علي شريعتي.. سيد التّنوير والتّثوير


9 مايو 2019

حبيب مايابى

المصدر : الجزيرة الوثائقية

ولد علي محمد تقي شريعتي في إقليم خراسان بإيران عام 1933، وتربى في جو علمي منفتح يرى ضرورة صقل الإسلام مما يدنسه

التَهَم مبادئ الثورة الفرنسية وناصَرَ الثورة الجزائرية، وعندما ألهم الثورة في إيران وأوشكت على الاندلاع رحل في ظروف غامضة في لندن ليوارى الثرى في دمشق.

تلك قصة مفكر وثائر عرفته الزنازين والميادين، ونادى بأعلى صوته طلبا للحرية ونصرة للمستضعفين، وكتب كثيرا من أجل أن يقنع الناس بأن الصراع الشيعي السني مجرد لعبة مصالح بين الكبار، وليس من الإسلام في شيء.

في حقبة من التحولات الفكرية وانتشار المذاهب السياسية والأيدولوجيات، ولد علي محمد تقي شريعتي في إقليم خراسان بإيران عام 1933، وتربى في جو علمي منفتح يرى ضرورة صقل الإسلام مما يدنسه، فقد كان والده كاتبا ومهتما بتنقية الدين من الشوائب والخرافات.

كان ذلك عاملا أساسيا في تنشئة شريعتي وتربيته الطامحة للغوص في الحقائق. وانضم في صباه إلى حركة “شباب مصدق”، وباكرا حمل مشعل النضال وقارع الأفكار المتحجرة فكانت حياته مليئة بالصخب والوصب.

تصدى شريعتي لرجال الدين في إيران ونقد مثقفيها ورفع شعار “الدين ضد الدين”، ورأى أن الحل في الإسلام الثوري، فأصبحت أفكاره مبادئ، وأسس للثورة الإسلامية في إيران.

وفي سعيها لتوثيق التاريخ وسيَر العظماء، أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما خاصا عن شريعتي بعنوان “معلم الثورة.. علي شريعتي” يسلط الضوء على نضاله الذي كان من ثمراته قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979.

يقول الدكتور عباس منو شهري الباحث المتخصص في أفكار شريعتي “بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كان الجو الفكري والسياسي والثقافي الإيراني ملبدا بغيوم الأفكار الماركسية والغربية، وكان والد شريعتي يحاول تقديم رؤى دينية جديدة. فنشأ شريعتي في هذا الجو”.

انخرط سريعا في التيارات الشبابية وهو في مرحلة الصبا من عمره، وانضم للجبهة القومية وخاصة التيار الشبابي منها برئاسة محمد مصدق.

وبعد إقالة مصدق من رئاسة الوزراء عام 1953 وسجنه ثلاث سنوات بسبب محاولاته الإصلاحية وخلافاته مع الشاه، ثارت ثائرة الحركة القومية، فكان شريعتي من المتقدمين في صفوف التيار الشبابي، فسجن عام 1958 وهو حينها طالب في كلية الآداب بجامعة مشهد وأمضى في السجن ستة أشهر.

وفي الجامعة أسس شريعتي اتحاد الطلبة المسلمين، وبعد تخرجه امتهن التدريس وساهم في توعية الناس وتربية الأجيال من صفوف المدارس فضاقت السلطات به ذرعا فأبعدته بمنحة لفرنسا.

بعدما أصبحت “حسينية إرشاد” مركزا للتنوير، قررت السلطات إغلاقها عام 1973 واعتقلت شريعتي

إلى مدينة الأنوار

حل شريعتي في مدينة الأنوار مبتعثا لجامعة السوربون عام 1960، وسرعان ما انضم لصفوف الطامحين للحرية والتغيير، لأنه كان يرى أن الغرب بنزعته الاستعمارية يمارس الاستعباد على الشعوب الضعيفة والمغلوبة.

شارك الجزائريين في مظاهراتهم التي قادوها من فرنسا عام 1961، وخرج في المظاهرات المنددة بمقتل أول رئيس منتخب للكونغو باتريس لومومبا، فكان ذلك سببا في اعتقاله بفرنسا، وهنالك أسس رفقة مجموعة من المثقفين حركة الحرية لإيران.

وفي باريس وبحكم دراسته لتاريخ الأديان وسّع مداركه وفهمه، وتشبع بأفكار الحركة الفلسفية السياسية للمذهب الوجودي وخصوصا مدرسة فرانكفورت وأطروحات الاجتماعيين، فاقتنع أكثر بحرية الفكر وضرورة اختلاف الأفكار، حيث يقول “إن الأمة التي تفكر على نمط واحد هي أمة ميتة لأنها لا تفكر”.

حصل على الدكتوراه في تاريخ الأديان وعلم الاجتماع من جامعة السوربون ويمم وجهه نحو طهران فاعتقل وقت رجوعه وأفرج عنه بعد حين.

شارك شريعتي الجزائريين في مظاهراتهم التي قادوها من فرنسا عام 1961، فكان ذلك سببا في اعتقاله بفرنسا

من التنوير إلى التثوير

بعدما طرق أبواب التنوير بدأ الدكتور شريعتي يبعث عن مرحلة التثوير. عمل محاضرا في الجامعة، وبفصاحته وقدرته على الإقناع أصبحت محاضراته قبلة يقصدها الطلاب وكانت تستمر لساعات عديدة متواصلة بدلا من ساعة واحدة.

ركز في نظرياته على الأسباب التي أدت إلى الانهيار والتخلف، فأرجعها إلى “عدم النباهة والاستحمار”، ورأى أن الاستعمار قابلة مجتمعية والشعوب التي ترضى به تتميز بخاصية الاستحمار وقبول الانصياع لمن يركبها. وفي مناقشته لظاهرة الاستحمار رأى شريعتي أن المثقفين هم من يتحملوا المسؤولية.

ويقول الأكاديمي اللبناني خنجر حمية “إن شريعتي صنف المثقفين على ثلاثة أنواع، مثقف أصيل ومثقف مقلد ومثقف عضوي”.

والمثقف الأصيل هو من يبحث في هموم الناس ومشاكلهم ويجد لها حلولا من الداخل، لذلك كان شريعتي يركز على هموم الناس ومعاناتهم. ولم تكن طبقة رجال الدين بالنسبة لشريعتي إلا جزءا من الأزمة، فكان يرى أن رجال الدين مصطلح شاذ في الإسلام لا وجود له في التراث الأصيل.

وذهب شريعتي إلى أبعد من ذلك حيث جاء بفكرة الدين ضد الدين. أي أن الدين القائم هو مناقض للدين الأصيل الخالي من الشوائب، وتلك ظاهرة قديمة في تاريخ التدين والدين حسب شريعتي.

وفي نقده لرجال الدين كان يرى أن أموال الفقهاء وأصحاب الفهم التقليدي للدين ليست من المال الحلال وإنما هي مغتصبة باسم الدين.

يقول شريعتي “عندما يلبس الظلم لباس التقوى تولد أعظم فاجعة”. وقد كان يرى أنه لا حل إلا في الرجوع إلى الاسلام الثوري، ويقصد به الإسلام الذي لا يخضع لتفسير الفقهاء ورجال الدين التقليديين. وبهذا الرأي أُخذ عليه أنه نظر للإسلام نظرة فلسفية اجتماعية بحتة تجاهلت التاريخ والتراكمات المعرفية.

لذلك يقول الفقيه اللبناني محمد قانصو العاملي “إن شريعتي كان مخلّطا، كيف يُتصور دين بدون رجال يعرفونه حق المعرفة، لم يكن شريعتي متخصصا في الدين حتى يحكم على أهله الذين درسوه وعرفوه”.

أمضى شريعتي في السجن 18 شهرا، ونُكل به أشد تنكيل. وفي 1975 خرج من السجن بوساطة جزائرية

رجل وثلاث جبهات

لكن شريعتي كان ناقدا للظواهر، فهو يحارب رجال الدين الذين يستغلون العامة، وبهذه الآراء وغيرها أثار شريعتي حفيظة السلطة والمجتمعات التقليدية فأصبح في مواجهة ثلاث جبهات، كما يقول الأكاديمي اللبناني خنجر حمية، وهذه الجبهات هي الاستبداد الرأسمالي واليسار الانتهازي والرجعية الدينية.

وفي نقد هذه الظواهر ومقارعتها وجدت العامة حسّ معاناتها فيما يعبر عنه ملهمهم ومنظر ثورتهم فزاد إعجابهم به. وبعد أن ملأ الجامعة فكرا أقيل منها ومنع من العطاء الفكري لطلابها فأسس حسينية إرشاد واتخذ منها منبرا ومقرا لخطاباته وبث أفكاره، فقصده الشباب من كل حدب وصوب.

لم يكن شريعتي يساوم في مبادئه ولا يتنازل عنها أبدا، وقد كان يرى بأن الحرب بين السنة والشيعة ليست حربا دينية وإنما هي مصالح بين الكبار يدفع ضريبتها العوام، والأسباب التي توحّد بين السنة والشيعة أكثر بكثير من تلك التي تفرق بينهم.

ورغم أنه شيعي لم يكن يسب الصحابة مما جعل البعض يتهمه في شيعيته، وقد نادى بالمقاربة بين التشيع الصفوي والعلوي.

ولم يكن شريعتي يستهدف النظام السياسي بشكل خاص، وإنما كان يحارب الظواهر المتخلفة بشكل عام. فكان هدفه الأساسي الحرية وحشد إرادة الجماهير من أجل الحصول عليها.

يؤكد كثير من المتابعين أن جهاز الاستخبارات الإيراني (سافاك) هو الوحيد الذي تدور حوله شبهة اغتيال شريعتي

لندن والموت الغامض

بعدما أصبحت “حسينية إرشاد” مركزا للتنوير، قررت السلطات إغلاقها عام 1973 واعتقلت شريعتي. لكن ملهم الثورة كان نجمه قد بزغ وطنيا وعالميا.

أمضى شريعتي في السجن 18 شهرا، ونُكل به أشد تنكيل. وفي 1975 خرج من السجن بوساطة جزائرية، فأصبح ظهوره قليلا لكن دروسه توزع كثيرا.

وبسبب فطرته على حب الحرية وعدم تعوده على تكميم الأفواه، رحل إلى لندن ليوافيه الأجل بعد وصوله إليها بثلاثة أسابيع، وقد دارت شبهات استفهام عديدة حول سبب وفاته.

ويؤكد كثير من المتابعين أن جهاز الاستخبارات الإيراني (سافاك) هو الوحيد الذي تدور حوله شبهة الاغتيال.

ولئن كان شريعتي ظُلم في حياته كثيرا فإنه بعد موته ظلم أكثر، فلم يسمح لرفاته أن يدفن في إيران، فووري الثرى في دمشق وسُحبت من موسى الصدر جنسيته الإيرانية لأنه صلى عليه. لكن شريعتي بالنسبة للإيرانيين ما زال حيا لأن الأفكار لا تموت برحيل صاحبها.

وفي 1979 قامت الثورة الإسلامية في إيران فحضرت مقولات شريعتي وصوره بكثرة وسقط نظام الشاه.

ويرى الخطيب اللبناني محمد حسن الأمين أن “شريعتي صاحب رسالة عظيمة، وما زالت أفكاره صالحة لأن تلهم ثورات شعوب عديدة”.

 ويعتبر شريعتي في عيون الإيرانيين من صناع التاريخ الحديث لدولتهم، وملهمهم في قيم النضال والتحرر والثورة، وتمثاله القائم وتراثه المطبوع خير شاهد على ذلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.