هتلر و الفنّ التّشكيليّ

الفنّ المُنحط……

***ماذا كان يدور فى رأس هتلر وهو يقف هكذا أمام اللوحات الفنية؟

فى سيرته الذاتية “كفاحى” أكد الديكتاتور انه كان يتمنى أن يصبح رساما، ولكنه فشل فى اجتياز امتحانات القبول بأكاديمية الفنون يفيينا مرتين فى1907 و1908. أدمن هتلر بعد أن اصبح الفوهرر صياغة عبارات تهاجم الفنانين الطليعيين والمجددين. “فكل من يرى أن السماء خضراء ويرسم الحقول بلون أزرق يتعين اخصاؤه”، “ويجب وضع هذا الفصيل من الرسامين فى السجون” وفى أرق الحالات كان يرى ” أن حجزهم فى مصحات الأمراض العقلية ضرورة”. صادر أعمالهم وأمر بحرقها، كما أصر على عمل تجريسة لهم فى معرض سماه ” الفن المنحط” ” Entartete Kunst فى مواجهة معرض فخم حشد فيه ما أعتقد أنه يمثل ” الفن الالمانى العظيم “. الفن الذى يمجد بطولة وسمو العرق الآرى. كان ذلك فى ثلاثينات القرن الماضى. وقد حالفنى الحظ ان أكون فى برلين سنة 1990 حين استعادت المدينة العرضين متزامنين مجددا. شاهدت آنذاك اللوحات التى رسمها الزعيم فى شبابه. وتأكد لى أنه مديوكر أصيل، يطبق بلا روح ما تعلمه من قواعد المنظور والنسب فى معهد تقنى لرسامى المساحة. لوحات باردة ثقيلة الظل تكشف فقط مدى الإصرار والدأب. ولذا كان استبعاده مرتين فى اختبارات القبول قرارا رحيما للجميع.
كان نولدى وهو أحد قمم التعبيرية الالمانية فنانا منحطا فى عين هتلر، صودرت لوحاته وحرق بعضها. انسحب الرجل الى الريف واشاع أنه توقف عن الرسم، وكان من بين الممنوعين من شراء الوان أو أى لوازم فنية. نولدى كان يحصل خلسة على الوان مائية، لأنه يخشى إذا ما استخدم الوان الزيت أن يشم أحد الجيران الرائحة ويسرع بابلاغ السلطات. كان هذا هو الحال. فنانون هربوا بجلدهم ومنهم من انتحر ومن انعزل ومن توقف تماما عن الابداع ومن أصابه اكتئاب لم يشف منه حتى مات .
أغلب الأعمال التى أحرقت لم تكن لوحات هامة، فقد حرص النازيون الكبار،لحسن حظنا، على اخفاء الأعمال المتميزة. ليس لتعلقهم بها أو للحفاظ عليها، وانما لتهريبها الى حيث يتم بيعها لحسابهم. لم يكن مسموحا آنذاك بعرض أعمال بيكاسو. بل وتم حرق بعض اللوحات فى باريس أيضا، الغريب أن النازيين الذبن احتلوا فرنسا، والذين أكدوا حرصهم على الصحة النفسية للشعب الالمانى، قرروا بكل أريحية ترك الفرنسيين لهوسهم وميولهم العبثية. فى الواقع كان السوق الباريسى وسيلتهم للتربح من الأعمال المصادرة.
توافد الناس فى زمن سيطرة النازية لمشاهدة “الفن المنحط ” بأعداد فاقت بأضعاف من زاروا معرض “الفن الألمانى العظيم ” الذى هللت له الدولة. واسقطوا بحضورهم الكبير مقولة جوبلز وزير الدعاية النازى” إذا قمت بتكرار كذبة ما عدة مرات، فسوف يصدقها الناس كحقيقة، وسوف تنتهى بأن تصدقها أنت أيضا.” صدق هذه الأعمال وشجاعتها قلبا المعادلة. كما أن فضول الجمهور لمشاهدة ما ترفضه السلطات او تمنعه كان بالطبع عاملا حاسما. فضل الناس فى النهاية مشاهدة المنحطين. وكانت القائمة عامرة بالفعل وفيها تظهر أسماء مثل: بول كلى،موندريان ، ميرو، كاندنسكى، مونش، مودليانى، ايجون شيلى، جوستاف كليمت، شاجال، كورت شفيترز، اوسكار شليمر، اميل نولدى، فرانز مارك، كوكوشكا ، كرشنر، جروز، ماكس ارنست، اوتو ديكس،مان راى، ماكس بيكمان….وصولا الى العزيز فان جوخ

.                                                                                    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .