ديوان: “أغاريد الحروف ” للشّاعر أحمد القطيب / تقديم د صالح أزوكاي

صالح أزوكاي

‏٤‏ ساعات ·

سعدت هذا المساء بخبر صدور ديوان “أغاريد الخروف” للشاعر المرهف الموهوب الأستاذ أحمد القطيب، وقد بوأني بلطف كرمه ونبل خلقه شرف وضع كلمة تقديمية بين يدي ديوانه، وهو ديوان ستقر به أفئدة أهل الذوق الأدبي الرفيع ممن يخلبهم السحر الحلال، وممن يستهويهم جمال البيان، ويثيرهم النبض الإيقاعي الأخاذ، وتقريبا للقارئ الكريم من أجواء هذا الإنجاز الإبداعي الباهر أضع بين يديه نص الكلمة التقديمية التي صدر بها الديوان:


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديـــــــم
إنه لمن حسن الطالع أن أشرف بتقديم هذا الديوان الذي تربطني بصاحبه الأديب اللبيب والشاعر الأريب، الأستاذ أحمد القطيب وشائج تربوية وعلمية عتيقة تعود إلى ما يربو عن ثلاثة عقود، وهي فرصة جعلتني أستحضر حمولة من الذكريات الجميلة التي تعود لزمن العز أيام كانت الدراسة في المنظومة القديمة مقترنة بالجد والحيوية، وكان الطالب يومئذ صاحب خلق عال تحدوه همة عالية في التحصيل العلمي، قبل أن تداهمنا المنظومة الجديدة بنواقصها الماحقة وأخطائها الصادمة، وما نجم عنها من فتور الهمم وضعف التحصيل وضحالة التكوين، حتى آل الوضع التربوي إلى ما آل إليه من المآسي المعلومة.
تعود صلتي بالشاعر طالب الأمس وزميل اليوم إلى السنة الجامعية 87 /1988، وقد توسمت فيه منذ ذلك التاريخ ـ وهو يتلقى عني حصص مادة الشعر الإسلامي وبعدها مادتي علم القافية والنقد الأدبي ـ الطالب المجد صاحب مؤهلات علمية وخلقية واعدة، ثم ازدادت علاقتي به رسوخا في سنة الإجازة من خلال إشرافي على بحث التخرج الذي أداره حول موضوع: “علاقة الوزن بالغرض في النقد العربي”؛ ولست أبالغ إن قلت إن بحثه يومئذ وبحوث أضرابه ممن يمثلون النخبة المتوهجة، تكاد تفوق من حيث القيمة العلمية عموم ما يقدم اليوم من بحوث الماستر بله الإجازة، وكثير منها للأسف لا يعدو أن يكون من قبيل الحثالة الممجوجة والحشف البالي؛ بل لا أكاد أبالغ إن قلت إن هذا البحث ـ من حيث الجدة والجودة العلمية والجهد العلمي الضخم المبذول فيه، ومن حيث الإضافات العلمية ـ يتقدم على العديد من عموم أطاريح الدكتوراه التي تجاز اليوم زورا وبهتانا.
ومن خلال الصحبة العلمية يومئذ اكتشفت في طالب الأمس أمرين أساسيين يعِدَان بغد مشرق في مساره الأدبي، ويُعَدَّان في الوقت نفسه من الشروط اللازمة لتحصيل الوهج الأدبي والألق الإبداعي:
الأمر الأول: الموهبة الشعرية، وقد أبان عنها وهو يهيئ بحث الإجازة في موضوع له صلة وثيقة بصلب الشعر من حيث أوزانه وأغراضه، وتبين لي من خلاله أن الباحث يصدر في مدارسته للشعر العربي عن استعداد فطري سليم، وله من المؤهلات الشعرية ما هيأ له التفاعل مع الشعر العربي من الوجهة العروضية تفاعلا شعوريا، ووفر له حظا ملحوظا من القدرة على استكناه المناحي الفنية والجمالية للبنية الإيقاعية كما تمليها تجارب الشعراء.
ورغم أن الشاعر متضلع في علم العروض والقافية كما يؤشر عليه الديوان من خلال المواكبة النقدية، فإن ثقافته العروضية تلك لم تكن هي المنطلق في نظم الشعر، ولم تكن القوالب العروضية المسبقة لتفرض نفسها على الشاعر، وإنما صار الإبداع يواتي صاحبه طوعا بحكم المعاناة الشعورية التي ينصهر فيها الشكل بالمضمون دون تصنع أوتعمل، انسجاما مع المواقف التعبيرية التي تعتري الشاعر. وبحكم هذه السمة الشعرية صارت لإيقاع القصائد في الديوان إجمالا وظائف تعبيرية وشعورية واضحة.
ولعل قصائد هذا الديوان تفصح بوضوح عن بروز هذه السمة الفنية في امتلاك الشاعر موهبة شعرية خلاقة، وملكة أدبية دفاقة، وأذنا موسيقية سباقة، تنساب المشاعر بسببها انسيابا، وتنثال العبارة انثيالا، وتنساق الصور انسياقا، وينقاد النبض الموسيقي انقيادا.
ولهذا الاعتبار صار لهذا الديوان حظ من القبول، والشعر الخالد الذي يُكتب له التداول والخلود هو الذي يقال على السجية، وصدق من قال: “الشاعر موهوب لا مصنوع”، ومن قال: “الشعر بالسجية لا بالخزرجية”، وقد يكون قدامة بن جعفر من أسبق ـ إن لم يكن أسبق ـ من فطن إلى أهمية الطبع وسبقه الإبداعي حين قررـ وهو على حق ـ إخراج علمي العروض والقافية نهائيا من دائرة العلم بالشعر، معتبرا العالم بهما والجاهل بهما سواء في نظم الشعر ، دون أن يكون في ذلك انتقاص من قدر هذا العلم، لكن القصد هو أن الملكة حين تنضج تصير سجية يستغني بها صاحبها عن قواعد العلم.
وبالعودة إلى بحث الإجازة اتضح لي من خلال الإشراف العلمي أن باحث الأمس وشاعر اليوم كان قد خُلق ليصير شاعرا موهوبا وصاحب سجية، ولأمر ما، وبدافع سجيته الشعرية كانت أول صفحة في البحث ـ وهي صفحة الإهداء ـ قد صيغت شعرا، برورا بأبويه ووفاء لهما؛ ولعل تلك الأبيات ـ وقد خطها الباحث بيده في بحثه الذي أعده في السنة الدراسية: 90 /1991 ـ من أقدم ما نظمه من الشعر، علما بأن هذه الأبيات غير مدرجة في الديوان، وهي قوله:
إلــى التــي علمتنــي دونما قلــــم *** وكــــابـــدت جشمــا وأيمــا جشــــم
إلى الذي قد أنار الدرب في ظلمي *** من علمتنـــي يــــداه الخط بالقلـــم
قد أنفقــا العمْر من أجلـــي بلا ندم *** كيما تُرى زهرتي خضراءَ في شمم
وكي تُبَصَّر نفســي سبْلَ راحتهـــا *** وكي تُرى فوق أعنان السما هممــي
وإن من يتأمل هذه الأبيات على وجازتها، وهي تمثل باكورة ما نظمه الشاعر، وقد أبدعها وهو في مقتبل العمر يفيض نشاطا ويتدفق حيوية، تتبدى عليه معالم النجابة والنبوغ، سيستنتج أن الشاعر منذ ذلك الوقت المبكر توافر له حظ راق من المواهب الشعرية الواعدة والمشرقة، وأن موهبته الشعرية منذ ذلك التاريخ قد قطعت أشواطا متقدمة من النضج، وجاء هذا الديوان ليدل على اكتمال الأداة وليشكل درجة عليا من درجات النضج الفني والرقي الإبداعي.
الأمر الثاني : التضلع في اللسان العربي والتحكم في ناصية اللغة، وهي ملكة لا تحصلها قواعد اللغة النحوية والبلاغية المعلومة رغم أهميتها النظرية على مستوى اللغة الواصفة، وهي ضرورية للمبتدئ ممن لم تصف ملكته أو من فحشت عجمته، وإنما تحصلها الدربة والمران بفعل المدارسة الطويلة للنصوص الأصيلة والتجاوب معها حفظا ورواية وقراءة، وتلك سمة أهل البيان من الشعراء والأدباء؛ وقد أبان الشاعر في هذا الديوان عن امتلاك حظ وافر من المقدرة البيانية سواء في مستواها اللساني أو البلاغي، وهي مقدرة أكسبت قصائد الديوان في بنائها مسحة من الطلاوة والعذوبة، فضلا عما توافر من الدقة والصفاء الأسلوبي في التعبير، وما تواتر من جمال ورقي في التصوير؛ وأكيد أن قصائد الديوان ليست كلها على هذا المستوى من الارتقاء البياني، وتلك طبيعة الشعراء الذين تعتريهم لحظات تتفاوت بسببها درجات مواتاة الإبداع واكتمال الأداة، لكن مما لا ريب فيه أن في الديوان نماذج متوهجة من النصوص التي حازت أعلى مراقي الجمال والسمو البياني، وهي بذلك تجاري نفائس عيون الشعر العربي الأصيل.
والديوان الذي نحن بين يديه يقدم تجربة شعرية حية في امتداد زمني يقارب ثلاثة عقود من السنين، يراوح فيها الشاعر بين النظام العمودي والنسق الحر، هي وليدة معاناة ومكابدة سواء في بعدها الذاتي، أو الوطني أوالعربي والإسلامي، بل والإنساني، تجلِّي الشاعر صاحب حرقة وغيرة صادقة على الوطن، متهمما بالهموم التربوية واللغوية والاجتماعية القريبة، وهموم الأمة البعيدة، بما فيها قضية الأمة الأولى قضية القدس وفلسطين، وبما فيها من التجاوب النفسي مع جراحات الأمة في مختلف البلدان العربية شرقا وغربا، وأبعد منه التفاعل الشعوري مع ما يتعرض له شعراء المهجر من اغتراب وقسوة في ديار الغرب.
وقد توسل الشاعر في صياغة تجربته الشعرية تلك، بما امتلكه من أدوات، وما أنضجه من قدرات، وما راكمه من مخزون ثقافي “يتناص” فيه الحديث في انفتاحه وتجدده مع القديم بأصالته ورسوخه، وتنصهر فيه الثقافة الإسلامية الأثيلة مع الثقافة الغيرية الدخيلة، وأوضحها في الديوان الثقافة المسيحية، فجاء الديوان نتيجة ذلك كله، وبحكم صدق التجربة الشعرية واكتمال الأدوات نبيل المقصد شريف المعنى، ومتين العبارة جزيل المبنى، تتفاعل فيه القيم الفنية والجمالية البديعة، مع القيم الاجتماعية والإنسانية الرفيعة، وفيه من الرسائل الهادفة ما فيه، لعل أوضحها تلك التي نُسِجت خيوطها في قطاع التربية في تفاعله مع المحيط القريب والبعيد، ونضِجت مادتها ـ في امتدادها الزمني الطويل ـ على نار من الحرقة والاعتصار بهموم الذات والوطن والأمة والإنسانية.
ولم يشأ الشاعر أن يقدم ديوانه للقارئ بالشكل المعهود حيث تنتهي مهمة المبدع عند حدود الطبع، بل وجدناه مواكبا للنصوص مواكبة نقدية، عارضا إياها بعين فاحصة تتوخى بلوغ الغاية في الإحسان لتقديم كل أشكال العون للمتلقي تيسيرا للقراءة الصافية السليمة، وإضاءة لمواطن اللبس أو الوهم لتحصيل التلقي السليم.
فقد أحسن صنعا حين صنف قصائد الديوان حسب الأغراض والموضوعات، ووضع لذلك فهرسا مفصلا من باب التيسير ورفع العنت، ثم وثق النصوص بتحديد سنوات نظمها، وأحيانا بذكر المناسبة، محددا البحر، وأحيانا القافية والعروض والضرب… ومن حين لآخر يتدخل تخريجا لنصوص الاقتباس والإشارات التاريخية، والتعريف بالأعلام البشرية والمكانية، والضبط المحكم للنصوص شكلا سليما يمليه الذوق السليم، وهو إلى ذلك حريص على بيان ما يمكن أن يتوهم فيه القارئ خطأ أو زللا نحويا أو عروضيا، ومن ذلك مواطن الضرورة الشعرية التي أبان الشاعر في توجيهها عن مهارة فائقة وعن امتلاك أذن موسيقة معتبرة، موظفا في التوجيه ثقافته العروضية الواسعة، بيد أن أسمى وجوه مواكبته النقدية تعقبه البديع لقصيدة “حسرة” تعقُّبَ الناقد الصراف لبيان جوانب من الوظيفة الشعرية التي يؤديها الإيقاع داخل النص الشعري وفق مقتضى المواقف التعبيرية التي تمر منها التجربة الشعورية.
على أن أرقى درجات الإحسان الإخراج الجيد لنصوص الديوان تكبيرا للخط واقتطاعَ مساحة واسعة بين الأسطر رفقا بعين القارئ ودفعا لمشقة التلقي، والشاعر بهذا السلوك الوجيه إنما يجسد خلقا رفيعا من السماحة والكرم الموروثين ـ ولا شك ـ من دوحة آل القطيب أهل الفضل والخلق الكريم؛ ولأحد أعمدة هذه الدوحة الكريمة فضل على صاحب هذه الكلمة في التربية والتوجيه في مرحلة الصبا، وهو شيخي مربي الأجيال العلامة الأستاذ سيدي عبد الله القضيب رحمه الله، وقد كان النموذج الأسمى والقدوة المثلى لي ولمن هم في جيلي من طلاب العلم علما وتربية وخلقا، أسأل الله تعالى أن يثيبه خيرا ويجعل ما ربى وعلم في ميزان حسناته، ويجزي كل آبائنا ومشايخنا الجزاء الأوفى.
ولا يسعني في نهاية هذا التقديم إلا أن أهنئ أخي الشاعر الأستاذ أحمد القطيب على هذا الإنجاز الإبداعي الباهر، وأحيي فيه خلق الوفاء وقد مضت على صلتي التربوية به ثلاثة عقود من السنين، وقد حدا به حسن الخلق أن يبوئ أحد مدرسيه شرف تصدير هذا الديوان، وهو إذ قام بهذه المبادرة اللطيفة إنما استحضر مع خلق الوفاء خلق البرور بالآباء من الصلب الحضاري، مثلما كان بارا بأبويه من صلب النسب كما هو مبين في صفحة الإهداء في بحث الإجازة.
أسأل الله أن ينفع بهذا الديوان وفيه رسائل تربوية هادفة ومقاصد إنسانية سامية، ويُمتع به وفيه من الجمال والوهج الفني ما تقر به عين كل من يملك حظا من الحس السليم في تذوق مواطن الجمال والفن، والتلذذ بمكامن السحر الحلال في البيان العربي الراقي الأصيل، داعيا للشاعر بالتوفيق والسداد واطراد العطاء الإبداعي والتربوي الهادف الجميل، سائلا الله أن يعصم ألسنتنا وأقلامنا من الزلل، وأن يوفقنا إلى الأرضى والأحب إليه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الأحد 20 محرم 1440
30 شتنبـــر 2018
صالح أزوكاي
أستــاذ التعليـم العالـــــي
كلية الآداب ـ جامعة ابن زهر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.