الخرجة في قصص عبد الله الميالي / العراق

القاص عبد الله الميالي / العراق

                           الخرجة في قصص عبد الله الميالي / العراق

     لقد درج القول على تسمية نهاية النص القصصي القصير جدا ب “القفلة” . و رغم انتشارها كمصطلح ، فإن دراستها تبدو شحيحة، و قليلة رغم أهميتها فنّيا و أرى ـ كما قلت آنفا ـ في بعض كتاباتي، أنّه مصطلح خاطئ ، و وضع في غير مكانه المناسب. و لا يخص القصة القصيرة جداً. إذ ليس ما يصلح لهذا الجنس يصلح بالضرورة للجنس الآخر. فالقفلة (Résolution) عُرفت كمصطلح في الموسيقى ، ثمّ في الشّعر بصفته تعبير بالموسيقى، ثمّ انتقلت إلى الرواية و بخاصّة الكلاسيكية منها، التي تنتهي بحلّ يختم السّرد. ثمّ انتقل هذا المصطلح إلى القصة القصيرة ، في بنيتها الكلاسيكية أيضاً. بل أبعد من هذا انتقل إلى أعمال البورصة و سوق المال: و هي: (أ ) فترة وجيزة تسبق نهاية جولة التعامل اليومية في البورصة – وهي عادة آخر ثلاثين ثانية من التعامل في البورصة. (ب) سعر الإغلاق – سعر آخر معاملة لورقة مالية قرب نهاية فترة التّعامل ، وتعني بالانجليزية (close) (ج) التسوية السنوية للحسابات أو الإقفالالسنوي للحسابات ، وتعني بالانجليزية (annual closing )

     و الآن يلاحظ المتتبع الحصيف، أن الأجناس الأدبية الثلاثة:الشّعر والرّواية و القصّة القصيرة ، تحرّرت من الأفق المحدود (القفلة) كمصطلح يفيد الانغلاق و التّوقف، و انفتحت على آفاق التّأويل، و التّأمل، و التخّييل.. نتيجة الحداثة، و التّجريب، في إطار الرّمز، و التّجريد، و التّكثيف اللّغوي. فكُسِّرَت الأقفال، وبالتّالي سُحب من المؤلف قراره الأخير، فأصبح سارده، يبسط القول الفنّي، و يترك قرار اتّخاذ الرّؤية ، و وجهة النّظر ،و المآل … للقارئ. لذا، لم يعد النّص ببعدٍ واحد، بل أصبح ينفتح على أبعادٍ شتّى. بسبب ما أتاحه من تعدّد القراءات..و وجهات النّظر..فلا يمكن الحديث عن (قفلة) : من القفل، أو الاغلاق، و الانسداد . و نحن بصدد جنس زئبقي، منفلت ،عُرف أوّل ما عُرف بالانفتاح و ببابِ خَتمهِ المُشرع على مصرعيه…لذا نرى أنّ مصطلح ( الخَرْجة) أنسب و أولى.
رغم وجود بعض الدّراسات العربية الحديثة التي اهتمت بالنهاية و وظفت ( القفلة) كمصطلح  مثل: ( القصة القصيرة جداً، لأحمد جاسم الحسين)، و (القصة القصيرة جداً بين النظرية و التطبيق، ليوسف الحطيني)، و(شعرية القصة القصيرة جداً، لجاسم خلف إلياس) . و( من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جداًـ المقاربة الميكروسردية)  لجميل حمداوي…

بعد هذا التّوضيح، ماذا عن الخَرجة في كتابة عبد الله الميالي القصصية ؟

نشير بادئ ذي بدء، أنّ القاص عبد الله الميالي، يولي الخرجة أهمية قصوى، حتّى كأنّي به لا يستطيع فهم القصة القصيرة جداً بدون خرجة. ولقد اجتهد في تنويعها، واختلافها، وجعل كلّ مفردات النّص و جمله تتكاثف معنوياً، وتتجمع أسلوبياً لبناء وخدمة الخرجة ومن ذلك:

  1 ــ الخرجة المفاجئة: و لعلّها أهمّ خرجات القصّة القصيرة جداً على الإطلاق ، لأنّها تكون غير متوقعة وصادمة، ما ينتج عنه ما يعرف بالقصّة الصّدمة ( Sudden story)                          التي يكون من نتائجها أنّها تخيب أفق انتظارالقارئ، كالذي يسلك طريقاً ينشد هدفاً مُعيناً. و ينتهي إلى أنّ الطّريق مسدود في نهايته (Impasse) وهو الذي كان يعتقد الطريق سالكة.
و في القصّة القصيرة جداً، ينبني ذلك على أساس أسلوب مُخادع، و جمل وهمية تعني الشّيء ظاهرياً، و لا تعنيه في واقع الأمر. كالذي نجده في نص ( مفجأة)

” طوقها بذراعيه، فذهبت في غيبوبة. استفاقت تتحسس بطنها ، أصابها الذهول. في المشفى يهديها الطبيب قطعة من أحشائها . تستقبل بفرح و دموع الزائدة الدودية.”

فكلّ الكلمات و الجمل، قبل الخرجة،  توهم القارئ أنّ البطلة حامل، تنتظر مولوداً : [طوقها..غيبوبة..تتحسّس بطنها.. الذهول.. قطعة من أحشائها.. فرح و دموع..]  و لكن الخرجة المفاجئة تغيّر كلّ ما استقر في الذّهن كاستنتاج : [ الزائدة الدودية]                  و قد كان من الأحسن أن يكون العنوان مختلفاً. لكي لا يوحي بما تضمره الخرجة من شعور و تنبّه بالمفاجأة. فالعنوان: ” مُفجأة ”  جعل القارئ يَترقب الآتي بحذر.. و المفروض ألا يكون ذلك التّرقب والتّوقع المفضي للحقيقة ..حتى تكون القراءة استرسالية عادية، حتّي تحدث المفاجأة الصّادمة،  التي تنتهي إليها القراءة، لا أن يلوحَ إليها العنوان، أو أي عبارة في النّص، عدا الخرجة ، لأنّ ذلك من خصوصياتها الفنّية.                                           وعلى العكس من هذا ما نجده في نص ” رغبة ” فالجمل الوهمية المخادعة كلّها تبني تصوراً زائفاً.. عن حبّ من أوّل نظرة لإيطالي جذّاب، وجهه لامع، ويناسب البطلة  في رشاقتها ونحافتها.حتّى إذا ما استقرّ وعي القارئ على هذا، وظن أنها قصة عشق بين امرأة و رجل،  جاءت جملة الخرجة، لتعصف بكلّ ذلك. كما هو في النّص:

” وقعت في حبّه من أول نظرة. يقف بأدب مع زملائه، وجهه يلمع و يناسب نحافتها، ليس كباقي الأحذية .”

فالمَعشوق إذاً، ليس إلا حذاء إيطالياً. ليس إلاّ .

2 ــ الخرجة التّأمّلية :
و هي عندي أحسن أنواع الخرجة، فإذا كانت الخرجة المفاجئة تحدث صدمة، و يخيب أفق توقع القارئ… فإنّ الخرجة التأمّلية ترفّ بخيال القارئ بعيداً، ربّما تتجاوز تخوم النّص، إلى أبعاد و رؤى غير واردة فيما كتِبَ،الشّيء الذي يحقّق قدراً هامّاً من التّخيلية الذاتية (Fictionality) كالذي نجده في نص: ” المتحوّل “:

” اعتصره الجوع خرج يبحث عن وجبة غذاء قرب المزبلة ، نازع كلبا قطعة لحم ، عاد إلى كوخه ينبح .”

نلاحظ أنّ النّص لم يوظف الجمل الوهمية الخادعة، بل جاءت إخبارية سردية واقعية. تحمل دلالة مُعجمية صرفة  (Lexical semantics) لأنّ الخرجة هنا ليس وظيفتها المُفاجأة، و إنّما دعوة للتّأمل. كيف أنّ الجائع الذي يقتات على ما في المزبلة ، يُنازع كلباً قطعة لحم، ثمّ يعود إلى كوخه نابحاً ؟ ! إنّ  حمل هذا مَحمل التّأمّل ،مع ربطه بالعنوان : ” المتحوّل ” يُحيلنا على وضعية الإنسان المُهمّش، المشرّد في وضعية بائسة، تحت ظروف الفقر و الاحتياج.. إنّ الخرجة في هذا النّص  مُشبعة بشحنة رمزية ( ينبح) تفيد تساوي الإنسان بالحيوان، أو تحوّله إلى وضعيته. و في ذلك إثارة حيثيات أساسية ثاوية كامنة في الخرجة : اقتصادية، و اجتماعية، و سياسية، و حقوق و واجبات المواطنة…ما يجعل الخرجة  في إطار النّص، سوانح تأمّلية خالصة …

3 ــ الخرجة السّاخرة:
    لعلّه من الواضح جداً، أنّ القصّة القصيرة جداً تتقاطع مع أجناس  أخرى دون الميوعة أو التّماهي، الشّيء الذي أكسبها قدرة ، في التّعبير عن أدق مشاعر النفس البشرية، و من ذلك تقاطعها مع الطرفة/النكتة. الشيء الذي جعلها تتسع لروح السّخرية (Sarcasm)  كالذي نجده في نص :

“ميلاد ”
” قرأ في صفحة المفقودين:  مواصفاته: ( نحيل كهل، أصفر كحبة قمح، أشعث الشعر، رث الملابس يجوب الشوارع . ) فرح كثيراً حين وجد نفسه .”

و وجه السّخرية في الخرجة ، هو ما جدوى أن يجد متشرد مجنون نفسه في المواصفات؟ و الأجدى أن يجده الآخرون و يتعرفوا عليه ، و يسعفونه، و ينقذونه من الحال التي أصبح عليها: (نحيلا ، أصفرا ، أشعثا ، رثّ الملابس..)…
كما نجد روح السّخرية في خرجة نص ” رعاية “

” علمت الحكومة بقدوم وفد أجنبي لزيارة المعتقلين. سارعت بتبديل وجبتهم الغذائية بوجبة الكلاب البوليسية ، أشاد الوفد الزائد باحترام حقوق الإنسان. لكنه اشتكى من قلة الاهتمام بالكلاب “
و هي سخرية كما نلاحظ بنكهة الحنظل، حتّى ما قد تثيره من ابتسام، فهو ابتسام كالصّقيع، لا يبعث على ارتياح ولا طمأنينة. ولكنّها سخرية هادفة انتقادية ، لأنّها متضمّنة لحقيقة مختلفة ولمعنى كامن (Latent content) الشّيء الذي يعمّق الإحساس بالتّنوع و الاختلاف ، و المفارقة و التّضاد ، و التّدني و التّميز..و ذلك بجعل الغريب الشّاذ.. كأنّه مألوف عادي.. أو العكس، أو الاشتغال على صيغة تضاد المخبر و المظهر..

  من خلال هذه النماذج للخرجة في قصص عبد الله الميالي. نلاحظ مدى إهتمامه بهذه الخاصية ،و أنواعها،وأهميتها. محققاً بهذا الاهتمام الفنّي في كلّ كتابته القصصية غايتين أساسيتين : متعة كشف المفارقة ( Paradox)، و لذّة العصف الذّهني  ( Brainstorming) و في مختلف النّصوص، نلاحظ مسألة “الموقعية ” أي وضع الكلمة في مكانها المناسب تمهيداً، و خدمة لدور الخرجة، حتّى لا تنافرَ و لا تضادَ.. إلا ما يأتي أحياناً قليلة من صيغة العنوان..فهنيئاً للقاص عبد الله الميالي هذا الاحتفاء بالخرجة و دورها، و مهارة توظيفها، و حسن أدائها الدّلالي و الفنّي.

قصص قصيرة جدا من مجموعة : ” رصاص القلم “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.