الق الق جداً : اللّغة و الأسلوب و القاص

 

ال(ق ق ج) : اللّغة و الأسلوب و القاص

د مسلك ميمون

1ـــ اللّغـة القصصية :

إنّ اللّغة تلعب دوراً أساسياً في كلِّ فنون القولِ .و في ال(ق ق ج) بخاصّة ، إذ تصبح اللّغــة مقاس نجاح النص أو فشله.بغض النّظر عن باقي مقومات و عوامل البناء القصصي الأخرى فكثير من القصص القصيرة تعالج أفكـاراً هامّة. و لكن بلغة عادية مباشرة، خالية من نكهة القصّ و الحكي.. تبعث على الرتابة و الملل . سرعـان مـا يكــون نصيبها الإهمال و اللامبالاة . على عكس اللّغة الفنية ، التي تتسم بالإيحاء و التّلميح ، و التّركيز و التّكثيف .فضلاً عمّا يكون لها من صدى داخلي يتردّد في ذهن القارئ و كأنّها لغة داخل اللّغة . و لا أقصد بهذا التأنّق اللّغوي ، أو الكتابـة المتحذلقـة أو المصطنعة .
L’ écriture précieuse فذلك دليل على التّكلّف و التّصنع و عدم القدرة الفنّية . اللّغة في القصة الق ق ج قد تكون لغة حكي فقط ؛ و تعطي عملاً جليلاً فنياً .بدون تلاعب لفظي ، أو كثرة المترادفات و الاشتقاقات و المتجانسات؛ و النعوت ؛ و المفعولات المطلقة … و ما إلى ذلك .
و إنّ القاص الموهوب و المتمرس ؛ هو الذي يستطيع استكمال القدرة على التّعبيـــر بلغة سليمـــــــــة ، سلسة، خالية من التّقعّر اللّفظي ، و المعاضلة أو الإطناب و الاستطـراد Digression و لعلّ اقتباس اللّغة السينمائية في بعض الكتابات القصصية،قدْ أغنى الأسلوب القصصي بشكـل واضح. إذ أصبحت الكتابة القصصية عبارة عن لقطات مكثفة، و مترابطة و هادفـة..فكان الاقتصاد في التّعبير و اللّغة . و كان التناغم الفني ، بين القـارئ و النّص .
و هذا يدعو إلى ابتكار طرائق في التعبير، و استعمال لغوي متطور يتنافى و ترديـــــد بعض الجمــــل الجاهزة ، أو التّعابير القديمة المتداولة . و حين نتحدث عن لغــة القــصّ، ينبغي الإشارة إلى عامل الرّبط و الترابط بين الجمل التي يستحسن أن تكـون قصيــــــرة و معبّرة . و عملية الرّبط تخلق تكاملاً و تجانساً ينتهي إلى أبعد نقطة ممكنـة في رأس الهرم الفنّي . فكثيرة أخطاء الربـط . لعدم إدراك و فهم معنى أدوات الربـط و أحيانـــاً كثيرة جهـل تام بمعـاني الحروف كحروف الجر .و لن يتم الوعي بهذا و بغيره من ضروب اللّغة إلى في إطار حركية لغوية . و أنسـاق من التّعبير مختلفة تمكـن مـن ملامسة الفعل القصصي , و إذكـاء الوهج الدرامي . مع ميل شديد إلى التركيـــــــــــز ، و توظيف حكيم للسّرد الإيحائي المتولّد عن لغة مكثفة . قد تكون في سبكها و تركيبها ، و تقدّمها و تأخــــرهــــــا ..شبيهة بلغة الشّعر . في غير سقوط مبتذل في اللا تجانس اللّفظي . أو التنافر في الجمـــــــــل . فذلك سبيل إلى التعتيم و الغموض . بل انتهاء إلى الركاكـة و سخف القول … و لعلّ هذا يذكرنا ببعض الأساليب العامّيـــــــــة الموظفـة في الحــوار القصصي . فالألفاظ العامّيــــــــة المتداولة ، إنْ أجيد توظيفها ـ لا شكّ ـ أنها تخدم النّص و تثري دلالته و مغزاه. و تعطيه بعداً فنياً وقائعياً . و لكــــن إذا أسيء توظيفها أو وظفت ألفاظ عاميـة محلية غير متداولة بكثرة إلا في نطاق محدود جداً.. فإنّهــــــا تجعل النصّ يفقـد الكثـير من قيمته الفنية و الدّلاليـة .
ولعلّ ما يلفت الانتباه في جلّ ما أصبحنا نقرأ من ( ق ق ج )، سقوط النص في أخطـــــاء لا حصر لها . تنعكس مباشرة على قيمة النص . فلا يهتـــــمّ القارئ بالدلالة و أبعادها ، و لا بالأسلوب و تنوعه…بل ينصب اهتمامه كلّ اهتمامه في متابعة الأخطاء . حسـرة و إشفاقاً. و نعطي لذلك أمثلـة مما صادفناه خلال مطالعتنـا :
(( همس في آذني كلاماً كانَ له علي وقع . )) —← لاحظ ثقل الكـلام .
(( شفتاي تحاول أنْ تنبس بكلام . )) –← لاحظ كيف أجاز للمثنى صيغة المفرد .
(( حتى أشارك معه الجلوس في مكان واحدٍ . )) ← لاحظ الركـاكة و المعنى العامي .
(( رأيته على سيارته المكشوفة أنيق فوق العادة.))← لاحظ الركاكة و ضياع القواعد
ـ في العربية لا يتوالى حرفا عطف ، كالجمع بين الواو و بل ، و الواو و ثــمَّ …
ـ كذلك لا يجوز أن تقحم الواو بين اسم لا و أنْ المصدرية :(لا بدّ وأن يطلع الفجر)
ـ كما لا يجوز تكرار ( كلّما ) : ( كلّما هبّت ريح الشمال كلّما عادت الذكرى.. )
ـ كما أنّه لا يجوز أن تقع اللام في جواب ( إنّ ) : ( و إلا لنامت في العـراء . ) ففي
هذا التركيب ( إن ) مدغمة في لا و هي أداة شرط و فعل الشرط يفهم من سياق الكلام و الصّواب : ( و إلا نامت في العراء .) بدون لام .
ـ ( كان العقد قيماً ) و الصواب نفيساً أو ذو قيمة عالية . و القيم : هو المستقيم .
ـ ( كان الكأس فوق الطاولة ) و الصواب : كانت الكأس … لأنّ الكأس مؤنثـة .
ـ ( كان كالأسد الكاسر . ) و الصواب : كالأسد الضاري . لأنّ الكاسـر يـقــــال
للعقاب أو البازي أو الطيور الجارحــة .
ـ ( جمع أخشابه و انصرف.) و الصواب : جمع خشبه ، لقوله تعالى :كأنّهم خشب ..
ـ ( كانت حسنة الخصائل ) و الصواب : حسنة الخصال : فالخصال مفردها خَصلة و
هي خلق في الإنسان . أمّا الخصائل فمفردها خصيلة و هي اللّفبفة من الشّعـر .
ـ ( سوف لا ينتهي السيل ) و الصّواب : لا ينتهي السّيل . لأنّ سـوف يجـب ألا تفصل عن الفعل.و هي لا تدخل إلا على الفعل المثبت.لقوله تعالى:((و لسوف يعطيك ربّك فترضى. ))
ـ ( روبكَتْ عفاف من شدّة تأثيرها ) و الصّواب : من شدّة تأثرهـا .
ــ ………………………………………………
و يستمر حبل الأخطاء الشّائعة و غير الشّائعة. و يتبين من كلّ ذلك أنّ محاولة تجاوز قواعد اللّغة لا يمكن أن تكون إلا تنكـراً للّغة نفسها ، و إهمالاً لفعلها ، و تجاهلاً لديمومتها … و ذلك لا يفضي إلاّ إلى هدم مريب ، و سقوط في دائرة الفجاجة و الرّكاكة …
وقد يكون من المفيد أنْ نشير … أنّ القاص مطالب بابتكار لغته الخاصّة من التراث اللّغوي العام ، كما هو مطالب أنْ يكتب بلغة عصره و مستجدّاتها .. و لكن هذا لا يعني أبداً التّنكر للّذي ليس منه بدّ.. كالقواعد الضّابطة ، و الأعراف الرّاسخــة ،قي مجال اللّغـــــة .

2 ـ الأقصوصـة و الأسـلــوب :

إنّ أسلوب المعالجة القصصية يختلف من قاص لآخر . و إن كانت النّمطية سارية في مختلف الإنتاج..و بخاصّة عند المبتدئين.الذين يستهويهم التقليد.و لا ضير في ذلك مادامت البداية.و لكن الخوف أنْ يتطبّع القاص على ذلك . فهذا الأمر إن ترسّخ في ذهنه ، فسيجعله تابعاً لكلّ جديد . دون امتلاك إواليات العمل ، و هـذا قد يقوده لاتخاذ الشّكلانية و التّجريـــب هدفاً يغض عن غيره الطرف،و بغير دراسة أو وعي بالعملية الإبداعية … وفي هذا مكمن الخطر .

إنّ في كلّ ما نقرأ من أقاصيص ، نجد أنّ الأساليب ـ و إنْ تنوعت ـ فهي كالتالي :

1 ـ الرؤية من الخارج:

وهنا يكون القاص كالمذيع الذي ينقل أشـواط المقابلة إلى المستمعين عبر المذياع . فهو الذي يرى و هو الذي يقول، و هو الذي يخفي ما يشاء . و المستمع يتتبع الوصـــــف بعناية و اهتمام بقدر براعة المذيع في الوصـف ، و قدرته على إثارة الإحساس و الاهتمام و الفضول، بلْ و الاستفزاز أحياناً. و هـذا الأسلوب شائع بكثرة . و يستهويـه المبتدئـــون. لسهولة مأخذه، و الشعور بالقدرة في إتجازه … و هو وهم يحسبه البعض حقيقة انطلاقاً من ضيق تجربتهم و خبرتهم في الكتـابـة القصصية. فعندهم أنّ القاص هو المدرك العام . و أنّ المتلقي جاهل بالموضوع،بل هو في حاجة إلى مصدر،لا تكون الحقيقة إلا به و منه . و هذا من الوعي الذي ولى و أتى عليـه الزمان ، و أصبح من تراث الكلاسيكية . ذلك أنّ نظريات التلقي . أثبتت أن المتلقي ليس جاهلاً بالموضوع ، و إنّما غير واع به . فحين يأتي العمل الإبداعي بأسلوبه الفني.. يحرك وعي المتلقي ، و يعيد إحساسه بالشيء . و اهتمامه بما غفل عنه …
و لكن هذا الأسلوب، بهذه الرؤية .. قد يمارسه الـرّواد و يبدعـون من خـلاله . ذلك أنّ القاص يبقى دائماً مشابهاً للمذيـع في الحكي و السّرد ، لما يشاهده و يعاينه . و لكـــن يُبقي للمستمع هوامش للتأمل و التّساؤل و التّعليق …ذلك أن وصفه لا يحدد، و إنما يلمّح . فيصبح المستمع متلق مشارك ، بدل أن كان متلق مستهلك فقط .

2 ـ الرؤية من الدّاخل:
على عكس الرؤية الخارجية.كلّ الأدوار تنقلـب . فبعد أن كان القاص هو الذي يتحدّث كشاهد عيان.يختفي كلياً في هـذا الأسلوب خلف أبطاله . فلا يُسمع من الأصوات إلا ما يأتي من الأبطال.و كأنهـم يصنعون مصيرهم على الورق من ذات أنفسهم.و هذه الأصوات تنبعث من أعماق سحيقة : قد تكون واصفة لأفكارٍ غريبة … أو نفسيات مكدودة متعبة … فيتحـول المونولوج إلى سرد بضمير الغائب .
هذا الأسلوب الذي اشتهر به ديستييفسكي يعيدنا إلى أغوار النفس البشرية لسبــــر تعقيداتها، و فك رموزها و طلاسمها . بلْ يجعلنا أمام أنفسنا. نواجه حقائق نفسية محضة ، قد نعانيها أو يعانيها بعضنا و لكن كلنا في غفلة عنهـا . و عموماً يبقى هذا الأسلوب مـــن أرقـى أساليب الكتابة القصصيـة ، و أعمقها ، و أصعبها … و لهذا نجد رواد هذا الأسلوب قلّة قليلة في العالم ، و أقلّ ما يمكن أنْ نتصور في العالم العربي .

3 ـ رؤيـة الحيـاد :
و في هذا الأسلوب يغيب القاص و يختفي كليـاً. و لا يتقمص شخصية ، و لا يتحدث من خلال لسان أحد ما.بل تنسلّ الأحـداث في انسياق انسيابي و كأنها تنسج نفسها بنفسها . كما يحدث في المقالة الصحفية ، إذ لا يكون الاهتمام منصباً على السّارد ( الكاتب ) بقدر ما يكون الاهتمام كلّ الاهتمام منصباً على الأحداث و ما آلت إليه .و بقدر ما يبدو هذا الأسلوب بسيطاً، بقدر ما هو صعب أيضاً. لأنّ الأقصوصة قد تسقط في المباشرة و النثرية العادية ، و تفقـد نكهة القصّ ، و تصبح مجرد خبر أو إخبار … إنْ لم أقل مجرد تقريــر .

4 ـ الرؤيـة المدمجـة:
و هو الأسلوب الذي يجمع بين الرؤية من الخارج و الرؤية من الدّاخل . و هو لاشك يكسب المتن القصصي متنفسين هائلـين . و يمكّـن القاص من التّعبير بحرية وعمـق . و هذا ما نجده عند رواد ال( ق ق ج ) .
و عموماً قد تشتق من هذه الأساليب طرائق شتى للتّعبير، منها ما هو إيجابي يساعد على نجاح القصة و بخاصّة إذا كان الكاتب متمكناً من أسلوبه و أدواته . و منهـا مــا هو سلبي أصلاً ، و يتورط القاص في توظيفه رغبة في التّجريـب أو عـدم الإدراك، مثلا : إنّ أسلوب المعالجة القصصية الذي يتّسم بالحدّة ، يغذيه انفعال زائد ، نجم عن اندفاع السنّ ، و فورة الشباب ، و التبعية الإيديولوجية ، و الثورة الرومانسية … فكلّ ذلك مجتمعـــاً أو متفرقاً ، يحدث صخباً ، و يفجر عنفواناً لغوياً حادّاً … تغيب من بسببه القيمــة الفنيـــــة القصصية . و يستحيـل النّص إلى اجترار شعاري حزبي أيديولوجي . قد يكون أي نص ما … و لكن لنْ يكون نصاً قصصياً .
و المعالجة القصصية قد تتطلب أحياناً توظيف الرمز . و هو على أهميته ، قد يصبح عبئاً ثقيلا ً إنْ أسيء فهمه، أو توظيفه .. فكثيراً من االقصاصين تستهويهم لعبة الرمز إذ من خلالها قد يمررون أفكاراً جريئة ، و يعطون للنص أبعاداً فنية جميلة . غير أنّ البعض الآخر غير المتمرس قد يحول نصه إلى تجريد و طلاسم.. تتلاشى معهـا البنية القصصية و تفتر نكهتها ، و غالباً ما تغرق القصة في السديمية و الانغلاق ، و الغموض و الابهام .
كما أنّ المعالجة القصصية تتطلب السّرد الحكائي و لعلّه الأسهل عنـد البعض ولكنّه مع ذلك فهو الأصعب . و صعوبته في مـدى سهولته . إذ يسقـط أغلـب القصاصين الشباب في شَرك هذه السهولة . فقد يبدؤون العمل بداية حسنة . و لكن سرعان ما يفقدون الزمام فينساب النص في التقريرية و المباشرة.. و يمكـن توضيح الجنوح إلى المباشرة و الخطابة Déclamation التي هـي من عيوب الفـن عموماً، و الإبداع الأدبي بخاصّة . فيما يلي :

1ـ عدم تمّكن القاص من أدواته الفنية . إذ يعمد إلى الشّرح و التّقرير بدل أن يترك ذلك لفعل الأقصوصة ، و حركتها الدرامية .
2ـ رغبة القاص فى التّعليق على الأحداث ، بتوظيف الجمل التّفسيرية ، و التّعجبية ، و الاعتراضية ….
3ـ الاستطراد في الكتابة الإنشائية الوصفية ، رغم وضوح الأحداث .

نخلص من كلّ هذا، أنّ الكتابة الفنّية، و بخاصّة ال(ق ق ج) ، كتابـة صعبــــــة ، منفلتة، ترصد رصداً و لا تقول مباشرة ، و لا تفسر شيئاً ، و لا تعطي حلاً . و هذا يتنافى كلياً مع ما نجده في بعض الكتابات القصصية ، إذ يكون صوت القاص عالياً مجلجلاً يحجب أصوات أبطاله .و هو يعلم ـ أو لا أظنه يعلم ـ أنّ العمل الفني لا يكتب له النجاح و البقاء إلا إذا كـان تلميحاً و إيماء ،و همساً و إشارة … و لا يحدث هذا إلا إذا عمد القاص إلى تفجير الإمكانات الدّرامية التي تولد رموزاً وإيحاءات ، و تعـبيراً جـديداً …
و مما يفسد الق ق ج الترادف و التكرار بدون مسوّغ.و كأني بالقاص عاشق للكلمات و الجمل … يصعب عليه تهذيب النّص . فيسقطه في الهذر والشّطط …
و هذا يقودنا إلى الحديث عن الكتابة الهذيانية . ولا أقـول تشبـه الهذيـان . إذ يلعـب فيها عدم الرّبط بين الجمل و الفقرات دوراً أساسياً . فالمتلقي يجد نفسه أمام نص كثيـــر الكلام ، قليل المعاني إنْ لم أقل بدون معنى . فهـو إلى السّـراب أقــرب منـه إلى الحقيقة : أشياء متداخلة ، مفككة ، مضطربة ،سديمية ، تجريدية ، لا لون لها و لا طعم … خليط غير متجانس . يجسد ثقافة اللا فهم .,, و السرّ في هذا، أنَّ القاص لا يعرف ماذا يريد . أو ذهنه مضطرب بقضايا متعارضة ، متصادمة ، مختلفة ، و يريد التّعبير عنها دفعــة واحدة فلا يستطيع إلا من خلال كتابة غير متجانسة، و لا فنية ..
و عموماً فالكتابة الفنية ، فنّ و رسالة . و ال(ق ق ج) إذا لم تكن هادفة ، فهـــــي هذيان ليس إلا . و نقصد بهـادفة : أن تحمـل المتلقي على تكوين رؤية، أو تأمل ،أو وضع سؤال إن لم أقل أسئلة … و ليس من الضروري أنْ تـحدد معنى لا ينبغي تجاوزه. و لكن يمكن تأويله ، ما دام يفسح المجال لعدة قراءات .
حقاً، لقد تنوعت المعالجة القصصية . إذ لم يكتب ال(ق ق ج) الأديب وحده . بل كتبهــا: الطبيب ، و الحقوقي ، و الاقتصادي ، و المهندس ، و الصّحفي ….كتبتها مختلف شرائح المجتمع، برغم اختلاف مشاربهم الثقافية ، و مراكزهم الاجتماعية . فتناثرت مصطلحات كثيرة و مختلفة . و المشكلة ليس في المصطلح ؛ و لكن في سـوء توظيفـه . إذ حين تصبح الق ق ج فقرة مذكرة مرافعة من كثرة المصطلحات القانونية ،في غمرة دفاع مستميت ؛ فإنه ينتصر الاصطلاحي بتناغماته المختلفة ، و يندثر الرواء القصصي كإحساس و متعة ، و تضيع الق ق ج كفن .
و لعلّ من وجوه اندثار هذا الـرواء،هذا الخلـط الواضح بين ال(ق ق ج ) و الخاطـرة، أو الحكمة أو الطرفة أو الأسطورة .. عند البعض. فيكون إدراج ذلك تحت اسم ال(ق ق ج ) و لا هي قصة و لا ينبغي أن تكون كذلك.. و إنما هي خلط ،و تخبط ، و عدم فهم و استيعاب للفن القصصي ، و متطلباته، و إوالياته ، و طرائقه ، و أساليبه .

و لعلّ من أسباب نجاح الق ق ج . إدراك و فهم أساليب المعالجة التي تعتمــد أساساً على أشياء كثيرة نذكر منها :
1ـ الحفاظ على عمق الحدث و وحدته و تكامله . فالق ق ج لا تحتمل التّفريع.
و التشظي ..الذي هو من خصائص القصّة ،و الرواية، و السيرة الذاتية .
2ـ التغاضي عن الحوار، أو اعتماد دقته . و حسن اختيار لغته .
3ـ تناسق السّرد، و الاحتراس من الكتابة البيضاء التي لا تعني شيئاً .
4ـ إهمال ما يمكن إدراكه من خلال السّرد و السّياق .
5ـ عدم شرح أو تفسير الجمل الفنّية ، أو التّعليق على المواقف و الأحداث .
6ـ تجنب نسق القصة القصيرة الذي لا يناسب ــ في جميع الأحوال ــ ال(ق ق ج ).
7ـ اعتماد لغة التأمّل،و إثارة الفضول و الاهتمام ، و لغة الحلم و الفضاءات
الرحبة ،التي تدعو للإيحاء و التّداعي و التّساؤل …
8ـ تجنب العنوان ، أو التّصدير ، أو الإهداء ، أو كلّ ما من شأنه أنْ يوحي
بمضمون النص ، من قريب أو من بعيد.
9ـ تجنب الوصف الشّططي الذي لا يخدم النصّ ، سواء فيما يخصّ الأبطال ،أو الأمكنة ، أو الزمان ، أو الأشياء …
10ـ خلق تجانس ، و ائتلاف بين الشكل و المضمون . (المعنى و المبنى )
و هذه عملية قد لا يعيرها الكثيرون حقها من العناية . فيسقط النّص في التّنافر بين ما قيل و ما ينبغـي أن يُقال، و كيف يُمكن أن يقال.كأنْ تطغى شاعرية اللّغـة على الـحدث ، فيتحـول النّصّ القصصي إلى قصيدة نثرية . فيغيب الحـدث أو يُغيّب ، حين يفقد أثـره و
فعاليته .نتيجة ضمور فعالية السّرد ، و تلاشي صوت الحكـي …
11ـ ينبغي أنْ تكون الق ق ج على مستوى الحدث، تلامس الواقعية و الوضوح الفني . و لا نقصد الوضوح الفجّ الذي لا يمكّن القارئ من الاستنتاج و الاستمتاع بالأثر القصصي.
12ـ العناية الفائقة بعنصري التّشويق و المفاجأة . لأنّ ذلك يشكل مسألة المسائل في الكتابة القصصية. فانــعدامهما أو قلّة حظهما ، يفقد المتلقي رغبة المتابعـة، و لذّة المتعة . إنَّ شحنة التّشويق ينبغي أن تسري في جسم النّص من أوله إلى نهايته . لهــــذا يستحسن الحذر في اختيار الكلمات و الجمل و التّعابير …حتّى لا يسقط النّص في التقرير و الإخبار . و الأجمل أن يكتب القاص و هو يجهل النّهايـة، أو القفلة أو المفارقة لكي يعيش التّشويق و المتعته هو نفسـه .و لا أستطيع أن أوافـق مـدعٍ يدعي أنّ عناصر القصّة تامّةً مكتملة في ذهنه . فهو يخادع نفسه . و بالتالي إن قُدر له أن يكتب ذلك ، فسيكتبه بفتور، و برود.. ينعكس حتماً على الأسلوب . و لا يترك أثراً في المتلقي .

3 ـ القـــــــــــاص :
القاص:مصدر الإبداع و التّفاعل و العطاء… فبقدر إحساسه بـذات الموضوع ،و خلفياته الاجتماعية و السّياسية و الثّقافية و السّيكولوجية و استيعابه لأساليب عمله ، و إدراكــــه لمقومات و أدوات العمل…بقدر ما يأتي الوعي في الطّرح، و طريقة العرض و ما سنجمله من ملاحظات يوضح ذلك :

1ـ عـدم تدخـل السّـارد :
حين لا يتدخل السّارد بالشّرح و التّفسير و بخاصّة فيما يتعلّق بالعلاقات و الرّوابط ، و يترك ذلك للقارئ… فإنّه يمنح القصّة فسحـة من المتعـة و التّشويق.و يجعل القـــــــارئ مساهماً في الإنتاج الفنّي : بوعيه و فكره وتذوقه و إحساسه .
2ـ و لعلّ مما يحيّر القاص المبتدئ : هل يكتب عن الشخصية أم يتركها تأخذ مسارها و حركتها الخاصّة في مدارات النّص ؟ لعلّ الكتابة ( عن ) تجعل الكثير يسقط في المباشرة و الوصف الفتوغرافي الذي يجعل النص قطعة ثلج باردة تبعث على السّأم و الضّجــر … و قد يسقط في هذا كبار القصاصين أيضاً .
أمّا الكتابة القصصية التلقائية التي تتخذ العفوية الفنية مساراً و انسيـاقاً، تنعدم فيها المباشرة أو تكاد.وتكثر فيها المتعة،والرّغبة في المطالعة… لأنّ المتلقي يعايش الشخصيات عن قرب،إذ يكون القاصّ في حياد تام،و سلطته منعدمة،و كأنَّ القصة تكتب نفسها بنفسها. و تلك أرقى طرائق الكتابة الفنية الإبداعية .
و هذا يقودنا إلى مجال الق ق ج المنتظمة انتظام العقد . إنّ عملية التّخطيط المسبق ، و هندسة البناء التي تشعر القارئ أنّ كلّ شيء قد حُسب حساباً، و رُتب ترتيباً … غالبا ما تكون منزلقاً للسّقوط في الافتعال … لأنّ العملية الفنية لا يحكمها المنطق الرياضي . بـــــل العملية كلّهــا أساسها التّلقائية في التّعبير ؛ فإنْ كان هناك بناء فهو وليد لحظة الكتابـــة.و دفقة الإبــداع بدافع أن أشياء تخمرت في اللاوعي. . و على ذكر هذا .. فقد يخادعنا و لا يخادع إلا نفسه من يدعي أنّ النص كاملا بقي يتخمّر في ذهنه وقتـاً طويلا ً . و كأنّه يعي فعلا ً مرحلـــــة الاختمار و يحسّها… مع أنّ الأمر و إنْ كان كذلك ، فهـو اختمـار في اللا وعي للفكرة ، و الفكرة فقط ؛ من غير هندسة و لا بناء و لا صفات …

و لا يمكن للقاص أن ينجح في مهمته إنْ لم يكن خصب الخيال ، كثير الحلم بما كــان و ما هو كائن،و ما ينبغي أن يكون . و لا نقصد بذلك الخيال المريض ، أو الحلم الرومانسي اللا واقعي . بل نريد من ذلك القدرة على الخلق و الإبداع . بمعنى عدم انتظار مستجدات الحيـاة اليومية للكتابة عنها. فتلك مهمة الصحفي الإخباري،و ليست مهمة القاص المبدع. و لذلك من جماليات البناء القصصي: ترتيب العلاقات و الأحداث عن طريق التخيل و الحلم.
و لنجاح الق ق ج ، ينبغي للقاص أنْ يتخلص من صبغة التشاؤم و القتامة .. فالكتابة القصصية فن . و الفنّ لصيق بالحياة ، منــــاف للعدمية و السّودوية . لهذا ينبغي ترك قتامة الملل و اليأس ، حتّى و إنْ كان الموقف الدرامي و التّفاعل النّفسي و الاجتماعي يدعو إلى ذلك كما يبدو. فالمتلقي سيتشبث بخيط الأمل، من خلال قراءة ما وراء السّطور ، و قراءة ما لم يكتب ….
و لكي تتمّ عملية الإعداد الأوّلي ، و خطوات التّنسيق النّهائي على أحسن مـا يـرام ، لابدّ من الإكثار من مطالعة الإبداعات القصصية لكبار القصاصيين في الوطن العربـــي و في العالم قدر الإمكـــان …بل لا بد من الاطلاع على الكتابات النقدية و التّنظيرية في هذا المجال. إذ لا يمكن الحديث عن كتابة واعدة بغير مطالعة مكثفة ، و دراســـة مستفيضــة مستمرة …
و قد يخطئ القاص حين يهمل التركيز على الحـدث الرئيس.و يسمح لقلمه أن يخوض في التفريعات و الهوامش … التي لا تخدم فكرة النّص في شيء .و التي هي من خصائص القصّة الطويلة أو الرواية و ليس من خصائص الق ق ج التي تعمد إلى التركيز و الإيجاز، و تجنب الاستطراد ، و الإطناب ، و التّـرادف Redonance و التّكرار …
كما يخطىء البعض الآخر الذي يندفع في الكتابة مدعياً أنّه خلق ليكون قاصاً أو هكذا يشعر . و هو مع ذلك شعور كاذب . و نلاحظ أنّ النّيــة و اعتماد الإحســاس بالموهبــة لا يفيدان وحدهما في إعداد االقاص النّجيب . بل لا بدّ من الممارسة ، و المطالعة المكثفة ، و الدراسة المستفيضة .. لصقل موهبة فتية ، و بناء أسلوب وطريقة ، و اكتساب تجربة و خبرة .وفيمـا وجدت لم أجد ما يهذّب الذّوق ، و ينمّـي الموهبة ، كالمطالعـة الواعيـة . و قدْ يقال ماذا يطالع القاص ؟ أقول إنّ المطالعـة ينبغي أن تكون مكثفـة و متنـــوعة للفـن و الإبداع القصصي ، و للتنظير و النقد في هذا المجال . و الاهتمـام بالثّقافــات الاجتماعية و المعارف الإنسانية ذات الطابع التّواصلي و الحضاري فذلك من شأنه أنْ يغذي الموهبة و يوسع آفـاق التجربة. و ينمي الإدراك بذات الشّيء ..بينما تعمّق الدّراسة أسلوب المعالجة . و تقوي أداة الخبرة ..و يهمنا ؛ فضلاً عن كلّ هذا، أن تكون الكتابة القصية ناتجـة عـن همّ و معاناة ، و ذات خطاب و فن . و رؤية لما هو كائن ، أو لما ينبغي أن يكون .لهذا أرى أنّه من المفيد جداً،أنْ يولي القاص اهتماماً واسعاً لقضايا المجتمـع،و السياسة،و الاقتصـاد ، و الثقافة . بل و العادات و التقاليد و ضروب التـراث الأخرى في بعديه الإقليمي و العالمي .. فكلّ ذلك ثراء سيغرف منه ما شـاء مادام يمارس الكتـابة . فالق ق ج تفترض الـوعي بالأشياء . و حسن تصورها و فهمها لأنها في النّهاية : القدرة على تجسيد الوعي بفعل إبـداعي . من تمّ ابتعدت الق ق ج أن تكون جمل مواعيظ ،أو حكم، أو أمثال ،أو حـث على الفضيلة و التّمسك بالأخلاق …فهي لا تستساغ إلا في صورتها الفنّية .التي تمرّر مـــــــن خلالها خطابات شتىّ . تلك الخطابات التي يتوصل إليها المتلقي Destinataire عبرأو بين السّطور ، فيجد في ذلك متعة لا تعادلها متعة . فدور القاص ، دور على غاية من الأهمية . إنْ أتقنه ، و أحسن القيام به . و يتجلى ذلك في أمور كثيرة نخصّ بالذكر منها :

1ـ إثارة و استفزاز الشعور المتبلّد .
2ـ جعل القارئ يستعيد الدّفء في إحساسه و عواطفه .
3ـ بثّ شيء من الحيرة و الشّك ، و القلق و الخوف ، و التّساؤل و الانبهار .

قد يبدو هذا غريباً !! و لكن لا غرابة فيما هو ضروري . لقد أصبنا في العقود الأخيرة في مجتمعنا العربي بكساد في الرأي و بلادة في الإحساس و الشّعور . أشياء لا يمكن لأحد أنْ ينكرها لأسباب شتى لا سبيل لذكرها . فيبـقى لهذا الفن الجميـل أن ينفت قليلاً من الدّفء في هـذه القلوب الجامدة، من صقيع اللاّ مبالاة . و يبث قليلا من الحيرة و الشّك في وضـــع أصـبح غـير ملائم . و يدعـو إلى القلـق و الخوف من مصير مجهــول يهــمّ الجميع ، و لا يستثني أحـداً .و أخيرا يدفع إلى التّساؤل و في التّساؤل بداية الوعي و الانبهار بما ينبغي أنْ يكون .إذن ؛ فالعملية جادة و مجيدة. فكلّ هذا يشكل فلسفة الفن القصصي .فقـــــد ولى زمن القصة لتجزية الوقت ، أو استجلاب النّوم ..
لقد أصبحت القصّة الحديثة دعوة صريحة للوعي و اليقظة . و التّعامـل معهـا في إطارهـا الفنّي يستوجب نباهة و تفهماً خالصين.لأنّها عملية تصعيد و ارتقــاء إلى الأنقى و الأنبل.و ليس في هذا قفز على أوضاع المجتمع المتردية.بل تهذيب للذّوق،و تحلّ بلطافـــة الحسّ Esprit de finesse على حدّ تعبير باسكال ، و إنتـاج لـوعي جديد ينشد أسمـــى الغايات ، بدل الانكفاء في المستنقعات، و البقاء في أوحالها الآسنة .
و لتحقيق هذه الأهداف النبيلة في كتابة الق ق ج ؛ على القاص أن يفترض أنّ قارئه ذكي و نجيب ؛ يفهم لغة القص و مضمونهـا،بل و أبعادهـا المدلوليــة Signifiance بل أكثر من هذا ، يستطيع قراءة مـا وراء اللّغة . فهــذا يساعده على الكتابــة الرّاقيــة و إهمـال الجمل التّوضيحية و التّفسيريـة ، و الوصف اللّغوي Discription l’inguistique الذي يسئ إلى العمــل القصصي فيفقده المتعة و الأداء و الانسجام … و هذا لا يعني عدم وضـوح القصة و إغراقها في الذهنية بل ينبغي أن تكون واضحة وضوحاً فنياً ، ذلك الوضوح الذي لا يحرم القارئ من متعـة الاستنتاج و التأويل … و هي ـ مع ذلك ـ معادلة صعبة لا تتحقـق إلا بالمران و الممارسة ، و المطالعة المكثفة و المستمرة.لأنَّ الذي لا يقرأ الق ق ج ، لا يمكن أبداً أن يكتبها . و إن فعل سيكتب أي شيء ، و أي شيء، لن يكون ( ق ق ج ) .

 د مسلك ميمون

غواية السرد القصير / د مسلك ميمون
https://www.facebook.com/Ghiwayatsardalkasyr/likes
غواية الشعر / د مسلك ميمون
https://www.facebook.com/ghiwayatchir?ref=hl

 

§

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.