احتراف كتابة الرواية (3)

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الراوي؛ قلنا إنه إما شخص من خارج الأحداث (راوي خبير)، أو من داخل الأحداث (راوي مشارك)
وفي هذه المحاضرة سوف نتناول المادة اللغوية للرواية، والتي تتكون من شقين أساسيين هما (السرد، والعرض)
كل ما يسهم به الراوي في الرواية يسمى (السرد)، وهو الشرح والتصوير والتحليل وتبيان وجهات نظر الشخصيات وأفكارها وميولها.. إلى أخره.
أما الحوار الذي يكون بين الشخصيات فيُسمى (العرض)
والسؤال هنا: هل السرد وحده، أو العرض وحده يكفي لخلق رواية؟
في حالة رواية تتكون من سرد فقط، فالغالب ستكون رواية تقريرية، وفي حالة رواية تتكون من عرض فقط (حوار)؛ فقد تحدثنا عن هذا الأمر سابقاً، وقلنا إنها ستكون خليط غير متجانس بين السيناريو والمسرحية، وبالتالي فإن الرواية لابد أن تتكون من سرد وعرض يتضافران معاً لرسم صورة كاملة وواضحة للمشاهد والأحداث في عقل القارئ.

بالنسبة للسرد؛ فقد عرفنا أن الراوي إما راوي خبير، أو راوي مشارك، وبالتالي ففي حالة الراوي الخبير فإن السرد في هذه الحالة يسمى (سرد موضوعي)، وفي حالة الراوي المشارك يسمى (سرد ذاتي).
ولا تظن أن السرد الروائي يقوم على سرد موضوعي فقط، أو سرد ذاتي فقط، بل قد يتضافر الاثنان معاً، وهذه هي التقنية التي سوف نتناولها في المثال التطبيقي لهذه الدورة.
ليس هذا وحسب، بل قد تحمل الرواية عدد كبير من الرواة؛ منهم الراوي الخبير، والراوي المشارك، والراوي المُسمى، والراوي المشاهد، والراوي الناقل؛ الذي سمع عن الأحداث ولم يرها.
فشهرزاد عندما تقول: “بلغني أيها الملك السعيد”؛ فإنها في هذه الحالة راوي ناقل، لم ترَ الأحداث ولكنها سمعت عنها من راوي أخر.

إذن السرد هو إسهام الراوي في الرواية، وهناك الكثير من الرؤى الخاصة بنظرية السرد داخل البناء الروائي باعتباره تشخيص للحدث، تناولها النقاد وشرحوها جملة وتفصيلا، لكن ما يهمنا أن نفهم بأن السرد لابد أن يحمل (منظور)، وهو رؤية وطريقة الراوي التي ينظر بها للأحداث.
ببساطة؛ وجهة نظره التي قد تكون موضوعية وثابتة، أو متنوعة.
وقد تطور المنظور تطورات عديدة، وتحول من منظور واحد إلى منظورات عدة، أي وجهات نظر مختلفة للشخصيات.

أما العرض، فكما قلنا هو الحوار بين الشخصيات، وللحوار أهمية كبيرة في البناء الروائي، وهناك بعض الأخطاء الخاصة بالحوار والتي يرتكبها بعض الروائيين لاسيما من هم في بداية طريقهم.
تخيل بأنك تحكي حكاية لأحد، وفي وسط هذه الحكاية حوار بين شخصين، فإنك سوف تبدأ بتصوير المشهد، بمعني: أين كانا هذين الشخصين؟ في أي وقت؟ بماذا كانا يشعران؟ وماذا كان يرتديان من ملابس.. إلى أخره.
هذا هو السرد (مرة أخرى هو كلام الراوي)
ثم تبدأ بنقل الحوار الذي دار بين الشخصين (العرض)، وبديهياً أن الحوار لم يكن على منوال واحد، أو أنهما كانا وجهان من شمع يتحدثان، لابد أن تكون هناك انفعالات ولغة جسد، أحدهما احتد على الآخر، أحدهما قال جملة وهو مبتسم، أحدهما لم يرد واكتفى بنظرة منكسرة.. وهكذا.
الراوي هنا لا يحمل كاميرا، ولكنه يحمل كلمات، كيف يمكن للقارئ تصور وتخيل هذا المشهد لو جاء على الطريقة التالية:
أحمد: لقد انتظرتك كثيراً، أين كنت؟
محمد: لقد تعطلت السيارة، ولولا أن المقادير ساقت لي تدابيرا لما تمكنت من الوصول في الموعد.
أحمد: ولكنك تأخرت كثيراً.
محمد: المهم أني وصلت، وهذا أفضل من عدم حضوري، أم لك رأي أخر؟
هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الروائي مع الحوار، لأن الحوار بهذه الطريقة هو حوار سينمائي أو مسرحي وليس حوار روائي، بمعنى أن مع هذا الحوار ستكون هناك صورة تصف حال الشخصيان وانفعالاتهم وقت هذا الحوار، لكن الروائي لا يملك هذه الصورة، هو يملك فقط كلمات كما قلنا، وعليه تصوير هذا المشهد بهذه الكلمات كي لا يترك القارئ يضرب أخماس في أسداس.
فهل كان الحوار السابق حوار ضاحك بين صديقين؟ أم حوار حاد؟ أم حوار عابر؟
الراوي لابد أن يقوم بتصوير الحوار، فأنت عندما تحكي مشهد فلا تقول..
أحمد: كذا..
محمد: كذا..
ولكنك تقوم بالتصوير الكامل، كالتالي:
تشنجت عضلات وجه أحمد وقال بضيق:
– لقد انتظرتك كثيراً، أين كنت؟
لوى محمد شفتيه مجيباً:
– لقد تعطلت السيارة، ولولا أن المقادير ساقت لي تدابيرا لما تمكنت من الوصول في الموعد.
فعاجلة أحمد قائلاً ومازالت علامات الضيق مرسومة على ملامحه:
– ولكنك تأخرت كثيراً.
رمى محمد الحقيبة من يده صائحاً:
– المهم أني وصلت، وهذا أفضل من عدم حضوري، أم لك رأي أخر؟
هكذا يصبح الحوار حياً، يتضافر مع السرد ليكمل الصورة في عقل القارئ.
لكن لاحظ أن الحوار يمكن أن يأتي متراكباً دون استخدام السرد بين فقرات هذا الحوار، وهذه تقنية تُستخدم غالباً في حالة الحوار السريع، أو الحوار المشروح من تلقاء نفسه، أو لا يحتمل شرح وتوضيح وتبيان.

أما الخطأ الثاني المرتبط بالحوار فهو استخدام اللهجة العامية، أو عدم توظيفها التوظيف الصحيح.
لماذا استخدام اللهجة العامية في الحوار خطأ؟
أولاً لأن الكاتب يخاطب وطن عربي كامل، فلماذا يسجن نفسه في قطر محدد؟
ثانياً اللهجة العامية -على غير ما هو شائع ومعروف ومألوف- فقيرة جداً أمام الفصحى الثرية والقوية في التصوير والوصف.
ثالثاً إذا خضع العمل للترجمة، فإن فرصة ترجمته ترجمة صحيحة تصبح أفضل مع الفصحى خاصة لو كان المترجم غير عربي.
فعل سبيل المثال هناك –إن صحت ذاكرتي- رواية للأستاذ توفيق الحكيم رحمه الله؛ يذكر في حوارها على لسان أحد الأبطال جملة “كوز درة”
نحن نعلم أنه يقصد ثمرة نبات الذرة، ولكن عندما خضعت هذه الرواية للترجمة؛ حار المترجم غير العربي في ترجمة هذا اللفظ، وكانت النتيجة أنه ترجمة على أنه إناء (كوز) مملوء بحبات الذرة.
إلى جانب أن هناك خطأ ثالث، وهو إضافة الانفعالات إلى الحوار باستخدام نفس أسلوب الحوار على مواقع التواصل الاجتماعي، فمن غير المقبول أن تأتي جملة حوارية تسبقها ضحكة فنكتب هذه الضحكة هكذا “هههههه”، أو أن هناك مد في لفظ على لسان أحد الشخصيات فنكرر الحرف دليلاً على هذا المد؛ فتكون على سبيل المثال “ماااااا هذاااااا؟”
إن كتابة الحوار بهذه الطريقة ليس من الحرفية في شيء، فهي أولاً تعمل على التقليل من أهمية دور الراوي، إلى جانب أنها حجر على خيال القارئ.
والكلام هنا عن الحوار، ناهيك عن قيام البعض بكتابة السرد نفسه بالعامية، وبالتالي يكتبون شهادة وفاتهم كروائيين قبل شهادة ميلادهم، لأن العامية عمرها قصير، مهما بدت رائجة في عصرنا.
لا تغتر بهذا الرواج، أو تركب هذه الموجة، أو تسبح مع التيار بحجة أنه الأكثرية، فليس شرطاً أن تكون الأكثرية على صواب، فالله تعالى حين تحدث عن أكثر الناس قال:
“أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ”، “أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”، “أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ”
وأوصى نبيه صلى الله عليه وسلم: “لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ”
واختصاراً، ليس الصواب دائما مع الأكثرية، تعلم وارتقي وكن (أنت)، لا تقلد أحد، فالنجاح بيد الله لكنه مبني على عوامل وهي مرهونة بك، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، والصواب يظل صواباً حتى لو أنكره العالم كله، والخطأ يظل خطأ حتى لو تعارف عليه العالم كله.

لكن العامية –أحيانا- توظف في الحوار توظيفاً ذكياً، وأحيانا تكون ضرورة فنية.
اقرأ المشهد التالي والذي يجمع بين السرد والعرض، وانظر كيف جاء العرض بجملة عامية لتبيان حالة معينة:
“كانت تشبه عارضات الأزياء، منسرحة القوام، مشدودة العود، صافية البشرة، رقيقة النبرة، عيونها نجلاء رائقة، شعرها ذهبي مُرسل، وجسدها أهيف.
حاولتُ إفهامها بمفرداتي الانجليزية المحدودة أنى لا أفهم مقصدها؛ وأحسب أنها ظنت أنى ضليع بهذه اللغة فأعادت ما قالته باللغة الانجليزية هذه المرة، بيد أنها كانت تنطق بطريقة صعبة الفهم، غريبة على مسامعي.
قطبتُ وجهي وحركتُ أكتافي ثم وجدتني أتذكر حفيدة كوستا- اليوناني العجوز -فإذ بها تشبهها إلى حدٍ بعيد، كأنها هي؛ بل هي.. هي، ولـمّا لمحتْ الحيرة في عينيّ وراعها جهلي بما تريد وضعت يدها فوق رأسها وزفرتْ مهمهمة تحادث نفسها بلغة عربية تحمل الصبغة الشامية:
– شو هالورطة يا ربي؟
فقمت على الفور متهلل الأسارير وسألتها:
– تتحدثين العربية؟”
جملة “شو هالورطة يا ربي”؛ جاءت عامية لضرورة فنية، وتمهيد لحقيقة تصويرية في عقل القارئ أن هذه المرأة شامية رغم أن ظن البطل كان بأنها ألمانية.
ويذهب البعض إلى ضرورة العرض (الحوار) باللهجة العامية نظراً لطبيعة الشخصية، فمن غير المنطقي أن يتحدث فلاح بسيط، أو عامل غير متعلم بلغة عربية فصيحة، ولابد أن يتحدث بالعامية كي يظهر الحوار في صورة أكثر منطقية وأقرب للتصديق.
وهذا اعتقاد ليس في محله، لأن عقل القارئ ذكي، وسوف يترجم الجملة المكتوبة بالفصحى تلقائياً ودون وعي إلى العامية تبعاً لوصف الراوي، أي سوف يقرأها على أنها جملة عامية، ولكن على الكاتب مراعاة استخدام لغة فصيحة بسيطة في حوار شخصية كهذه لا تتناسب معها منطقياً الألفاظ القوية، أو المستخرجة من بطون المعاجم.
الخطأ هنا يكون في منطقية الحوار وليس منطقية اللغة، فالفلاح البسيط لا يمكنه التحدث عن برامج الفضاء المعقدة على سبيل المثال، فثقافته أقل من ذلك، ولاعب كرة القدم صعب تقبل كلامه لو كان شرحاً لنظرية النسبية على سبيل المثال.
واختصاراً يمكن القول بأنه على الكاتب أن يكون واعياً لمنطقية السرد والعرض على السواء، وأن يتجنب الأخطاء كي لا يخسر قارئ ذكي واعي.
عليه أن يكون مدركاً في كل خطوة أين يضع قدمه حتى لا تتفلت الحبكة من قبضته.
ونُكمل بإذن الله في المحاضرة القادمة.
.
#دار_لوتس_للنشر_الحر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.