رحلتي /على زكي المجاطي ــ تقديم د صالح أزوكاي


صالح أزوكاي·
 نص العرض الذي ألقيته في ملتقى أدباء سوس المعاصرين ـ في حلقته الرابعة ـ الذي أقامه مختبر الأنساق اللغوية والثقافية التابع لكلية الآداب ـ جامعة ابن زهر، مساء الخميس 27 دجنبر 2018، تكريما لمربي الأجيال الأستاذ على زكي على إثر صدور سيرته الذاتية الذي عنْونه بـ “رحلتي”؛ وهذا العرض يقرب القارئ الكريم من هذا المؤلف النفيس من حيث قيمته التاريخية والتوثيقية، ومن حيث قيمته الأدبية والبيانية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصف الكتاب:
• عنوان الكتاب: رحلتي، وقد كتبت كتابة سوداء بالاصطلاح “الكالغرافي”، أي غليظة، وهو في جنس السيرة الذاتية، وقد كتب كتابة بيضاء أي رقيقة، وهو لمؤلفه “علي زكي”، وقد ورد الاسم خلوا من اللقب العلمي.
• ويحمل صدر الغلاف أحدث صورة للمؤلف بلحية بيضاء وطاقية تطابقا مع زمن التأليف، وذلك التزاما بقدر من الأمانة التاريخية، وتلك سمة علمية من السمات التي يتميز بها المؤلَّف كما سيتضح بعد.
• المؤلَّف آخر إصدارات المؤلِّف 2018، ولو أن الفراغ من تحريره يعود إلى قبل ذلك بسنوات، سنة 2003 على ما يظهر، وهو من منشورات مطبعة خاصة بأكادير.
• الكتاب في 270 صفحة، ويمتد في مقدمة وتسعة فصول، بدءا بمرحلة الطفولة المبكرة، ومرورا بمرحلة تحفيظ القرآن الكريم بالقراءات الثلاث، ومرحلة طلب العلم في العديد من المدارس القرآنية والعلمية الممتدة في سهل سوس، ثم مرحلة التلمذة في التعليم الأصيل حتى الحصول على الشهادة الثانوية، لتتلوها بعد مرحلة التوظيف في التعليم الابتدائي، ثم الحصول على البكالوريا والتخرج من المدرسة العليا للأساتذة، ومن المعهد العراقي العالي، ثم التعيين مدرسا في التعليم الثانوي بالمعهد الإسلامي بتارودانت، ثم الالتحاق بالسلك الخاص والتحضير للإجازة والحصول عليها في العربية، ثم تولي منصب الحارس العام، ثم منصب الناظر بثانوية الزرقطوني بأكادير، حتى التقاعد، لتختم السيرة بالرحلة إلى موريتانيا.
• وقد عرضت السيرة جوانب من شخصية المؤلف في انفتاحها على المحيط علميا وسياسيا ونقابيا وجمعويا، وفي مجال العلاقات الانسانية، وعرضت تراجم في غاية الأهمية للأسرة أصولا وفروعا، وللشيوخ والأصدقاء ورفقاء درب الحياة معززة في الغالب بالصور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

• تقدم الرحلة تجربة ذاتية مريرة وقاسية في مجملها، ومرد ذلك إلى الفاقة المفرطة من جهة، والقهر الاجتماعي من جهة ثانية، وغالبا ما يقع بسبب الحسد أو الوشاية الكاذبة، بما فيه من ظلم الأقران، وظلم الأقارب ولعله الأسوأ لأنه أشد مضاضة، وبما فيه من اعتداء بالضرب المبرح المفضي للجرح، ومن جلد قاس على أيدي بعض المعلمين، وبما فيه من نقل تعسفي على يد المفتش، وحجز بوليسي للتحقيق وتجميد النشاط الحزبي، والطرد لمدة خمسة عشر شهرا من الوظيف، وكان هذا الطرد قاسيا على المؤلف، لولا لطف الله كما قال، ولولا هبوب أخويه وصديق حميم ـ هو الأستاذ محمد خليل الأستاذ الجامعي سابقا بكلية الآداب بالبيضاء ـ للمواساة والمساعدة، “أما النقابة والحزب فعوض المواساة، راحا يحثاني على الاستمرار في الصمود والنضال، لكنهما كانا كمن ينفخ في الرماد، فقد كانت لي أسرة من زوجة وخمسة أطفال، ولم يكن لي أي مورد للعيش.. وحمدت الله على نجاتي من الاعتقال، ومن السجن الذي زُج فيه بالكثير من الناشطين النقابيين” (ص158).
• إلا أنه ورغم مرارة التجربة من حيث الاغتراب والفاقة والقهر، فإن الرحلة تقدم شخصية المؤلف عصامية مستميتة في طلب العلم حتى النهاية في مغالبة الاغتراب، ومواجهة الفاقة إما بالعمل في الحرث والحصاد والتعاطي للتجارة وما إلى ذالك، وإما بامتهان مهنة الشرط، ورغم ما تعرض له المؤلف من إخفاقات متتالية كل منها كان كافيا للرجوع للخلف، فإن الرحلة تقدم صاحبها ذا عزيمة صلبة وهمة عالية في تحمل الاغتراب وضنك العيش، واسترخاص كل ما نالها من الأذى والضيم والمهانة أحيانا حبا للعلم وتضحيةً من أجله.
• وتتبدى معالم شخصية الكاتب كما تُصورها الرحلة متعددة الاهتمامات، من حيث الاقتدار على الجمع بين العمل التربوي والإداري والحزبي والنقابي والجمعوي، وكلها اهتمامات لم تشغل يوما ما المؤلف عن البحث العلمي إنتاجا ونشرا، فقد ظل قلمه منتجا ومشاركا في الندوات العلمية والأيام التكريمية التي نظمتها الكلية وجهات أخرى من المجتمع المدني، وصدرت مقالاتها إما ضمن مؤلفات جماعية أو في مجلات متخصصة أو على أعمدة بعض الصحف، وحصل لي الشرف بأن جمعتني مع المؤلف ـ وهو أستاذي ـ الندوة التي أقامتها كلية الآداب سنة 1988 حول تارودانت، وسعدت يومها بحوار لطيف دار بيني وبين المؤلف أفادني فيه بمعلومات قيمة لم أكن منها على علم، وصحح لي بعض الأوهام، وسعدت أكثر لما وجدت في المؤلَّف (ص206) صورة جماعية ضمتني إلى أستاذي في هذه المناسبة العلمية التاريخية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• تتبدى في نظري أهمية الرحلة ـ فضلا عن نقل سيرة صاحبها في مراحلها وتفاصيل حياتها وعلاقتها بمحيطها الأسري والمجالي والتربوي والاجتماعي ـ في قيمتين أساسيتين: القيمة التاريخية التوثيقية، والقيمة الأدبية البيانية:
أولا القيمة التاريخية وتتبدى في نقل أحداث جسام مرتبطة بالتاريخ المغربي المعاصر، وتسجيل أعراف وظواهر اجتماعية واكبتها الرحلة، محددة التواريخ، مُعرَّفة الأعلام، موثقة في الغالب بالصور، محالا أحيانا على وثائقها ومصادرها، وأحيانا بالنقل عن مخطوطات هي نادرة أو كالنادرة، وأحداث ووقائع عايشها المؤلف ونقلها بعين ثاقبة، وما كنا سنكون على علم بها لو لم يوفق الكاتب إلى إخراج هذا المؤلف النفيس، والرحلة من هذا الوجه ميدان خصب للدراسات الاجتماعية والتاريخية والثقافية.

ويتميز الفصل التاسع المعنون بالرحلة المورتانية بأنه أميل إلى أن يكون مقالة علمية أو بحثا ميدانيا موثقا ينضاف إلى سلسلة البحوث المتميزة التي أنجزها المؤلف، ففيه بيان للحالة الاجتماعية بنواكشوط من حيث السكان والجالية المغربية ونظام العيش، ومن الناحية المجالية والعمرانية والاقتصادية والدينية، وهذا الفصل يجاري عنوان المؤَلَّف في الاصطلاح.

• وتزداد أهمية هذه القيمة التاريخية في الحرص الشديد على النقل بحياد وأمانة، ولو تعلق الأمر أحيانا بأمور فيها قدر من الحرج، وقد صرح الكاتب بهذا حين قال عن سيرته: “هي دون تلميع أو ترقيع، أو تحريف أو تزييف” (ظهر الغلاف)؛ وحين قال: “وقد اخترت أسلوب السرد التوثيقي التاريخي، على ما فيه من ثقل، لأن الغاية هي تدوين الوقائع كما وعيتها وعشتها، لا نسج القصص من الخيال… وتجميل الصور والمواقف أو تسميجها” (ص5).
• ومن مظاهر حرص الكاتب على الأمانة العلمية في نقل الأحداث ميله إلى الاحتراز في معرض الشك، من نحو قوله: “فيما أذكر” (ص78)، أو “لا أذكر” أو قوله: “وأظنه”، أو قوله: “كأني سمعت بها حركة علمية” (ص82)
• ومن صور الأمانة العلمية الشهادة على الذات، والتجرؤ على نقل بعض عيوبها، وذلك غاية في الحياد العلمي، من ذلك حديثه عن “أسوإ طباعه”، وهو التساهل في توثيق صلاته بمعظم من لقي، يقول “وذلك.. ٍ من أسوإ طباعي، فقد كنت وما زلت شديد التحفظ، كثير الانغلاق، فلا أنفتح إلا لمن فرض علي نفسه” (ص97).
• بيد أن ما يلاحظ أن المؤلف تعامل مع من أساءوا إليه أو آذوه، وهم كثيرون، بلطف وأدب، وتحمل مضاضة الضيم، واكتفى بالتلميح دون التصريح، فلم يعدُ أن قال في حق بعض هؤلاء: “سامحه الله” وما إليها من عبارات اللطف.
• ومن فوائد الرحلة في الجانب التوثيقي التعرف على جوانب خفية كنا نحن تلامذة أستاذنا على جهل بها في مرحلة الأخذ عنه أواسط سبعينيات القرن الماضي، وقد عهدناه مجدا متقنا محققا، وصاحب مهارة في التنظيم والتدريس بأسلوب فيه جاذبية وتشويق يشد المتلقي إليه شدا، ويرسخ في وجدانه المعلومات دون حاجة لمراجعتها، ما كنا يومئذ على علم بالسبب حتى طالعتنا هذه السيرة بالسر في الصفحة (206)، وجاء فيها: “جميع الدروس التي ألقيتها وأمليتها على تلاميذي في التعليم الثانوي، في موضوع التاريخ والجغرافية والفلسفة والحضارة الإسلامية، هي نتيجة أبحاث مضنية استشرت من أجلها العديد من الكتب، والمجلات المتخصصة، ووثائق مختلفة”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانيا: القيمة البيانية:
• رغم أن التجربة الذاتية في السيرة قاسية إجمالا من حيث محتواها، فهي في الغالب سلسلة من المحن على النحو الذي سبق، إلا أنها ممتعة من حيث مبناها، بما فيه من رقي لغوي وسمو بياني أضفيا على الكتابة الأدبية مسحة من الجمال، وشحنته بعناصر التشويق حتى صار للعبارة في مواطن غير قليلة جاذبية وللكلمة سحر؛ ومرد ذلك في تقديري إلى ما يلي:
• الاستعارة الساخرة: وقد ساعدت على امتصاص عنف الأحداث وقهر المجتمع بلطف، ووفرت غطاء جماليا للذات في مغالبة المعاناة القاسية، ووفرت في المقابل للمتلقي عنصر التشويق في الإقبال على المتابعة دون ملل. والتعبير عن الأحداث المؤلمة والقاسية بأسلوب هزلي ساخر صار مناط الإعجاب والإغراب ولا شك. (ولذلك نصوص وأمثلة)
• المزج بين عناصر السرد والحوار والوصف: ففي مقاطع كثيرة يتوقف السرد التاريخي ليفسح المجال للصورة البيانية لرسم معالم الأشخاص، ونقل مشاهد الطبيعة، وأحيانا توظف الصورة الحركية والصوتية والذوقية في نقل أدق تفاصيل الحدث وتقليبه من وجوهه المختلفة، كما تلتقطه العين والأذن، وكما تتذوقه الذات، وبفضل ذلك صارت للصورة البيانية طاقة تعبيرية تتقدم كثيرا على التصوير الفتوغرافي، ويلاحظ ذلك في مرحلة الطفولة المبكرة ومرحلة حفظ القرآن الكريم وتلقي العلم، حيث لا تقدم السيرة صورا فوتوغرافية للطفل التلميذ، والواقع أن الصورة البيانية فيها غنية، بما رسمته من معالم الشخصية في مرحلة الصبا في صفاتها الخلقية والخلقية. والكتاب لهذا الاعتبار مجال خصب للدراسات القصصية والأسلوبية.
• فقه اللغة والتذوق المصطلحي: بما في ذلك العنوان نفسه (وسنعود إليه)، وأبعد من ذلك اشتقاق مصطلحات جديدة، أو استعارتها وحسن استثمارها،هي من ضمن ما تعلمته من هذه الرحلة، مثل مصطلح “المُدرِّر” تسمية لمحفظ القرآن الكريم، من الإدرار وهو جعل الشيء يدر ويسيل(1)، وكأن المحفِّظ ييسر للطفل حفظ القرآن الكريم؛ وهو مصطلح تربوي، ومصطلح “المستغور” للمولع بالمغارة أو من يطلب المغارة (السين والتاء للطلب)، وهو مصطلح سياحي أو جغرافي، وفي هذا الصدد لفت نظري تعريف الكاتب لمصطلح “الحرطاني” في معرض حديثه عن البنية السكانية بموريطانيا، وقد عرفه بـ “الحر الثاني” (ص251)، أي أن حريته من الدرجة الثانية، ولا ينحو هذا المنحى المصطلحي إلا المتضلع في اللغة والممسك بزمامها.
• الدقة والإيجاز: وذلك من علامة اكتمال الأداة البيانية. وبسببها صار التعبير متينا دقيقا لا مجال فيه للحشو أو اللغو والكلام الزائد؛ والناس يتفاوتون في درجة البيان لهذا الاعتبار… ومرد ذلك في ظني إلى نضج الأداة اللسانية من جهة، وإلى صدق المعاناة من جهة ثانية، وهو أمر وفر للذات الاندماج التام في الموضوع، وانصهارَ الشكل مع المضمون، وكأن العبارة مقتطفة من صلب التجربة، وفيها من المكابدة ما فيها.
• وتتبدى سمة الدقة والإيجاز في اختيار العنوان نفسه “رحلتي”، فاختيار كلمة واحدة في حد ذاته منبئ عن نزوع نحو الاقتصاد في الكلام، ورغم أن هذا الاختيار فيه مجاراةٌ لـ “حياتي” تسمية سيرة أحمد أمين، إلا أن “رحلتي” أكثر اقتصادا من “حياتي” من حيث المدة الزمنية التي يستغرقها النطق بهما، ففي “حياتي” مد زائد بالألف، والمد بالألف في الدراسات الصوتية أكثر امتدادا لأنه يخرج من مخرج متسع، في حين أن النطق أسرع في “رحلتي”. وقد استوقفني مصطلح “الرحلة” في العنوان، وبدا لي فيه ـ في البداية ـ نوع من الاستغراب، لأن مجال المصطلح في الأصل في أدب الرِّحْلات كرحلة ابن بطوطة، لكن بعد التأمل بدا لي ـ حسب ظني ـ أن التعبير عن حياة الإنسان بلفظ “الرحلة” فيه من معاني المرور ما تصير معه هذه الحياة مجرد عبور إلى دار الباقية، ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “كن في هذه الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”، فالسيرة من هذه الزاوية ـ إن صح التأويل ـ ذات بعد ديني في مغزاها،
• وقديما قال الفرزدق لمن ينقد شعره: “لنا أن نقول وعليكم أن تتأولوا”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) “ويقال للرجل إِذا طلب الحاجة فَأَلَحَّ فيها: أَدَرَّها وإِن أَبَتْ أَي عالجها حتى تَدِرَّ، يكنى بالدَّرِّ هنا عن التيسير.. والريحُ تُدِرُّ السَّحابَ وتَسْتَدِرُّه أَي تَسْتَجْلبه.. والإِدْرارُ في الخيل: أَن يُقِلَّ الفرسُ يَدَهُ حين يَعْتِقُ فيرفعها وقد يضعها.. وقد أَدرّت الغازلة دَرَّارَتَها إِذا أَدارتها لتستحكم قوّة ما تغزله من قطن أَو صوف.. ودَرَّ السهم دُرُوراً: دَارَ دَوَرَاناً جيداً، وأَدَرَّه صاحِبُه، وذلك إِذا وضع السهم على ظفر إِبهام اليد اليسرى ثم أَداره بإِبهام اليد اليمنى وسبابتها؛ حكاه أَبو حنيفة، قال: ولا يكون دُرُورُ السهم ولا حنينه إِلا من اكتناز عُودِه وحسن استقامته والتئام صنعته” (ل/ درر)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.