ــ قراءة لـ (ق ق ج ) ” الصديق المخلص ”  للقاصة شارون ديكرسون   (Charon dickerson)

* الصديق المخلص*
عائداً من فيتنام، توقف كيني عند كابينة التلفون، وقد بلله مطر الليل.
“أبي، إنني كيني، أنا في طريقي لعبور الجسر في السيارة،لكي أصل البيت، لكن وتني ينبح ويزمجر ولا يدعني أعبر بسهولة”
“عمّ تتكلم يابني؟ وتني غرق الأسبوع الماضي وقت جرفت العاصفة ذلك الجسر.”
* شارون ديكرسون *

     “الصديق المخلص” للقاصة شارون ديكرسون (Charon dickerson) تذكرني بقصص بنفس العنوان، و لعلّ أشهرها و أرسخها في الذّهن رغم قدمها القصّة القصيرة (the devoted Friend ) للكاتب أوسكار وايلد،(1854/1900)  و التي أساءتْ إليها بعض التّرجمات المُستعجلة، وغير المسؤولة مع الأسف.
    و لكن هذا النص القصير جداً، و الذي يبدو أنّه مترجم عن نص انجليزي. جاء مختلفاً: بطريقة كتابته ، و انتقاء لغته، و بُعد و عمق دلالته …فيحتمل قراءتين، قراءة أفقية ، تقف بالقارئ عند منطوق الكلمات و الجمل. و قراءة عمودية تسبر الكلمات و الجمل لتغوص عميقاً في تلافيف النّص، في مسارٍ تأويلي.

1ــ القراءة الأفقية:

الجندي كيني عاد من حرب الفيتنام ذات مساء ماطر، و لم يرغب في مفاجأة أفراد أسرته ، بل توقف عند مخدع الهاتف، و هاتف أباه يخبره بأنه في طريقه إلى البيت بعد أن يعبر الجسر.. و لكنه لا يستطيع، لأنّ الكلب وتني لا يدعه يفعل مزمجراً نابحاً . فيأتيه صوت الأب من الطرف الآخر مُتسائلا مُستغرباً:
ــ عمّ تتكلم يابني؟
ثمّ يوضّح بما يُحقق المُفارقة الصّادمة : ” وتني غرق الأسبوع الماضي وقت جرفت العاصفة ذلك الجسر.”

يَستفيد القارئُ من هذه القراءة الأفقية: أنّ الجندي كيني كان على غير علم بموت الكلب وتني غرقاً ، كما لا يعلمُ ما حلَّ بالجسر الذي ينوي عبوره إلى البيت. و لكن يَعْلق بذهنهِ سؤالٌ يحيره : لماذا قال الجندي كيني لأبيه” لكن وتني ينبح ويزمجر ولا يدعني أعبر بسهولة .”؟ علماً  أنّه كان في مَخدع الهاتف، و بعيداً عن البيتِ.و منْ خلالِ ردِّ الأب نعلمُ أنّ الكلبَ وتني مات غرقاً مُنذ أسْبوع. و هَذا يَعني أنّه كان في البيت. و لمْ يكن قطّ مع الجندي كيني ..الشّيء الذي يُربكُ فهمَ و توقعاتِ القارئ.. ذلك أنَّ حيرته ، لا تكشفها، و تبدّد غيومها قراءة أفقية . فلا بدّ إذأ من قراءة عمودية أساسها  التّأويل (Interpretation).

2ــ القراءة العمودية /التّأويلية:


 لعلّها تصبح لازمة ، و ضرورية.. حين تظهر فجوة السّؤال أو الأسئلة، و كأنّ النّصّ يُعاني منْ نقصٍ، أو تناقضٍ، أو تضادٍ، لا يُستوعبُ عقلياً أو مَنطقياً..فيأتي التّأويل انطلاقاً من مُؤشّرات ( Indicateurs) النّص.
لتوضيح الغامض، بما هو واضح، أو يحتملُ الوضوح، و الاستيعاب العَقلي…
و من تمَّ، فالقراءة الأفقية تأخذ بظاهر النّص، بينما التّأويل يأخذ بما وراء النّص. و هذا يُحتّم إنشاء نص تخييلي جديد، من رحم النّص الأوّل. و بهذا إقرارٌ بألاّ قدسية للنّص كما يرى( شلاير ماخر) في نهجه التّحليلي.و هدجر و تلميذه جورج غادامير، إذ تتحد رؤيتهم في الفهم و التّأويل على أساس أنطولوجي / وجودي، ذي صبغة جَدلية. و ذاك ما انتهى إليه السّيميائي الإٌيطالي بول إيكو (Eco) في اعتماده استنطاق الرّموز، و تأويلها، لأنّ القراءة التّأويلية تتنافى و ما ذهبت إليه البنيوية أو الشّكلانية  إذِ اعتبرتِ  اللّغة  نظاماً مُنغلقاً يُحيلُ على ذاتهِ لا على غيره.ِ و تجنباً للإسقاطات (Projections)  الذّاتية التّأويلية و تفاديها كان بول إيكو صريحاً في تحديد نطاق التّأويل و شروطه:
1 ــ الانطلاق من البنية الدّاخلية للنّص .
2 ــ انبثاق التّأويل مما هو حَرفي إلى ما هو إيحائي نصّي .
3 ــ ألاّ يتجاوز التّأويلُ امكانات النّص.
4 ــ عدمُ ارْتجال التّأويل بِدونِ سَندٍ نصّي .
5 ــ التّأويلُ لا ينبغي أن يتجرّدَ منْ تبعات النّص.
6 ــ الانسجامُ التّامّ بينَ أجزاءِ التّأويل درءاً لأيّ تناقضٍ .

فبالعودةِ إلى النّص  بعدَ هذه التّوضيحات، ترى ما هي المُؤشرات النّصّية التي تحيلنا على طلب التّأويل ؟
ــ العنوان : “صديق مخلص “. فمن هو ؟
نحن أمام ثلاث شخصيات ، الجُندي كيني، و الأب ، و الكلب وتني. فأيّهم اتّسم افتراضياً بالصّداقة و الإخلاص؟ الأب و ابنه جمعت بينهما الأبوّة و البنوّة والقيم الأسرية. لذا لا مجال للحديث عن الصّداقة و الإخلاص، حتّى و إن توفرا، فذاك من بابِ تحصيل الحاصل.
و لكن هناك ما دار بين الجندي العائد و بين الكلب وتني . إذِ الملاحظ، أنّهُ لم ينته إليه صوت أحدِ الأقرباء. و قد غابَ عنهم طويلاً في حرب قاسية مروعة . و لكنّ اللاّ فت للإنتباه أنَّ الذي  انتهي إليه هو نباحُ كلبه وتني، و زمجرته، و كأنّهُ يَستقبله كعادته بِحركاته، و بَصبَصته، و نباحه.. ففي ذلك رمز للصّداقة و الوفاء و الإخلاص…

لكن السّؤال الذي ظلّ مُعلّقاً في القراءة الأفقية.

ــ كيف لا يدعُ الكلبُ وتني صاحبَه كني يعبر بسهولة ؟ عِلماً أنّ وتني ماتَ غرقاً منذ أسبوع؟ فذاك مؤشر(Indicateur)على حالة الجندي كيني النّفسية إذْ لم يعد كما ذهب. بل عاد شخصاً آخر، بنفسية مختلفة ، من حرب قذرة ظالمة. فأغلب الجنودِ الأمريكيين العائدين ،عادوا  بجروح جسدية،و ذكريات مأساوية ،و خدوش نفسية: كحالات الإحباط، والانعزال، والأرَق والغضب، و الإقدام على الانتحار… جروح لن تندملَ  جرّاءَ ما عايشوه ، و ما اقترفوه .. فمن جهة لم يخبر الجندي أهله بقدومه إلا وقد اقترب من البيت، و لم يبق له إلا عبور الجسر. و من جهة أخرى كلبه (المُتخيل ) الذي يحول بينه و بين العبور مزمجراً، نابحاً.و في ذلك دعم لما جاء في العنوان ( الصّديق المخلص ) فالكلب يحول بين صاحبه و رغبته في عبور الجسر، في ليلة ماطرة.. لأنّه لم يعد هناك جِسر، لقد ذهبت به العاصفة.
و على ذكر الجسر المحطّم هل كان الغرض منه فقط ، انقاذ الجندي من السّقوط بسيارته عند حافته، و إبراز صداقة الكلب، و مدى إخلاصه؟أم كانت له دلالة أخرى، لا نعرفها إلا تأويلاً؟ لا شكّ أنّ الكاتبة أرادت منه أن يكون رمزاً بدلالتين مختلفتين :
1 ــ رمز اللاّ تواصل بين الجندي وأهله فقد تكسّر كلّ شيء بفعل الحرب.فالجندي الذي ذهب سالماً، عاد يهلوس و يتخيّل أشياء لا واقعية.
2 ــ رمز، لإبراز صداقة و إخلاص الكلب في إطار مسار صوري غرائبي.

لكن هذا الإخلاص الذي هو مدار النّص، ينبغي فهمه من خلال تأويلين مُتلازمين مُتكاملين:

1 ـ من جهة الجندي، فكلبهُ وتني بقي على الوفاء و الإخلاص و الصّداقة حتّى و هو ميت، إذ تخيّله صاحبه العائد من أتون الحرب و هو يحول بينه و بين العبور، ولم يفهم السّبب. حتى أخبر والده.

2 ــ الأب تلقى قول ابنه عبر الهاتف كمؤشر سيء،  نتيجة حرب سيئة، فالكلب الذي يتحدث عنه الابن مات غرقاً منذ أسبوع، و الجسر الذي ينوي عبوره طوّحت به العاصفة.

    فالنّص رغم قصره ، و بساطته، جعلَ القارئ من خلال التّأويلِ يعي صورة الصّداقة و الإخلاص التي و كأنَّها تبقى كالملاك الحارس (Ange gardien) حتّى بعد الموت. و صورة الحرب و نتائجها المدمّرة لنّفسية الإنسان، و قدراته العقلية .. إن قدِّر لهُ أن يبقى حيّاً..


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.