احتراف كتابة الرواية (2)



تحدثنا في المحاضرة السابقة عن منهجية هذه الدورة، وأنها عبارة عن ثلاثة أقسام رئيسية؛ القسم النظري، والقسم التطبيقي، وأخيراً القسم العملي.
قلنا إن المنهج النظري للأسف طويل بعض الشيء، ورغم أن الدراسة النظرية ليست الأسلوب الأمثل للتعليم؛ إلا أنه ليس هناك بد منها، فهي الأساس الذي يجعلك على دراية بكل خطوة تخطوها في سبيل الخروج إلى العالم برواية جيدة ومفيدة.

حسنا، دعونا نبدأ من جديد..
ما هي الرواية؟
بعيداً عن التعريفات الكلاسيكية، والأكاديمية؛ فالرواية هي جنس أدبي نثري، يروي حكاية، أي أن أساس العمل الروائي هو (الحكي)، لابد أن يكون هناك شخص يحكي (يروي) أحداث، ومن هنا جاء اسمها؛ رواية.
ويمكن تحليلها إلى ثلاثة عناصر أساسية هي (الراوي، الرواية (الحكاية والحبكة)، والمروي له)
سوف نتحدث الآن عن الراوي، ثم المروي له، أما الرواية (الحكاية والحبكة) فهي بالطبع أساس الدورة كلها.

بداية هل تصلح الرواية بدون راوي؟
صدق أو لا تصدق؛ بدون راوي فليست هناك رواية، وكل القوالب الحديثة الخالية من الراوي والتي يطلق عليها أصحابها لقب “روايات”؛ هي ليست إلا محاولات لابتكار جنس أدبي آخر قد يجمع بين السيناريو والمسرحية كخليط غير متجانس.
فللرواية أصول وقواعد وطريقة تُكتب بها تعارف عليها العالم منذ قرون، ومهما تعددت المدارس الأدبية؛ فلابد أن يكون لك أسلوبك الخاص، والذي لا يرحل بعيداً عن هذه القواعد، فالرواية ليست حكاية مسلية فقط، ولكنها بناء متكامل، واختصار لعالم كامل، ولابد أن تحمل قيمة وهدف ورسالة، وتبقى محكومة بالقواعد الأساسية.

وتعالى نتوقف قليلاً -أو ربما كثيراً- مع الراوي..
الراوي نوعان أساسيان:
النوع الأول: شخص مجهول من خارج الأحداث؛ ويسمى “الراوي الخبير أو العليم”، لأنه يعلم سلفاً الأحداث، والنتائج، ومصير الشخصيات، وماضيها، وأفكارها، ونهاية الرواية نفسها.
هذا النوع من الرواة هو الغالب، ولكن تذكر جيداً أن الراوي الخبير ليس طرف في الأحداث والصراع، وبالتالي لا ينفعل معها، تماما مثل الصحفي أو الإعلامي المهني؛ مهمته هي نقل الخبر مجرد من العاطفة حتى لو كان هذا الخبر هو هزيمة بلاده في الحرب، ودون الانحياز إلى طرف ضد طرف.
وهذه هي نظرة جمهور النقاد، لكن أحياناً توجب الضرورة غير ذلك، فقد يتحدث الراوي باعتباره أحد ثلاثة:
الأول: ناقلاً للحدث فقط، كأن يقول:
“في الصباح، حمل أحمد حقيبته متوجهاً إلى مطار القاهرة، هبط الدرج بخطوات متثاقلة، وعند مدخل المبنى كانت ليلى في انتظاره.”
الثاني: ناقلاً للحدث مع وجهة نظره الخاصة، كأن يقول:
“ارتدى أحمد معطف والده، فهو رمز الوفاء بالنسبة له، والوفاء قيمة لا تُباع ولا تُشترى، لكنها فضيلة في النفوس التي جُبلت على الإخلاص.”
الثالث: مضيفاً فلسفته تجاه الحياة، أو تجاه موقف بعينه، كأن يقول:
“نأتي إلى الدنيا حفاة، عراة، لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرا، لا نقوى على مواجهة المخاطر، يصلنا بالحياة سبب رفيع من اللبن الذي يخرج من بين فرث ودم، ونمضي في رحلة طويلة من الكد والعناء والكبد كي نخرج من الدنيا مثلما دخلنا؛ حفاة عراة”

الراوي هنا يحكي تفاصيل حدث بعينه؛ سواء مجرداً، أو أضاف إليه وجهة نظره، أو فلسفته، ولكن لمن يحكي هذا الحدث؟
إنه لا يحكيها للقارئ، وإنما يحكيها (للمروي له)، فطالما هناك رواية، وهناك راوي، فلابد أن يكون هناك مروي له.
وكثير من الروائيين يخلطون بين القارئ، والمروي له، فالراوي شخص تخيلي يروي الحكاية لشخص تخيلي آخر، أما القارئ فهو المشاهد للصورة الكاملة التي تجمع الراوي والرواية والمروي له.
لكن براعة الكاتب أن يكون واعياً لهذا الإيقاع، وأن يجعله متناغما لدرجة تُشعر القارئ بأنه هو المروي له، ولا يصل الروائي لهذه المرحلة إلا لو نجح في جذب انتباه القارئ وتحويله من مشاهد عابر إلى متابع مهتم ومنصت.
فضلاً عن قدرة الكاتب على جذب القارئ أكثر، وجعله متفاعلاً مع الأحداث وكأنه متورط فيها، أو كأنه أحد أبطالها.
إن أحد أسباب نجاح الرواية هو قدرة الكاتب على تحويل القارئ من متابع إلى مروي له، ومن مروي له لأحد الأبطال وكأنها حكايته هو، والعامل الذي يتحكم في هذا الأمر هو قدرة الكاتب على الإقناع، والذي لا يتأتى إلا من الصدق.
ويطلق بعض النقاد على الراوي الخبير لقب “الأنا الثانية للكاتب”؛ لأن الكاتب لا يتحدث بصوته وإنما يفترض شخص تخيلي مجرد من الإحساس والعاطفة ليروي الأحداث، فالكاتب يخلق عالماً من الخيال، والراوي هو أسلوب هذا الكاتب في السرد.

النوع الثاني من الرواة هو شخص من داخل الرواية نفسها، قد يكون بطلها أو أحد أبطالها، أو أحد شخصياتها، ويسمى في هذه الحالة “الراوي المشارك أو المُصاحب”
والراوي في هذه الحالة يتحدث بضمير (الأنا)، بينما في الحالة الأولى يتحدث بضمير (الهو)، وفي حالة الراوي المشارك لابد للكاتب ألا يغفل كون هذا الراوي غير خبير، أي أنه لا يعلم دواخل الشخصيات وأفكارها، لا يعلم ما سوف تأول إليه الأحداث، لا يعلم الغيب سواء كان غيب مُطلق؛ مثل: متى يموت فلان، أو غيب نسبي؛ مثل: حدث هو غير شاهد عليه.
فتخيل بطل الرواية يقول: “قابلت صديقي رأفت، كان متهلل الأسارير فرحاً ولا يعلم أنه سوف يموت في المساء”
كيف عرف تلك المعلومة؟
الذي يستطيع طرحها بهذا الشكل هو الراوي الخبير فقط، لأنه محيط سلفاً بكل الأحداث، و(يروي) حكاية حدثت وانتهت بالفعل، أي يحكي للمروي له عن ماضي وليس مستقبل وغيب.
ولكن لاحظ أن الراوي المشارك يمكن أن يكون هو نفسه الراوي الخبير في بعض المواضع، ولكن الغالب ألا يكون كذلك، فالمُحصلة أنه يحكي حكاية حدثت في الماضي.
تخيل أنك تحكي حكاية لأحد، فهل ستحرق له الأحداث؟ أم ستجعله متشوقاً لمعرفة ما سوف تأول إليه تلك الأحداث؟
تخيل أيضاً راوي مشارك يقول: “كنت في الطرف الآخر من المدينة عندما دخل اللص بيتي وعلى وجهه قناع شفاف يطمس ملامحه”
كيف عرف أن اللص كان يضع على وجهه قناع؟
إن رواية الحدث بهذه الكيفية على لسان راوي مشارك هي قصور في الحبكة الدرامية، تجعل الحدث غير منطقي وغير قابل للتصديق، فضلاً عن إضعاف عنصر التشويق، وحدث كهذا كي يُروى بهذه الطريقة لابد من خلق أسباب تجعله منطقي، كأن يكون هذا الحدث ماضي يرويه البطل بعدما رأى اللص بكاميرات المراقبة على سبيل المثال.

إذن الراوي إما أن يكون من خارج الأحداث (راوي خبير أو عليم)، أو من داخل الأحداث (راوي مشارك أو مُصاحب)
الأول غير مسئول عن الأحداث، يتكلم بضمير (الهو) لأنه يحكي أحداث (قام) بها أشخاص غائبون عنه، والثاني متورط في الأحداث، يتكلم بضمير (الأنا) لأنه يحكي أحداث (عاشها) بنفسه.
هل تعرف لماذا جاء فعل (قام)، وفعل (عاش) في الجملة السابقة بصيغة الماضي؟
انتبه جيداً فهذه نقطة في غاية الأهمية، وخطأ يقع فيه كثير من الروائيين.

الرواية هي أحداث تُروى، أي أنها أحداث وقعت في الماضي، وعليه فإن الراوي عندما يصف مشهد حركة فلابد أن يستخدم صيغة الماضي، ليقول على سبيل المثال:
“تحرك الرجل نحو العربة، اقترب منها ببطء، ألقى نظرة عابرة إلى الداخل عبر الزجاج المخضل بماء المطر..”
أما لو جاء المشهد مروياً بصيغة الحاضر فهو خطأ بنائي منافي للمنطق، كأن يقول الراوي:
“يتحرك اللص نحو العربية، يقترب منها ببطء، يلقي نظرة عابرة إلى الداخل عبر زجاجها المُخضل بماء المطر..”
إن استخدام الأفعال المضارعة هنا يجعل الراوي وكأنه يجلس بجوار شخص كفيف بصالة سينما يشرح له أحداث الفيلم أول بأول.
مرة أخرى، الأفعال المستخدمة في الرواية لابد أن تكون بصيغة الماضي وليس المضارع، لأن الرواية كلها –بطبيعة الحال- مجموعة من الأحداث التي وقعت في الماضي ويتم روايتها، اللهم إلا في حالات نادرة.

ونستكمل بإذن الله في المحاضرة القادمة مع المادة اللغوية للرواية ومما تتكون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.