قراءة لـ (ق ق ج) “فطين” للقاص عبّاس عجاج البدري / العراق

 النص:

                                          ” فطيــن “

كان القائد الأمني يتفقد نقاط التفتيش. وقف عند الشرطي الذي يتفحص المركبات ، بجهازه المستورد سأله :
– بني.. كيف تعرف أن السيارة مفخخة؟
رد بسرعة البديهة :
ــ حين تنفجر… سيدي

***

 “فطين ” قصة قصيرة جداً ، للقاص العراقي عباس عجاج البدري، من مجموعته التي صدرت أخيراً ببغداد تحت عنوان ( رقصة الموتى )
العنوان : ” فطين ” لغوياً من “فطِنَ / فطِنَ إلى / فطِنَ بـ / فطِنَ لـ يَفطَن ، فِطنةً و فَطانةً وفَطَنًا وفطْنًا ، فهو فاطن . و ضده غبي. نقول : فَطَنَ الأَمْرَ : عَلِمَهُ ، تَبَيَّنَهُ و منه صاحب فطنة ، ماهر ، حاذق أدرك و فهم ، فهو قوي العقل.
و من تمّ الفِطْنَةُ : الحِذْقُ والمَهارةُ ،و الحِكْمة ، و التبصُّر ، و بُعد النظر …
إذن العنوان يهيئنا للإطلاع على نوعية من الذكاء و النباهة، و يغري بالتّعرف، دون تحديد بل بتنكير، مزيداً في التّشويق و الطّلب، و إذكاء الفضول، و حب المعرفة و الاستطلاع…

ــ و تأتي الجملة الأولى من النص : [كان القائد الأمني يتفقد نقاط التفتيش.] جملة خبرية، تحيلنا على عراق الإضطراب، و نقط التفتيش، بحثاً عن وجوه الإرهاب، و المفخّخات التي ذهبت بأرواح بريئة، تعطشاً للدّماء، و تنفيذاً (لأجندات) خارجية و داخلية ، تريد أن يبقى العراق على صفيح ساخن، عرضة للإضطراب السّياسي و الأمْني، و تحقيقاً لأطماع سياسية و اقتصادية…

ــ ثم تأتي الجملة الموالية خبرية أيضاً: [وقف عند الشّرطي الذي يتفحّص المركبات ، بجهازه المُستورد] المراقبة تقتضي أن يكون الجميع متيقظين متنبهين و على درجة من الفطنة قادة و شرطة. درءاً لأي محاولة اختراق تزهق أرواحاً سواء في تجمعات جنود أو حشد من الباعة و التّجار و الزّبناء، أو مسجد مملوء بالرّكع السّجود. الإجرام بلغ حداً من الفظاعة، ما جعل الكلّ لا يضمن نفسه أو أهله، بل الكلّ أصبح مستهدفاً، و مشروع قتل بأبشع الانفجارات…

و يأتي سؤال القائد : [ بني.. كيف تعرف أنّ السيارة مفخخة؟ ] سؤال تقني، قد لا يجيب عنه مواطن عادي، بعيدا عن الدّائرة الأمنية، و لا علم له بتقنية البحث، في المركبات، و أين تخبّأ المتفجرات و الأحزمة النّاسفة، و لا كيف يشتغل الجهاز المستورد الذي بيد الشّرطي و الذي يكشف عن الأجسام الغريبة القابلة للإنفجار. سؤال حري بالشّرطي أن يجيب عنه، لأنّه بحكم وظيفته ، و ما تلقاه من تدريب ، يُفترض أن يكون على بينة من الأمر.
و لكن السّارد يوضح أمراً ما كان في الحسبان:[ردّ بسرعة البديهة:] فهل الأمر له علاقة بالبديهة، أم بالمعرفة و التّقنية ؟
كلام السّارد يبثّ الشك و الريبة. و يثير انتباه القارئ، و كأنّ ردّ الشرطي سيتسم بالغرابة.
و يأتي الرد :
ــ [ حين تنفجر… سيدي ] قفلة / خرجة، مفاجئة و صادمة معاً.
ليس هذا ما كان القائد ينتظره. و ليس هذا ما كان يريد معرفته.
إنها لحظة اكتشاف مذهلة ! ( moment of truth) منْ يُعتمد عليه أن يحفظ الأمن و السّلام للمواطنين، لا يعرف الخطر إلا بعد حدوثه.

النص في حدود سبع و عشرين كلمة لخص ثغرة الأمن و عدم الاستقرار. بأسلوب ساخر يتجسّد أولا في العنوان ” فطين ” و هو الغباء نفسه . كما يتجسد في جواب الشّرطي. رمز الحراسة و الأمن…و لا حراسة و لا أمن . فرغم تجهيزه بأحدث ألة مستوردة للكشف عن المتفجرات، مازال يعتمد على البديهة، و ينتظر الواقعة حتّى تقع، ليسجل أنّها وقعت، هذا إذا بقي حياً و نجا بنفسه. و بمعنى أخر أبعد ، أليس أرواح المواطنين تتطلب اليقظة، و تدبّر الأمور قبل حدوثها؟ و استباق الأحداث و منعها؟ و الكشف عن المخططات و المؤامرات قبل تنفيذها ؟
أسئلة يوحي بها النّص، و يَعيها المتلقي.لما يجده من علامات لسانية، و سيميائية..و سخرية لاذعة مُرَّة … تكشف عن حقيقة واقع مفاده تباين و تضاد المخبر و المظهر (the contrast of reality and appearance)
و يمكن تعميم الفكرة بشكل رمزي أو تأويلي، و تصبح نقطة التفتيش في العراق هي الوطن العربي برمّته. هل مسؤولو هذا الوطن كانوا على يقظة و فطنة لما يحاك ضده؟ ألم يكونوا كشرطي نقطة التفتيش في منتهى التهاون و الغباء ؟ رغم أنّ كل المؤشرات كانت تدلّ أن أقطار الوطن العربي مقبلة على فوضى.بل ليت شعري، ألم تخبر وزيرة الخارجية الأمريكية السّابقة كوندا ليزا رايس أنّ الشّرق الأوسط مقبل على فوضى خلاقة؟ بلى أخبرت بذلك . و لكن المسؤولين ظلوا كشرطي نقطة التّفتيش ينتظرون أن تنفجر. وها هي قد انفجرت فلا العراق عراق! و لا سورية سورية ! ولا ليبيا ليبيا ! و لا اليمن يمن.. ! لو قدّر ـ فقط ـ أن تعود هذه الأقطار كما كانت. لكان لذلك عقود طويلة من الزّمن، و أموال كثيرة لا حصر لها، و أجيال و أجيال من الضّياع و التّخلّف

كلّ هذا يجعل لهذا النّص قيمة دلالية، و فنّية، تؤكّد أهمية الق الق جداً في فضح و كشف سلبيات الوضع العربي، بأسلوب السّخرية السّوداء إذ كشفت هنا الحلقة المفرغة، بل الحلقة المفقودة، و التي لا نعمل على إيجادها. لضمان ما تبقى من عروبتنا، و تراثنا و ثقافتنا …فهنيئاً للقاص عبّاس عجاج البدري على هذا النّص السّاخر والهادف .

تحياتي / مسلك

 

 

 

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .