العراق في حياة آجاثا كريستي

نجاة الماجد
شاعرة وكاتبة سعودية

إن المتتبع للأدب العالمي يجد أن الكثير من الروايات العالمية أرتبطت بعض أحداثها أو عناوينها ببلداننا العربية ، ولاعجب في ذلك فدول المنطقة العربية زاخرة بالآثار التاريخية والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور مما يشكل بيئة خصبة وجاذبة للإبداع أوللدراسة والتنقيب أو حتى للسياحة .
ومن أبرز الأسماء التي اقترنت مؤلفاتها ببلاد العرب (الروائية العالمية أجاثا كريستي) التي لعبت العراق دورا بارزا في حياتها ومؤلفاتها.
وأجاثا غنية عن التعريف فهي أعظم مؤلفة روايات بوليسية في التاريخ حيث بيعت أكثر من مليار نسخة من رواياتها التي ترجمت لأكثر من 45 لغة.
ولدت أجاثا كريستي في بلدة صغيرة بجنوب انكلترا عام 1890 من أب أمريكي وأم انجليزيه ، وقد توفي والدها وهي صغيرة ، وتلقت تعليمها في البيت على يد والدتها التي شجعتها على الكتابة منذ طفولتها .ثم في سن السادسة عشرة أرسلتها والدتها إلى باريس لتتعلم عزف البيانو والغناء وقد أجادت العزف إلا أن خوفها وخجلها من الظهور منعها من مواصلة مشوارها الموسيقي .
وقد تقدّم لخطبتها عدد من الأثرياء والفقراء لكنها رفضتهم جميعاً.
وخلال الحرب العالمية الأولى تطوعت اجاثا للعمل كممرضة في إحدى المستشفيات لتساعد في علاج جرحى الحرب وفي تلك الفترة تزوجت من طيار عسكري بريطاني واسمه ( ارشيبالد كريستي ) عام 1914م ومنه أخذت لقبها (كريستي) واحتفظت به رغم انفصالها عنه فيما بعد .
هذا وقد قامت الكاتبة المولعة بالمغامرة بأول رحلة لها إلى العراق عام 1928م حيث أرادت زيارة آثار مدينة أور ولكن تعذر عليها ذلك فعادت إليها مجددا عام 1930م في شهر آذار ، وهناك التقت بعالم الآثار البريطاني البروفسور ماكس مالوان الذي اصطحبها معه إلى بغداد ومع الأيام مال قلبه لأجاثا رغم أنها كانت تكبره بخمسةعشر عاما وتزوجها في نفس العام 1930 .
وتجدر الإشارة إلى أنه حين سئلت أجاثا مالذي دفع كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة أن تتزوج من عالم آثار مثل مالوان فقالت : لكي تزداد عنده قيمتي كلما كبرت …
وبعد مرور عامان على زواجهما رجع ماكس مالوان للعراق ليبدأ في الكشف عن الآثار في نينوى، وكانت زوجته اجاثا برفقته ، فهي مصورة فوتغرافية وتنظف اللقى الأثرية وتسجلها فضلاً عن إستمرارها في كتابة القصص والروايات، وقد تنقلت أجاثا بمختلف مناطق العراق ، ومن يتابع رواياتها البوليسية يجد أنها غنية بملامح التراث و الحضارة العراقية. وقد كتبت في تلك الفترة رواية الشبح الرهيب والتي استوحت أجوائها أثناء وجودها في نينوى أما روايتها الأشهر
“جريمة في قطار الشرق السريع ” فقد جاءتها فكرة أحداثها وهي عائدة من العراق في ذلك القطار .كما قامت بتخصيص رواية كاملة عن العراق تدعى(جريمة في العراق )حيث تعتبر هذه الرواية من أطول الروايات التي قامت بتأليفها الكاتبة . ثم تركت اجاثا وزوجها العراق سنة1934 . وعادا من جديد إليه في عام 1947 وفي تلك الفترة كتبت فصول روايتها ” موعد في بغداد “.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أجاثا بالإضافه إلى كتابتها الروايات البوليسية فقد قدمت العديد من المساعدات والخدمات للعاملين في مضمار التنقيب عن الآثار خاصة في مجال التمريض وطهو الطعام .
عاشت اجاثا لفترة في بغداد في بيت بمنطقة الوزيرية ويروي الكاتب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا أنه تعرف عليها وعلى زوجها في سينما روكسي ببغداد وهما يغادران صالتها حيث تم التعارف بواسطة(ديزموند ستيوارت) الكاتب الانكليزي الذي يقطن في بغداد ودعته إلى منزلهما في منطقة (الوزيريه ) وروى كيف كان يحتسي شايها اللذيذ بينما كانت تحيك لزوجها بلوزة ، ليشعر بعد ذلك بالخجل أمام تواضع ضيافة أجاثا كريستي كاتبة الروايات البوليسيه الشهيرة .
عادت أجاثا مع زوجها إلى بريطانيا في الخمسينات بعد تردي صحتها واستمرت هي وزوجها في إقامة وتنظيم المعارض للقطع الأثرية المكتشفة في العراق والتي كانت توليها أجاثا أهتماماً خاصاً وصل إلى درجة تنظيفها بمستحضرات العناية بالبشرة .
توفيت أجاثا كريستي عام 1976 م.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن (ماكس مالوان) زوج آجاثا قد أصدر كتابا يتناول في عدة فصول سيرة حياته معها إلى جانب خلاصة اكتشافاته المهمة في بلاد العراق وكان الكتاب يحمل عنوان(مذكرات مالوان )عالم الآثار وزوج آجاثا كريستي .
كما أقيم في الأعوام القليلة الماضية في المتحف البريطاني معرضا خاصا عن اجاثا كريستي ومقتنياتها وعملها في العراق ليروي بعضاً من قصة حياتها بعد أن تعلمت من زوجها بعداً مهماً من أبعاد صنعة التنقيب .

المصدر : و كالة الحدث الإخبارية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.