ميمون مسلك ناقداً للقصّة القصيرة جداً

 


نشر في بيان اليوم يوم 04 – 05 – 2018

يُعَد الدكتور ميمون مَسْلك أحد نقاد القصة القصيرة جدا الذين بذلوا جهدا كبيرا في متابعة هذا الجنس الأدبي الوليد، توجيها وتنظيرا وتطبيقا، وإن كانت كتاباته النقدية، في هذا المجال، يَطغى عليها الجانب التطبيقي التحليلي؛ من خلال الاشتغال على متون إبداعية مغربية وعربية. فالمُلاحَظ أن ناقدنا يبتعِد، ما أمكن، عن الخوض في السجالات النقدية، والقضايا النظرية والمنهجية؛ كما نلحَظ ذلك في كتبه الصادرة ودراساته المنشورة (إلى غاية كتابة هذه المداخلة). كما أنه لم يتبن بعد منهجا نقديّا جديدا لمقاربة القصة القصيرة جدا؛ على غرار ما نجد عند نقاد آخرين.
ولعل السبب في ذلك كله يرجع إلى عدم إيمان الناقد بالحدود الصارمة الفاصلة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا؛ وبالتالي يُمْكن أن نَنقد القصة القصيرة جدا بنفس المناهج والأدوات التي نَنقد بها القصة القصيرة. يقول مَسْلك مُؤكدا بعض ما ذكرناه: »القصة القصيرة جدا ورثت كل شيء عن القصة القصيرة، ما عدا الحجم. وناقد الأُولى قد يَنتقد الثانية، وبنفس المعايير والأدوات والمناهج. ولا خلاف، فقد يراعي دواعي الحجم بين هذه وتلك، وهذا لا يعني توافق النوعين أو تجانسهما الكلي؛ فكل له نكهته، وطرائقه في التعبير.. قد تتآلف، وقد تختلف«.
ومن هنا، نجد مفهوم القصة القصيرة جدا عند ميمون مَسْلك يَنصرف إلى رَصْدِ تلك التقنيات الفنية والأسلوبية، التي تساعد القاص على التكثيف والإيجاز والاقتصاد اللغوي، بعيدا عن الإسهاب والاستطراد والترادف والجمل الاعتراضية والتفسيرية، وغير ذلك مما هو متاح في الرواية والقصة القصيرة. ولا يتأتى ذلك للكاتب، إلا إذا كان خبيرا باللغة، وبارعا في البلاغة، ومتقنا للغة المجازية.
في هذه القراءة، أود أن أقف عند دراستين اثنتين للأستاذ ميمون مَسْلك، نَقَدَ فيهما مجموعتين قصصيتين قصيرتين جدا، لأحد الكتاب المتميزين في هذا المجال، وهو القاص المغربي ميمون حِرْش.
الدراسة الأولى: عَنونها ب”مجموعة (نجِيُّ ليلتي)ومؤشرات اللامعقول”، نشرها في مجلة “المِحْلاج” الإلكترونية، قبل أن يَضمَّها إلى مواد كتابه “غواية السرد القصير”.
الدراسة الثانية: وسَمها ب”اللغة القصصية في مجموعة (نُدوب) للقاص المغربي ميمون حِرْش”، وهي منشورة في “الملحق الثقافي” لجريدة “بيان اليوم”.
فأما المجموعة الأولى، الموسومة ب”نَجيّ ليلتي”، التي درَسها الناقد، فقد صَدرت عام 2013م بالرباط. وتضم ستا وثمانين قصة، تتراوح أحجامها بين أربعة أسطر؛ كما في قصة “لا يستويان”، وتسعة عشر سطرا؛ كما في قصة “العانس” التي تعد أطول نصوص المجموعة.
وتتسم المجموعة – كما لاحَظ مَسلك – بالغموض الفني المقصود، والتكثيف اللغوي المختزل، وتوظيف الغرابة التي أساسها أسلوب اللامعقول، والذي يتجلى – بادئ ذي بدء – في العنوان الخارجي للمجموعة.
يستهل الناقد دراسته هذه بقوله:» إن القصة القصيرة عند ميمون حرش تختلف اختلافا واضحا عن القصة القصيرة جدا، لا لطبيعة الجنسين السرديين فقط، ولكن لأن الأولى غالبا ما تعالج قضايا اجتماعية بطرائق وأساليب معتادة؛ كما هو في مجموعة “ريف الحسناء”. بَيْد أن قصصه القصيرة جدا تختلف من حيث الغموض، والكثافة، وتوظيف الغرابة التي أساسها أسلوب اللامعقول «.
إن الناقد، هاهنا، يشير إلى الفرق الجوهري الفاصل بين الجنسين الأدبيين في تجربة حِرش القصصية؛ ذلك بأن الكاتب يعمد في القصة القصيرة جدا إلى الغموض الفني (بوصفه من متطلبات الأدب الرفيع؛ في نظر عدد كبير من المبدعين والناقدين)، ويَستخدم لغة شعرية، ويَجْنَح إلى الكثافة العالية، ويَبتعد عن اللغة الواصفة المباشرة؛ مما يَجعل النص القصصي لديه “نخبويّا” بامتياز؛ الأمْرُ الذي يَطرح إشكاليات على مستوى تلقي النص، وصعوبة استيعابه وفهمه. وهذا الغموض، الذي يشكو منه القراء عادة، ليس بِدْعاً من القول الإبداعي؛ فقد لازم الشعر منذ زمن طويل، ولهذا فحين سُئل أبو تمام:» لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟«، أجاب: »وأنت يا أبا سعيد لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟«!.
ومن هنا، فإن الرأي القائل بأن القصة القصيرة جدا جاءت استجابة لعصر السرعة – والذي ردده النقاد لسنوات طوال – يُمكن أن يُناقش من زوايا متعددة لا أريد أن أخوض فيها الآن -؛ لأن الناظر في الإبداعات المتميزة، في هذا المجال – ومن ضِمنها إبداعات حِرْش – يَجد أن كثيرا منها لا يمكن أن يُقرأ ويستوعَب في وقت قصير جدا – كما قد يُفهم من خلال التسمية -، بل إنها غامضة إلى أقصى درجة، أحيانا، لا تمتع القارئ إلا بعد أن تتعبه وتجهده؛ حيث يجد القارئ نفسه مُرْغَما على استعمال عقله، واستحضار معرفته الخلفية؛ من أجل ممارسة التأويل، وفكّ الرموز، وملء الفراغات، ومشاركة السارد في بناء النص… ويَتطلب تحقيق هذا الأمْرِ قراءات متعددة ومتأنية للنص، مع التأمل والتدبر. فلا مجال للقراءة التصويرية في القصة القصيرة جدا؛كما تمثلها ميمون حرش وعدد كبير من القصاصين؛ لأن المعاني لا تعطَى مَجّانية، ولا تقدَّم بصورة مباشرة؛ كما هو الأمر في الرواية الواقعية مثلا.
وبهذا يكون مسلك قد رَصَد أهم ميزة في “نجي ليلتي”. كما تحتوي المجموعة على نصوص كثيرة ذات صبغة واقعية؛ حيث تناول المؤلف جملة من القضايا السياسية، وشخص كثيرا من الأمراض الاجتماعية، متسلحا، في ذلك، بالحس النقدي الساخر، وباللهجة اللاذعةِ التهكمية؛ مما جعل نصوص مجموعته تلك تَندرج ضمن تيار الواقعية، ولاسيما النقدية منها.
وأما المجموعة الثانية، التي درَسها ميمون مَسْلك، فقد صَدرت عام 2015م، وقدم لها الدكتور جميل حمداوي بدراسة نقدية تحدث فيها عما أسماه “الصور السردية الموسعة”، والتي تندرج ضمن البلاغة الرحبة؛ كصورة التوازي، والسخرية، والمقابلة، والميتوس، والمشابهة، والتدرج، والمفارقة، المضمرة، والميتاسردية، والإحالية، والنقيضة، وغيرها من الصور السردية التي حَفلت بها مجموعة “ندوب”.
وقد سجل مسلك في هذه الدراسة، التي وسَمها ب(اللغة القصصية في مجموعة “ندوب”…)، ثلاث ملاحظات أساسية، تخص اللغة الإبداعية المستعمَلة، في هذه الأضمومة، وهي:
1- اللغة المقدسة والتراثية. 2- اللغة الواقعية. 3- لغة الحلم.
فبخصوص ما سمّاه باللغة “المقدسة والتراثية”، لاحظ الباحث أن حِرْش لجأ إلى التعبير عن أفكاره باستخدام لغة مطعَّمة بحمولة لغوية تراثية، واقتباسات من القرآن الكريم. وقد استعرض، للتدليل على ذلك، جملة من الأمثلة، تنتمي إلى القرآن الكريم، والحديث النبوي، والشعر العربي.
ويبدو أن الناقد لا يَستحِبّ إدراج القرآن ضمن التراث؛ مما جعله يلجأ إلى مصطلح آخر غير دقيق الدلالة، هو “اللغة المقدسة”، والذي يُعَدّ، في الحقيقة، مستورَدا من الثقافات الأجنبية والديانات الأخرى. ولا ندري في أي نوع أدرج الحديث النبوي: اللغة المقدسة أم التراثية؟.
ولعل المصطلح الأصح هنا، هو “اللغة القرآنية”. أما الحديث النبوي، فليس كله قطعيّ الثبوت، وأجاز المحدثون روايته بالمعنى في بعض الحالات؛ وبالتالي فلا يمكن، في نظرنا، أن نضفي عليه صفة القداسة.
كما نجد مسلك مترددا في مسألة توظيف اللغة التراثية هذه، مشيرا إلى بعض الأسماء التي تعارض ذلك؛ مثل: المبدع العراقي فؤاد التكَرْلي، والروائي الأردني محمد سناجلة، والشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس). يقول مسلك:» وإن كنتُ لا أعارض الاستفادة من اللغة التراثية، فإنني – في توظيفها واستعمالها – أبحث عن الجدوى والفائدة، واللذة والمتعة في كل ذلك، ويثيرني سؤال الحيرة: هل ضاقت اللغة المتداولة المعاصرة.. حتى نسعى جاهدين لاقتناص عبارة، أو جملة قيلت أو كتبت منذ مئات السنين؟ ثم أعود وأقنع نفسي: ما وجه الخطإ في كل هذا إذا استحسن القاص عبارة جاهزة وجدها أبلغ مما عنده، وآثرها عن كل ما يمكن أن يَأتي به؟ أليس الاقتباس من ضروب البلاغة؟ .«
بَيْدَ أننا نرى أولا: أن القطيعة الإبستمولوجية مع التراث أمر مستحيل بالنسبة إلى المبدع؛ ذلك بأن اللغة التراثية هذه يتشرّبها، وتصير، أحيانا، في اللاوعي. ثانيا: توظيف اللغة التراثية، في القصة القصيرة جدا، يَختلف عن توظيفها في الأجناس الأدبية الأخرى، من حيث الغرض والكيفية؛ ولهذا فالأولى أن نتساءل: لماذا يَلجأ كاتب القصة القصيرة جدا إلى اللغة التراثية؟ هل يعود ذلك، فقط، إلى الفكر الماضوي عند الكاتب؛ وبالتالي يَفرض نفسه في النص، أم لأن الحجم القصير جدا يضيق عن استيعاب ما يجول في خاطره – وهنا نستحضر شكاوى الشعراء دائما من صرامة الأوزان والقوافي – وبالتالي يَلجأ إلى اللغة التراثية من أجل تكثيف نصه لغويا، وإثرائه دلاليا، وجعله منفتحا على آفاق ودلالات متعددة؟ وبالتالي يكون هذا اللجوء، إلى اللغة التراثية، لجوءا هادفا ومبرَّرا.. علما بأن أروع الكتابات التي يَستمتع بها القراء، عادة، ويُعجبون بها، اليوم، تتميز بهذه الخاصية.
وتعَد هذه الظاهرة، التي رصدها مسلك، سمة أساسية في كتابات حِرْش القصصية؛ كما تشير إلى ذلك الدراسات النقدية السابقة حول مجموعاته القصصية (مثل: دراسات جميل حمداوي، فريد أمعضشو، عبد الواحد ابجطيط…)، فقد تميز مبدعنا – كما يقول حمداوي – »بالكتابة التجريبية التي تجمع بين التأصيل التراثي الذي يتمثل في توظيف لغة معتقة، وتراكيب مسكوكة، وعبارات رصينة، وإحالات تناصية موحية، مع الانفتاح على التقنيات السردية الغربية على مستوى التحبيك السردي استلهاما وتمثلا وأداء«. ولعل أول من لاحظ ذلك، في كتابات حرش، هو الناقد المغربي فريد أمعضشو في دراسة عَنونها ب”التشكيل اللغوي والأسلوبي في مجموعة ريف الحسناء”، يقول فيها: »ولعل من أبرز ما يَسِم مجموعة ميمون حرش كثرة تناصّاتها وانفتاحها على نصوص عدة دينية وغير دينية، عربية وأجنبية، قديمة وحديثة، واستفادتها من أغان وأفلام، واستحضارها شخصيات في جملة من الأسْيِقة. ولا شك في أن حضور النصوص الغائبة والاستشهادات وغيرها من مظاهر الاقتباس الصريح أو الضمني يقوم دليلا على غنى المخزون الثقافي للمبدع، المؤسس على اطلاع واسع على الموروث الأدبي العربي، وعلى الثقافة الأجنبية إلى حدّ ما، وعلى جملة من أنهار الفن الحديث… «.
وبهذا يكون مسلك قد سلط الضوء على جوانب مهمة في تجربة حِرش، ورَصَد أهم سمات الكتابة القصصية القصيرة جدا عند هذا الكاتب؛ من مثل الغموض الفني، والكثافة العالية، والغرابة التي أساسها أسلوب اللامعقول.. وما يُحقق كل ذلك من تقنيات فنية وأسلوبية، اتكأ عليها المبدع في نسج خيوط نصه القصصي؛ الأمر الذي ساعده على الانضباط المحكم للحجم القصير الذي هو الميسم البارز لهذا اللون من الكتابة القصصية الجديدة في وطننا العربي.

المصدر: مغرس
https://www.maghress.com/bayanealyaoume/111833?fbclid=IwAR0jZOunfO9DLhql9isRovipvhI_07zrZAdfEXEH482vkhfXZTodT8NHCNA

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.