قراءة لـ (ق ق ج) [ جبّة الحلاج ] للقاص إبراهيم الدرغوثي / تونس

النّص : جبّة الحلاج.

كانت الطائرة تمخر عباب الفضاء على ارتفاع فاق العشرة كيلومترات وبسرعة قاربت سرعة الصوت.وكانت درجة الحرارة في الخارج قد تعدّت الخمسة وخمسين درجة تحت الصفر، لحظتها،مرّ طيفه قريبا من الشباك الصغير للطائرة. كان يرتجف من البرد الشديد، فصحت وأنا بين اليقظة والمنام:
– ياااااااااااااااااااااه!!! هو أنت إذن! كم أنت حزين وبائس يا سيدي!
فظل ينظر داخل الطائرة بعينين مكدودتين، عيني عجوز أنهكه الدهر، ولم يردّ على سؤالي. فعدت أوشوش له وأنا أنقر على الشباك الصغير حتى أجلب انتباهه
ــ سنتقاسم جبّة الحلاج يا مولاي على أن تعدني بمكان صغير في قلبك. 

                                                                                 ***

العنوان جملة اسمية يثير اهتماما و فضولا.

فالجبّة لباس عربيّ فضفاض واسع الكمين، و مفتوح من الأمام، كان و مازال لحد الآن في دول الخليج العربي،أما في دول المغرب العربي هناك ما يشبهه و هو “البرنوس”، و هو و كما هي العادة، يلبس فوق ثياب أخرى .

و قد أضيف للجبّة اسم عرف في تاريخ التّصوف العربيّ، و هو: الحلاج. و الاسم كاملا :. أبوالمغيث الحسين بن منصور، ولد سنة 858 ميلادية، منتصف القرن الثالث الهجري. كان ينتمي إلى قبيلة ساندت الثورة الزيدية التي قادها الزنج و القرامطة . و قد عُرف بتشيعه و مساندته للثورة. و لكن بعد أن قضي عليها. لجأ إلى مكة يائساً، فانخرط في التصوف و بالغ و صار يدعو إلى الفناء و التّلاشي في الذّات الإلهية، و تأليه الإنسان بتبنيه نظرية الاتحاد. و هو القائل : «فالتّوحيد الحق إنّما هو توحيد الذّات بالله، وكلّ ما هو دون ذلك إن هو إلا تعلّق بالوهم الخادع».

و يقول شعراً :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتنى أبصرتــــــه ***وإذا أبصرتـــه أبصرتنا

يقول أيضاً:

عجبــت منك ومنّـــــى*** يا منيـــة المتمنى

أدنيتنــى منك حتّـــى ***ظننـــت أنّك أنّــى

وغبت فى الوجد حتّى***أفنيتنـــى بك عنّى

و قد كانت نهاية الحلاج مأساوية، قطّعت أطرافه، و جزّ رأسه و أحرقت كتبه.. عدا كتابه «الطواسين» وبعض من أشعاره وأقواله . و قد استفاد من اسم “الحلاج ” و “جبته” أدباء كثر، كالشّاعر صلاح عبد الصبور، في مسرحيته الشّعرية السّياسية : ( مأساة الحلاج )

فعودة إلى النّص نلاحظ أنّ القاصّ قطّعه مقطعين:

مقطع يتحدث فيه عن الطّائرة التي تقلّ بطله في رحلة جوية، بسرعة قاربت سرعة الصّوت، وعلى إرتفاع شاهق حوالي عشرة كلومترات، حيث الصّقيع في الخارج، و درجة الحرارة تعدّت الخمسة والخمسين تحت الصّفر.

والمقطع الثّاني، و تميز بالغرابة و ما هو عجائبي (Fantastique) و الحلم. فجأة و كما يقع في الأحلام ، ظهر طيف رجل عجوز خلف زجاج شباك الطائرة في هذا الجو الصّقيعي، فيندهش السّارد ( بصفته سارد مشارك ) و يصرخ و هو بين اليقظة و النوم:(ياااااااااااااه!!! هو أنت إذن! كم أنت حزين وبائس يا سيدي! ) ، فهو يعرفه إذن ، و يشفق من حاله ، و يحترمه، لأنه بجلّه بكلمة (سيدي) و ( مولاي ) . العجوز لم يهتم باندهاش السّارد ، و لا بشفقته، أو تعجبه .بل كان همّه أن يتطلّع إلى من هم داخل الطّائرة، بعينين مكدودتين ، و قد أنهكه الدّهر .

فحاول السّارد أن ينقر زجاج شباك الطّائرة، و يوشوش له عساه يُلفتُ انتباهه، و لكن يبدو أنّ الأمر كان بدون فائدة . فكان الاغراء ، و ذلك بأن واعد السّاردُ العجوز أن يقاسمه جبَّة الحلاج ، على أن يترك له مكاناً صغيراً في قلبه .

 

هنا تستوقف القارئ ثمانية أسئلة :

1 ــ لماذا بالضّبط طائرة كتفضيئ .( Spatialisation)

2 ــ كيف لطيْفِ العجوزأن يشاهَد خلفَ زجاج شباك طائرة سرعتها قاربت سُرعة الصَّوت؟

3ــ وافتراضاً كان ذلك، كيف يُطيق العجوزجواً بارداً تعدّى الخمسة والخمسين تحت الصفر؟

4ــ ما علاقة السّارد بالعجوز مادام يَعرفه، و يحترمه ( سيدي ، مولاي ) ؟

5ــ لماذا اهتمّ العجوز بمن هم بداخل الطّائرة و تجاهل السّارد رغم محاولاته لفت انْتباهه؟

6ــ لماذا أغراه بمقاسمة جبّة الحلاج ؟

7ــ لماذا جبّة الحلاج بالضّبط ؟

8ــ لماذا يرجو السّاردُ أن يَعدهُ العجوزُ بمكان صغير في قلبه؟

المؤشرات (les indicateurs) الدالة شحيحة في النّص. الشيء الذي يحث القارئ أن يطرق باب التّأويل (interprétation) الذي يبدو أنّه منفتح على مصرعيه. و على القارئ أن يفهم ما يشاء. وفق بعد نظره ، و عمق ثقافته، و قدرة استيعابه و فهمه… و ليسَ بوسع القاص أن يعترض على أيّ استنتاج أو تأويل. مادام اتّخذ هذا النّسق من الكتابة .

بحيث أنّ النص بهذه التّركيبة الحلمية،(la narration onirique) الغرائبية (بين اليقظة و المنام) وهذا الرمزالتاريخي الدامي ( الحلاج) و ( الجبّة ) الصوفية التي عرف بها الصّوفيون، و سموا بها، و التي هي هنا بمثابة رمز طافح بالدلالة ،و التي تخلّى عنها الحلاجُ معلناً التّوحد مع الله إلأى أن صاح: ( أنا الحق) ، الشّيء الذي أدّى إلى إعدامه بشكل مريع …

فالمتلقي سيجد نفسه مضطراً للتّأويل ، و لربط هذا بذاك، و الاستنجاد بمخيلته، و ذاكرته، عساه يجد جواباً يطمئنه، و يقيه حيرة الأسئلة التي أثارها النّص.

لأن الأسئلة (1، 2 ، 3 ) ممكن أن تكون أجوبتها كأثر حلمي،أو رؤية من رؤى أحلام اليقظة في الطائرة .لكن باقي الأسئلة، تبقى معلقة، و لعلّ السّؤال الأهمّ :

من يكون ذلك العجوز في الحلم؟

اعتباره الحلاج نفسه ،يتناقض و عرض السّارد بأن يقاسمه ( جبة الحلاج ) و لو كان الأمر، كذلك لقال له : ( سأقاسمك جبتك يا مولاي….) و ما دام ليس الحلاج ، فمن يكون؟ و الصّلة بينه و بين السّارد صِلة مَعرفة و احترام و تبجيل …

إنّ نص ( جبّة الحَلاج ) من النّصوص التي تحتمل التّأويل، و تحث عليه. و لا أجده للمتعة القِرائية فقط ، بل للمتعة الذّهْنية والتّأمّلية ، و تنشيط الذّاكرة، و إثارة الخيال والتّخييل.و هذا من آثار الحداثة السّردية التي تتجاوز المَعنى الحقيقيّ المباشر(dénotation) إن لم أقل تلغيه، من أجل معنى في ذهن القارئ، في إطار شهوة الحكي، و الحلم، و التّخييل …فهنيئا للقاص إبراهيم الدرغوثي على هذا النص القصصي الذهني، الذي يلمّح لأشياء، و يصمت عن أشياء، و يبحرُ بالمتلقي في خضم من الأسئلة …

تحياتي / مسلك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .