الشاعر فاروق شوشة يحكي…

الشاعر فاروق شوشة

فاروق شوشة: كان أبي يقلقُه الأمْرُ ويزعجه، وكانت أُمِّي تؤازرُني وتدفعُ بي.
.
.
قاومْنا لسْعَ البرْد، ولطْخَ الوحلِ، وسِرْنا بِهِمَّةٍ وعزيمةٍ، يحْدونا الشَّغفُ والفضولُ إلى لقاءِ شاعرٍ في قريتِه اسمها (الشعراء).. نعم، قرية اسمُها (الشعراء) حقيقةً وليس مجازاً، وهي توجد بين قرى محافظة دمياط في مصر!..
كانت المسافة طويلةً، والزمنُ أطول، فحين وصلْنا كانَ الفصلُ صيْفاً..! وكان اليوم يوم جمعة، رأينا رجالاً معْدودين خرجوا من مسجدٍ، وشُبِّهَ لنا واحدٌ منهم، اقتنعنا فيما بيننا أنه والِدُ الشاعر الذي نريدُ لقاءه، بدا لنا «مُرْبدَّ الوجْه، قلِقاً وحزيناً ومهموماً»، يسرعُ الخَطْوَ، لحقْنا به بسرعةٍ، أوقفناه، وقدمنا له أنفسَنا، فتعجب قليلاً، وأخبرناهُ أننا نريدُ مقابَلَة ابنِه، فتعجَّب أكثر، وقال لنا:
– مرْحباً بكم، وإنِْ كنتم جئْتم في ظرفٍ صعْبٍ وحَرجٍ…
استغْربْنا لقوله، فسألناه:
– خيرٌ إن شاء الله أيها السيد، ما هو الظرف؟
أجابَ:
– لقد انتشرَ وباءُ الكوليرا في القرية.
أطبقَ علينا شعورٌ ممْزوجٌ بالخوف والحيرة، لكنَّ الرجل هدّأ من روْعنا، ودعانا أن نذهب إلى بيتِه، حيث أهلُه وولدُه الشاعرُ.
وجدْنا البيْتَ «غارقاً وحده في خُضَرة المزارع والحقول، رابضاً بين أشجار النخيل والزيتون والتوت»، مما جعلنا نستشعرُ طُعْماً لذيذاً أبعد عنَّا إحساس الخوف بالوباء المذْكور.
قادَنا الرجُلُ إلى بابٍ، أمرَ منْ بداخله أن يفتحه، فقد كان مُغْلَقاً، ففُتِحَ البابُ، فطالعنا وجْه شاعرنا المقصود بالزيارةِ.
خاطبَ الرجلُ ولَدَه برٍقَّةٍ، وقال له أن يحسن استقبالنا، ولا يبخل علينا بالواجب. ثم انصرف إلى حيث لا ندري.
الغرفة غرفة الجلوس، كما أخبرنا بدايَةً الشاعرُ، وهم لا يفتَحونَها «إلاَّ عند مجيء ضيوفٍ غير معتادين».. وكنا نحن ضيوفاً غير معتادين، وغرباء منتهى الغُرْبَة والغرابة…
جُلْنا بأبصارنا في الغرفة، وجلسْنا نتأملُ الصورَ الضخمةَ المعلقة على الجدران في براويز مُذهَّبَةٍ، وعرفنا وجوهاً، وأنكرنا وجوهاً، وراح الفتى الشاعرُ يكشف لنا عن أسماء أصحاب الصور وشخصياتهم؛ أشارَ إلى إحداها، وقال:
– هذه الصورة لسيدي “سلامة الراضي” شيخ الطريقة الشاذلية، وأسفل الصورة أبياتٌ بخطٍّ جميلٍ، تبدأ بهذا البيت:
يا ضياء في صورةٍ يتهادى *** أنتَ كالبدْرِ في بهيِّ بهائك
هززْنا رؤوسنا بإعْجابٍ، ابتسمَ الفتى، وأضاف:
– إنَّ صاحبَ الصورة شيْخُ طريقةٍ، وأبي وأصدقاءَه وزملاءَه من رجال التعليم يقدِّرونَه كثيراً، ويسافرون «إلى القاهرة لحضور تجمعات المُريدين الذين يفدون إلى الشيخ من كلِّ حدَبٍ وصوْبٍ».
التفتَ الفتى إلى صورة أخرى، وقال:
– وهذه صورة “أحمد ماهر باشا”، لعلَّ منكم منْ يعرفه؟
قلتُ بثقةٍ: واحدٌ من السياسيين الكبار المشهورين في عهد ثورة 1919، أيام “سعد زغلول” و”مصطفى النحاس”، و”محمود فهمي النقراشي”…
– صحيحٌ.. ـ قال الشاعر ـ وأضاف: أبي مُعْجبٌ بوطنيته وشجاعته وبُعْد نظره.. يرحمه الله، لقد اغتالَه خصومُه.
ردّدْنا جميعاً بصوتٍ واحدٍ: يرحمه الله. ثم اقترب منا مُضيفنا إلى «رُكْنٍ صغيرٍ من أركان غرفة الجلوس»، وقال لنا بمرحٍ:
– هذا مكتب أبي الصغيرُ، لا يقتربُ منه أحدٌ من أهل البيت، وأبي نفْسُه لا يقصده أو يفتحُه إلا في المناسبات والأحداث الهامَّةِ. إنَّ بعض أدْراجه تحتفظُ بودائع وأماناتٍ لعددٍ من أقاربنا، وأوراقٍ خاصَّةٍ بأبي. إنَّ «مجرد التفكير في لمْس هذا المكتب من المحظورات»…!
عند هذا القول، أسرعْتُ وقلْتُ له:
– نُعْفيك يا خليلَنا من الكشفِ عنه أو الحديث، فلا حرجَ إنْ لم تخبرنا عن مكنونه.
نظر إليَّ بعينين مشرقتيْن بالوداعة والطيبة، وتبسَّم في وجوهنا أجمعين، وقال:
– لا حرج ولا يحْزنون.. عُزْلتي الطويلة داخل الغرفة، وإحساسي بضراوة السجن الذي بدأتُ أعيش فيه، جعلاني أقتربُ من المكتب، وأكتشف ـ مندهشاً ـ أن الدرج الرئيسي به مفتوحٌ، وأنه يضمُّ عدداً من الكتب والمجلات… (الشوقيات) لـ “أحمد شوقي”.. مختارات من روائع النثر والنظم.. مختارات “البارودي”.. وأعداداً ضخمةً من مجلتي الرسالة والرواية اللتين كان يصدرهما “أحمد حسن الزيات”… إنَّ أبي مشتركٌ فيهما، وتصلانه بانتظامٍ كل أسبوعٍ.. منذ سنوات متتابعةٍ تجمعت لديه حصيلةٌ منها، وعددٌ من الكتب الأدبية الأخرى، منها (النظرات) وباقي مؤلفات المرحوم “مصطفى لطفي المنفلوطي”. وغيرها كثيرٌ.
قرَّبَ منّا كتاباً، وأشارَ بأُصْبُعه إلى سُطورٍ، وقال لنا بفرحه الطفولي:
ـ هذا خطُّ أبي.. فكما تروْنَ «إنَّ الصفحات الأخيرةَ من الكتابِ كان قد أصابَها القلقُ والضياعُ فكتبها أبي بِخطِّهِ ـ نقْلاً عن الأصل ـ واختتمها ببيْتيْنِ من الشعر لستُ أدري من قائلهما:
ومُذْ هَجَرَ الحبيبُ شفا فؤادي *** غرامٌ لا يماثلُه غرامُ
وما حَكَمَ القضا إلا بلوْمي *** لعَمْرُ أبي أنا ـ خطأً ـ اُلامُ»
تسربَ إلى جوانحنا شعورُ الفتى بفرحِه الطفولي، وضحِكْنا جذلين، حين أخبرنا، أنه يشكُّ أن أباه هو ناظمُ هذين البيتينِ، وأضافَ أنه عثر على رسائل لأبيه من بينها «مُحاولاتٌ واجتهاداتٌ في الكتابة الشعريَّةِ، تمخضت عن مقاطع رقيقةٍ، كتبها لنفسه، وامتحن بها قدرته، دون أن يغامر بنشرها أو إسماعها للآخرين».
هل أخبركم بسرٍّ؟
قلنا جميعاً بلهْفةٍ:
– (يا ريت).. فما جئناك إلا لسماع الأسرار.
قال وهو يضحكُ:
– إن أبي كان معلِّماً يحبُّ تلميذةً له، وكان يكتب لها رسائلَ، لكنه لم يكن يرسلُها إليها، «فظلَّت مطويَّةً في ثنايا أوراقه، تسجيلاً لعاطفة الأستاذ، وحِرْصاً على صورتِه وسمْتِه المتوقِّرِ، فلم تعلم هي به إلا بعد أن صارت زوْجاً وأُمّاً».
يا لسموِّ أبيك، ونُبْل عاطفته..!.. هل والدتُك على علم بهذه الرسائل؟
ضحك الفتى حتى أشرقت عيناه بالدموع، وقال لنا بسعادةٍ غامرةٍ:
– تلك التلميذة هي أُمِّي.
عقدت المفاجأة ألسنتَنا، واستولت علينا دهشةٌ عظيمةٌ، ورحْنا ننصتُ إلى باقي الكلام الجميل:
– لم تكنْ أمّي متعلَّمَةً بالمعنى المألوف الذي نطلقه الآن في سهولةٍ ويُسْرٍ، كان تعليمُها قد توقف عند مدرسة القرية، المدرسة الإلزامية كما كانت تسمى. واستطاعت بهذا القدْرِ أن تقتحم عالم الكتابة والقراءة.
بالمناسبة أنا طفلُها الأول في الأسرة، أشغلُ من وجدانِها واهتمامَها المساحة الأكبر.. سمْتُها الهادئ وبنْيانُها المتماسك، يهشُّ ويطربُ لدواعي الفنِّ الجميل.
ولمْ أعدمْ تشجيعَها لي منذ سنيني الأولى.. «ما زلْتُ أذكر اصطحابَها لي ـ وأنا دون السادسة ـ لزيارة بيتِ جدِّي في القرية ـ وكانت هذه الزيارة فرصةً لها ولي، لكي نتابعَ من داخل البيت، أصداء وإيقاعات قادمة من المقهى المجاور، لأول شاعر ربابةٍ سمعته في حياتي يرْوي السيرة الهلالية، ويوقع مقاطعها على ربابته وعلى أنغام آلاتٍ نحاسيَّةٍ، تعزفُها فرقتُه المُصاحبة. كان الكلامُ مزيجاً من السحر والدهشة والانخلاع إلى عوالم الخيال والمجهول، وكانت الإيقاعات والأنغامُ المصاحبةُ جناحيْن يحملاني إلى آفاق من النشوة لا تُحدُّ، وكانت هي ـ بوجْهها الحنون المعبِّرِ ـ ترْقُبُ فيَّ خدْرَ الانتشاء والتحول، وتشجعني بمشاركتها على الاستجابة الطفولية الحركية لفورة الإيقاع وهزَّةِ النغم.
ومن خلالها ولد في نفسي الشعرُ، وكانت تهيِّئُ لي دوْماً الجوَّ والمكان لإتاحة الظرف الملائم للقراءة والكتابة، وحين تراني منغمساً في حُميّا اللحظة الشعرية، تصدُّ عني معابثات الصغار الذين يمتلئ بهم البيت من حولي، وتُضْفي بفهْمها واهتمامها طابعَ الجدِّية والاهتمام على هذه الهمهمات المبهمة التي تعني لديها إشراق الروح وجلوة الوصول، دون أن تسألني عن هذا الذي كتبتُه، ولا مرة واحدةً!
تصوروا أنها كانت مختلفةً عن أبي في الاهتمام بي من هذه الناحية، فأبي ـ وهو المعلم والأستاذُ ـ يقلقه الأمْرُ ويزعجه، وكانت هي ـ البعيدة عن مناخ الثقافة والتعليم ـ تؤازرني وتدفع بي، وترى في تعلقي بالشعر امتداداً للسياق العامِّ في زهْوِها بي، وانتظارها لشيء قادمٍ ربما أفصحت عنه الأيامُ.
أما أبي فقد كان قلقه على دراستي يجعلُه يُباعدُ ما بيني وبين الاندماجِ في عالم الشعر الذي أخذ يستحوذ على اهتمامي كله. خاصةً وهو يراني لا أكادُ أفارقُ دواوين الشعراء أو المجلات الأدبية الممتلئة بقصائدهم، وكانت أُمِّي ـ على النقيض منه ـ تهشُّ لنشوتي بالشعر، وإقبالي عليه، ونسياني لنفسي فيه، دون أن يؤرقها موضوع المدرسة أو الدراسة والكتب المدرسية. وكثيراً ما كنت أسمع إليها وهي تدفع عن نفسِها الاتهام بترْكي بعيداً عن مصلحتي التي هي المذاكرة، منغمساً في الشعر الذي سيجلب عليَّ الوبال، ولم تكن تردُّ الاتهام بالإنكار. لكنها ـ ويا للدهشة ـ كانت تدفعه باقتناعها أن هذا الاهتمام الأدبي والشعري من شأنه أن يقويني في الدراسة، ويعزِّزَ قدراتي على المذاكرة والنجاح.
هل أخبركم بشيء آخر؟
قلنا بحب استطلاع ما بعده حب استطلاع: قُلْ يا عم…
– في مواجهة بيْتِنا شرفةٌ، يطلُّ منها وجْهٌ له وقعه الخاصُّ بنفسي، تعلقت به تعلقاً كبيراً، وكان له فعل السحر في تدفق وجداني بالشعر عموماً، وبشعر الحبِّ المبكِّر، لاحظت أمي ذلك، واستشعرته عن بعد، دون الدخول في التفاصيل، ولم تنكره أو تسألني عنه، فسَّرته أنه انشغالٌ وشعر وسرحانٌ، وعرفت كيف تعالجه وتداوره، بالاقتراب والمؤانسة.
أمِّي تمتلكُ القدرة على أن تفسح لي دوْماً من صدرها مكاناً لهذه الطفولة المهمومة بعذابات الحرف والقلب والعقل.
ولا يقلُّ أبي عنها في الاهتمام والرعاية والخوف على مستقبلي، وبخاصة حين وقعتُ على رسائله، فإنها ـ على بساطتها وتحفظها ـ أنارت في نفسي خفايا الجانب الإنساني فيه، وأبعدت عني لبعض الوقت صورة ملامحه الصارمة وطبيعته الجادَّةِ.
وكما أنبأتكم فقد كانت له محاولاتٌ واجتهادات في الكتابة الشعرية، وعلى الرغم من احتفاظه بها لنفسه فقط، فقد اضطرَّ ذات ليلةٍ إلى الإفصاح عن هذه القدرة حين كتب مقطوعةً شعريَّةً لألقيها في حفل زفاف خالي… ويومها أدْناني منه لأقرأها عليه قراءة صحيحةً، ثم ليتأكد من حفظي لكلماتها. وعندما أيقظوني لإلقائها ـ نصف نائمٍ ـ بعد منتصف الليل، سعدت بالاستماع إلى اسمي لأول مرةٍ في حياتي على لسان إحدى عوالم الفرح وهي تقدم الشاعر الصغير إلى جمهور حفل العرس، وإلى التصفيق المدوي من هذا الجمهور بعد أن انتهيت من القصيدة.
سمعْنا نحْنَحةً آتيةً من ناحية باب غرفة الجلوس، رأيْنا أبا الشاعر يدخل علينا بصينيَّة الشاي، وهو يردِّدُ بقلبٍ سليمٍ:
ـ أهلاً بضيوفنا الكرام…
قلنا بلسان واحدٍ:
– أنت الأكرم.. وابنُك هذا ابن الأكرمين.
انتشى الأبُ والابنُ بقوْلنا، ولم يدْرِيا ما خبأ الزمنُ للشاعر “فاروق شوشة” في الأثير… ولعلَّ الأمَّ وحدها من كانت تستشعر ما يحْفَظُ الغيْبُ!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.