا و هي : أن غشاء البكارة لا ُيعد أكثر من كونه بواقي جنينية ، و هو ليس أكثر من حاجز غير منيع بين عضوين من أصلين مختلفين  ( الفرج و المهبل ) و لا توجد فائدة وظيفية للغشاء و يتم تصنيف الغشاء طبيًا في قائمة  الأعضاء الغير ضرورية و التي لا وظيفة لها في الإناث، تماما مثل  حلمات الثدي لدى  الرجال.

و لأن الغشاء مجرد بقايا جنينية ، فلهذا تعددت أشكاله و أنواعه ، فالغشاء قطعة جلد مخاطي  يسد فتحة المهبل و عادة يوجد به ثقب يسمح  بمرور دماء الحيض أثناء الدورة الشهرية  إلا في بعض حالات يكون فيها الغشاء مسدودًا. وهنا لابد من التدخل الجراحى بمعرفة أخصائى النساء لإحداث ثقب صغير لتصريف دم الحيض حتى  لا ُتصاب الفتاة بالتسمم من جراء احتباس الطمث ، و هناك نسبة من الفتيات يولدن بدون هذا الغشاء المخاطي أو يولدن بغشاء مطاطي لا ينزف و لا يتمزق من جراء العلاقة الحميمية.

ارتباط الغشاء بالعفة

طبيًا، لا علاقة بين الغشاء و العفة ، و ُيمكن إرجاع أنواع الغشاء المختلفة إلى  أسباب علمية  ُيجيب عليها تخصص طبي اسمه (  علم الأجنة-  Embryology ) ، و تلك الثقافة الطبية غائبة على مجتمعاتنا حتى مجتمعاتنا النخبوية المثقفة ( بدون تعميم )  التي لا تحبذ الخوض في هذه التفاصيل بسبب تعصب المجتمع لثقافة ترفض المنطق العلمي في مقابل الترويج للغشاء على أنه دليل عذرية و بالتالي دليل العفة.

العذرية تحتل مكانة كبيرة لدى المجتمعات الذكورية مع العلم أن المجتمعات الذكورية تشمل النساء و الرجال ، فبعض النساء يحملن أفكارًا  شديدة الذكورية خاصة فيما يخص العذرية ، و تزخر تلك الثقافة بوصف المرأة الثيب أي التي سبق لها الزواج بأنها ” سيارة  مستعملة” ركبها و قادها أحدهم من قبل  ، كما توصف المرأة التي فقدت عذريتها دون زواج  بعلبة التونة المفتوحة  ، التي لن يشتريها المتسوق لأن الرجل لا  يمكن أن يشتري منتجًا تم فتحه بواسطه غيره ، فأصبح سلعة تالفة رائحتها عفنة مثل علبة التونة  ، و في الأمثال الشعبية  المصرية ، ُيقال أن شرف الفتاة مثل عود الكبريت على اعتبار أن الكبريت لا يمكنك أن ُتشعله أكثر من مرة بعد احتراقه .

 هكذا يتم الترويج لفكرة العذرية ، فالمرأة بدون غشاء  ُتعتبر في نظر المجتمع  مستعملة  مثل السيارة قادها و ركبها أحدهم من قبل  ، غير صالحة للتناول بعد أن أصابها العطب مثل علية التونة المفتوحة ، و ُمحترقة يفوح منها رائحة الدخان مثل عود الكبريت ، و هكذا تم اختزال المرأة مهما بلغت من مكانة اجتماعية و ثقافية و علمية إلى قطعة جلد ُتحدد نظرة المجتمع إليها ، فما بالنا بالفتيات الأقل حظًا في التعليم و الثقافة و المستوى الإجتماعي! كم مرة قرأنا في صفحة الحوادث عن عريس يأخذ عروسه إلى قسم الشرطة ليحرر لها محضرًا ، لقد تزوج العريس من بكر رشيد حسب عقد الزواج  ووجدها ثيب غير عذراء و يريد تعويضا عن البضاعة التالفة.

 ناهينا عن  إهانة لا حدود لها تتعرض لها الفتاة و أسرتها إن تمزق غشاءها في حادث عارض أو أثناء ممارسة الرياضة ، فتضطر أن تعرض نفسها على طبيب معتمد ليستخرج لها شهادة طبية  تثبت عذريتها و أن غشائها تمزق في حادث لا في علاقة حميمية، و كأنها سلعة يتم تسويقها في موسم التنزيلات ليتم شرائها بشهادة ضمان!

عود الكبريت يشتعل ثانية 

المجتمع منفصم سعيد و مرتاح البال  بانفصامه ،  فممارسة الجنس أو ممارسة  الحب  خارج إطار الزوجية أمر لا يعيب الرجل لكنه يعيب المرأة، و الانفصام يقود المجتمع إلى التحايل، التحايل الذي استطاع أن ينفي نظرية أن الشرف- أي العذرية –  مثل  عود الكبريت  الذي لا يشتعل ثانية، فعود الكبريت من الممكن أن يشتعل ثانية بفضل عمليات ترقيع الغشاء .

هل يعلم هؤلاء الذين يختزلون الشرف في قطعة جلد أن الفتاة يمكنها ممارسة الجنس الشرجي و الفموي دون فقدانها للغشاء ؟ ألا  ُيبقيها هذا عذراء في أعرافهم  ؟ هل اطمئنت قلوبهم الآن لعفافها و شرفها ؟ هل يعلمون أن عمليات ترقيع الغشاء ُتجرى في العيادات البسيطة بل و أحيانا  في المستشفيات الحكومية ؟ و قد عرضت قناة CBC EXTRA المصرية في نوفمبر 2014 تقريرًا عن عمليات ترقيع البكارة في واحدة من المستشفيات الحكومية بالقليوبية. هل يعلمون أن هناك منتجات استعادة البكارة يتم شرائها عبر الإنترنت مقابل سعر زهيد و لا يحتاج تركيبها إلى تدخل طبي أو إجراء جراحي و هي منتجات تم تصنيعها خصيصا في الصين لمجتمع مريض منفصم اختزل الاخلاق في غشاء مخاطي

كشوفات العذرية :

موجة غضب عارمة اجتاحت الإعلام المصري و الأوساط المجتمعية المختلفة حين اقترح النائب البرلماني  إلهامي عجينة إجراء اختبارات عذرية على الفتيات قبل قبولهن بالجامعة في سبتمبر 2016 ، و غالبية ردود الأفعال  كانت تنطوي على أن التصريح يمس و يهين سمعة بناتنا ، و قد صرح  د. جابر نصار رئيس جامعة القاهرة  بتاريخ 3 أكتوبر 2016  بأنه سيتقدم إلى النائب العام ببلاغ رسمي ضد النائب الهامي عجينة لأنه اتهم طالبات الجامعة  باتهامات باطلة تنال من شرفهن وسمعتهن ومن الجامعة وتؤثر على مركزها محليا ودوليا، و بالرغم من موقف د. جابر نصار الواضح الذي نثني عليه و غيره من مواقف واضحة ضد مثل هذه التصريحات  إلا أنه لابد أن نتساءل ما العلاقة بين شرف البنات و مركز الجامعات المصرية العلمي محليًا و دوليًا ؟ لماذا نصر على التعامل مع قضايا المرأة  الحقوقية بروح القبيلة العنترية  لا روح الدولة و حقوق المواطنة؟

لماذا لا تتم مناقشة الموضوع بعيدًا عن عبارات شرف الفتيات في نقاط حقوقية  واضحة كالآتي :

–          لا علاقة لكشوفات العذرية بالقبول في الجامعة،  فمقياس القبول هو الدرجات العلمية و تعد هذه الكشوفات تمييزًا ضد المرأة  وفقا للمادة 11 من دستور 2014

–          النائب البرلماني  الهامي عجينة  متهم بالتحريض بالعنف ضد  الفتيات ، على اعتبار أن كشوف العذرية من جرائم العنف ضد المرأة و لابد من اسقاط  عضويته

–          كشوف العذرية تنتهك مواثيق حقوق المرأة الدولية و تعد انتهاكًا صريحًا للخصوصية

–          كشوف العذرية تنتهك المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونصها  ” لا ُيعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط من الكرامة.

–          كشوف العذرية تخالف اتفاقية مناهضة التعذيب الدولية

–          كشوف العذرية تخالف حكم محكمة القضاء الإداري في مصر  بتاريخ 27  ديسمبر 2011 في قضية كشوف العذرية التي أجرتها القوات المسلحة على المشاركات في مظاهرات يوم المرأة العالمي في ميدان التحرير في مارس  2011  و قالت المحكمة نصًا أن الفحوص انطوت على إذلال متعمد وإهانة مقصودة للإناث و هو الحكم الذي اعتبر كشوفات العذرية  انتهاكًا صريحا لحقوق المواطنة.

–          لابد من صياغة قانون ُيجرم كشوف العذرية أو المحرضين عليها خاصة و أنها من الممارسات التي تتعرض لها الفتيات داخل عائلاتهن ، و تخضع بعض  الفتيات لهذه الكشوف على يد أفراد العائلة ، مما يتطلب سن قانون يتعامل مع كشوف العذرية كجريمة عنف ضد المرأة داخل الأسرة .

أما النقطة التي يتفادها الجميع في مسألة العذرية هي أن الغشاء لا علاقة له بالبكارة و البكارة لا علاقة لها بالعفة و لا يمكن اختزال المرأة في غشاء أطلقنا عليه غشاء بكارة،  بل و أن حياة المرأة  الشخصية ليست مقياسًا  لتقييمها مجتمعيًا من الأساس.

الاعلامية المصرية رباب كمال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .