سيمياء العنوان في مجموعة “جداريات بألوان البوح” للقاص عبد المجيد بطالي

 

    لعلّ علماء اللّسانيات منذ دي سوسير إلى الآن، فضلا عن علماء السّيمولوجيا و اهتمامهم بالعلامات ودلالتها،و مقروئيتها الرّمزية و التّلميحية…قد فتح الباب مشرعاً لدراسة العناوين بصفة عامّة ، و عنوان المتن بصفة خاصّة .والأمر يخصّ أيضاً “مجموع النّصوص التي تحيط بمتن الكتاب من جميع جوانبه: حواش وهوامش وعناوين رئيسة وأخرى فرعية وفهارس ومقدمات وخاتمة وغيرها من بيانات النّشر المعروفة التي تشكل في الوقت ذاته نظاماً إشارياً ومعرفياً لا يقل أهمية عن المتن الذي يخفره أو يحيط به، بل إنّه يلعب دوراً هاماً في نوعية القراءة وتوجيهها”(1)
1ــ توصيف عام للمجموعة:
” جداريات بألوان البوح” عنوان لمجموعة قصصية من جنس القصة القصيرة جداً تضمّ ثمانية و ستين نصاً، للقاص عبد المجيد بطالي. و قد جاءت بعد دوانين شعريين.المجموعة من الحجم المتوسط،غلاف بلون رمادي مفتوح تتوسطه لوحة تشكيلية للفنان التّشكيلي محمد سعود، من النّوع التّجريديّ :كأنّها عروق متشابكة صعوداً، خالية من الدّماء…محدّدة شكلاً هندسياً يلمّح لجذع إنسان بدون أطرافٍ أو رأسٍ، يهيمن اللّون الأصفر الباهت على العروق المُتداخلة ، و يظهرُ عند منبت العنق، و الطّرف الأيسرِ اللّون الأحمرُ القانيّ، كإشارة للبتر. و هناك خلفية سوداء/ سوداء فاتحة ، إلى بياض في الأعلى  يتّسع قليلاً عند يمين اللّوحة ، و يستديرُ عند يَسارها. و في أعلى الغلاف، كُتبَ اسم القاص بالأخضر، و في أسفله و بخطّ مغربيّ جميل، كُتبَ عنوانُ المَجموعة. أمّا في ظهر الغلاف، هامش يحدّه خطان  باللّونين الأخضر و الأحمر. بعد هما صورة القاصّ، و في أسفلها اسمه، و نبذة عنه، و عن مؤلفاته و بخاصّة في الشّعر. المجموعة صدرت عن مطبعة بلال / فاس. أمّا الإهداء فكان لفاطمة أم سعد، زوجة القاص، عِرفاناً بالجميل.والتّقديم ،كان للدكتورة بشرى قانت.
ملاحظة عن كلّ هذا قبل الحديث عن عتبة العنوان . نلاحظ أنّ الإخراج ، و اختيار نوعية الورق، و الغلاف، و نوعية الخط، و وضع كلّ نصّ في صفحة، كلّ ذلك كان اختياراً تقنياً و وظيفياً موفقاً. أمّا اختيار اللّوحة رغم أنّها معبّرة، و فنّية،و فيها ما فيها من إبداع تشكيلي سواء من حيث الفكرة، أو اختيار الألوان. إلا أنّها وُضعت في غير مكانها، فجاءت تزينيه للغلاف، أكثر ما هي خادمَة للمتن ، و لهذا يستحب الاتّفاق على اللّوحة بين المُبدع القاص و الفنان التّشكيليّ،و إن دَعتِ الضّرورة، رسم لوحةٍ جديدة حسبَ الاتفاق. و إنْ كانَ هذا مع الأسف لا يَحدث إلا نادراً. أمّا بالنّسبة للتّقديم والذي سود خمسة أوراق فجاء مقالة دراسية، بلغة رصينة، و نظرة عالمة ثاقبة لبعض نصوص المجموعة. فأرى أنّه لا ينبغي أن يكون بهذا الحجم، و لا أن يكون دراسة، لأنّ ذلك سيؤثر على المتلقي فيصبح ما كُتبَ في التّقديم عامل توجيه، و استلاب للفكر و الذّوق… فالتّقديم ينبغي أن يكون في ورقتين فما أقل، و بأسلوب عام، يخصّ ظاهرة، أو إشكالا، في المجموعة ، و يشير ولا يفسر، ليترك المجال للمتلقي كي يحتفي بالمتن و مُعطياته. و يَستنتج ما يشاء، وِفق ثقافته و وعيه.

العنوان: ” جداريات بألوان البوح” إشارة ثنائية الأبعاد، منها ما يخصّ ثلاثة نصوص :   [ جدارية1 ] و [ جدارية2 ] و [ جدارية 3] و منها ما يخصّ باقي النّصوص التي و إن اختلفت تيماتها ، إلا أنّها توحّدت فيما يَخصّ البوح .

1 ــ العنوان/ البنية :
1/1 البنية الصّوتية :
لقد وردت في تركيبة العنوان عدّة حروف مختلفة من حيث المخارج، بين صامتة و صائتة
(الجيم و الياء) من وسط اللّسان، (الدّال، و التّاء) من طرف اللّسان، وأصول الثنايا العليا .
(الرّاء) من طرف اللّسان، و من ظهره و محاذية بعض من لثة الأسنان. (ل) من حافة اللّسان الأمامية، والتصاقها بمحاذاة الأسنان.(الواو) وهو شفوي.(النّون) من طرف اللّسان و مقابلة لثة الأسنان العليا. (الهمزة ). من أقصى الحلق، ومن أوسطه. (الحاء)  . و أخيراً حرف صائت هو (الألف) فهذا التنوع في مخارج الحروف أحدث غنّة ، و ترديدا متناغماً في قراءة العنوان.

2/1 ــ العنوان / البنية النّحوية:
” جداريات بألوان البوح” جملة اسمية:  ( جدارات ) مبتدأ . و(بألوان البوح )  شبه جملة من الجار و المجرور خبر. و عند النّحويين، يجب أن يرتبط الخبر شبه جملة ( من الجار و المجرور أو الظّرف ) بما سبقه، أو ما جاء بعده، و إلا أصبح مجرد لغو ليس إلا. فهل هنا نجد ارتباطاً معنوياً بين المبتدأ و خبره ؟ لا شك منطقياً تبدو المسألة متباعدة، و لكن فنياً و مجازياً يتحقق مبدأ المَعنوية . و بالتّالي ( بألوان البوح ) هو الخبر، و مُستغن عن التّعليق.
و بالتّالي في مثل هذا، يصبح التّعليق فهما وإدراكا عقليّا للمعنى، ومتّى استقامت صحّته ففي ذلك الفيصل و الحُكم. و العنوان تركيب من ثلاثة أسماء : جمعان مختلفان ( جداريات ) جمع مؤنت السّالم / يرفع بالضّمة و ينصب و يجر بالكَسرة. و ( ألوان) جمعُ تكسير و يأتي على غير صورة مُفرده بتغيير الكثير من الأحرف، دون أيّ قاعدة ثابتة. و كالاسم المُفرد يَحتمل الحركات الثلاثة : الضّمّة ،و الفتحة ،و الكسرة .

3/1 ــ العنوان / البنية الصّرفية:
كلمة “جداريات” جمع مؤنت السّالم، مفردها جدارية ، جاءت نكرة ، و ككل نكرة تتضمن التّعميم والشّمول، فليست معينة ولا محدّدة ، و لا مصنّفة و لا مخصّصة…
الألوان جمع لون، جاءت على وزن فَعْلان صيغة تدلّ على التّغير، و الاضطراب، و الاختلاف.. “جداريات بألوان البَوح” جملة استقامت بالخبر الذي جاء شبه جملة .

2 ــ العنوان / وظائفه:
وظائف العنوان كما حدّدها جيرار جينيت ” الوظيفة التّعيينية / التّسموية، الوظيفة الإغرائية/التّحريضية، الوظيفة الوصفية، الوظيفة الدّلالية الضمنية المصاحبة ”

1/2 الوظيفة تعيينية/ التّسموية :” F. de désnyation ” ” جداريات بألوان البوح ” عنوان مجازي ، محاط بشيء من الغرابة، بين ما هو معلوم ( جداريات) و بين ما هو مبهم أو غير واضح، بل لا يمكن التّكهن بفحواه ( بألوان البوح). إذن من هذا الجانب فالعنوان لا يُفشي سراً بوضوح و جلاء، ولا يُطلع عن أشياء دقيقة.. و لكن مع ذلك ، يُثير شحنة من الاهتمام، و الفضول، و الرّغبة في كشف ما وراء ذلك .

2/2 ــ الوظيفة الوصفية / اللّغة الواصفة : “F. descriptive” من أوّل وهلة في القراءة ، ترتسم علامات استفهام: لماذا جداريات؟ لماذا لم تكن لوحات ؟ و إن كانت هذه أو تلك ترى عمَّ تعبّر؟ و ما المُراد بألوان البَوح ؟ و هل للبوح ألوان ؟ و ما عسى يكون هذا البوح ؟ و من الذي يَبوح…؟ تتناسل الأسئلة ما يستوجب قراءة سيميائية لمفردات العنوان، و تركيبه، و دلالته التأويلية، و إيماءاته. و إيحاءاته..و إن كان للبوح أشكال و أنواع مختلفة، إنّما لا تخلو من سرّية و تأثير، و مُكابدات و معاناة كثيرة.

3/2 ــ الوظيفة الدّلالية “Signification “

إنّ الجداريات من أعرق الفنون التّشكيلية التى عرفها الإنسان، منذ فجر التّاريخ ، و ما تحتويه بعض المغارات و الكهوف التي استوطنها الإنسان الأوّل، إلا دليلا واضحاً عن ذلك.فضلا عمّا خلّفته  حضارة الفراعنة، و بلاد الرّافدين …فمن خلالها عبّر الإنسان عن حياته، و انشغاله، و همومه، و آماله، و تطوّر الفنّ الجِداريّ  (wall art) عبر العصور، فتزيّنت به الكنائس، و القصور، و الأماكن العامّة، و المؤسّسات الكبرى والمطارات، و محطّات الميترو أو القطار و الشّوارع في معظم المدن… ما يُعرف بالجداريات الخارجية ((Outside Mural و كلّها تحمل رسومات إبداعية معبّرة وهادفة. وهكذا، نلاحظ أنّ مفهوم (جداريات ــ Murals) ليس جديداً، بل هو غارق في القدم.
أمّا ألوان البوح، فالمراد به أنواعه، و أشكاله. و هي حسب الأغراض، و الدّلالات و البوح لغوياً : ظهور الشّيء جَهراً، بعد أن كان مكتوماً، وسرا خفياً. و منه الحديث الشّريف: “إلا أن يكون مَعصية بواحاُ ” أيْ: جِهاراُ.

4/2 الوظيفة الإغرائية/ التّحريضية : « F. Séductive »
عنوان المجموعة بصيغته المجازية، و أسمائه الثلاثة التي هي علامات سيميائة و إيحائية.و بالتّالي تركيبة الجملة الاسمية… كلّ ذلك يُكثرُ و يُعمّق الأسئلة في ذهن المُتلقي و يَفتح شهية حبّ المعرفة، و يثيرُ ما يثيرُ من فضولٍ و حبِّ استطلاع، ما يُشكل إغراءً غير مُباشر بالإقبال على المَتن، و الاطلاع عليه.

و هكذا نخلص إلى أنّ الفاعل الوظيفيّ قد تحقّق في أوّل عتبة في المجموعة، و حقّق دوره المنوط به، حسب ما ذهب إليه غريماس  إذ يقول: “إنّ المسار السّرديّ يشتمل على مجموعة من الأدوار للفواعل بالقدر الذي يشتملُ على وحدات  ( أو مشاريع ) سَردية . ومجموعة الأدوار التي يقوم بها الفاعل ضمن مَسار سَرديّ مُعين يمكن أن نُطلق عليه تسمية الفاعل الوَظائفي . فهذا الفاعل الوظائفي ليس مفهوماً جامداً وإنّما هو مجموع الوظائف والأدوار التي يقوم بها الفاعلُ ضمن مَسار سَرديّ ..” (2)

الهوامش:

[1]  ــ عبد الرزاق بلال، مدخل إلى عتبات النص، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم، إفريقيا الشرق 2000، الدار البيضاء،  بيروت، 2000ص 23.

[2] ــ مدخل الى نظرية السرد عند غريماس – مجلة الحياة الثقافية تونس العدد41/86/ص191.

نشر في البيان الثقافي لجدريدة بيان اليوم:

http://bayanealyaoume.press.ma/%D8%B3%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A3%D9%84%D9%88/.html?fbclid=IwAR3Fae4VjbnUPJgEJo5z9HYWUMUhx0Y7CZHHMRDUUM53xZpgc176k-tleD4

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.