حوار مع النّاقد مسلك ميمون

نص الحوار الذي أجرته معي القاصّة أمينة برواضي

ألقاصة أمينة برواضي

أمينة برواضي في حوار “مع الناقد”
الحلقة السابعة مع الدكتور مسلك ميمون.
السّلام عليكم دكتور : مسلك ميمون
أولا، أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي: ليكن أول سؤال:
ــ من هو مسلك ميمون؟
الجواب:
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ،شكراً أستاذة أمينة برواضي. مسلك ميمون، مغربي، من مدينة وجدة، أمتهن التّدريس، و قد مررت بجميع أسلاكه و الحمد لله، مؤلف لعدّة كتب في العروض والنّقد، منتج إذاعي لعدّة برامج في إذاعتي وجدة و أكادير في عقدي الثمانينات و التّسعينات، أحبّ الرّياضة، والسّفر، وأدمن المطالعة… متزوج و لي ولد وبنت، كلاهما لم يتأثرا بالأدب، الولد صيدلي هنا في المغرب، و البنت طبيبة في ألمانيا.
سؤال:
2ــ كيف يمكن للناقد أن يزاوج بين النقد والإبداع؟
الجواب:
الناقد بطبعه مبدع في مجاله، و قد يكون مبدعاً في أجناس أخرى فالعقاد كان ناقداً و لكن في ذات الوقت كان شاعراً، طه حسين كان ناقداً و هو صاحب الأيّام و دعاء الكروان. محمد برادة ناقد و روائي، محمد يوب ناقد وقاص، جميل حمداوي كذلك ناقد و قاص، حسن الأمراني ناقد و شاعر.. أما كيف ؟ فأعتقد أن الموهبة تفرض نفسها في الوقت المناسب. وهي التي تلحّ على صاحبها إن إبداعاً قصصياً، أو روائياً، أو شعرياً، أو نقداً…
سؤال:
3 ــ وهل يكون النقد حاضراً أثناء الإبداع؟
الجواب:
أعتقد أنّ هذا ينبغي أن يكون. فلا يمكن للناقد أن يتبنى نظرية نقدية و لا يحترمها في إبداعه القصصي.. أو الرّوائي أو الشّعري ..رغم أن لهذا ثمنه الباهظ ، لأنّ الفن و الإبداع عموماً تخنقه القيود المدرسية. والنظريات النقدية الصارمة التي يلزم المبدع نفسه بها ..و لهذا نلاحظ أن بعض النقاد حين كتبوا في أجناس مختلفة، اعترى إبداعهم بعض الاضطراب و التكلف، لأنّهم لم يكتبوا بعفوية و تلقائية..بل وفق خطة معدة، وهندسة متبعة في أذهانهم، تقيدوا بها كتابة.. و الإبداع لا يتأتى بالإعداد والبرمجة، أو العد والإحصاء،أو الرسم التخطيطي (diagramme) .. و لم يفلح في ذلك إلا النقاد الذين تناسوا لحظة الإبداع قيود النقد و نظرياته ، إلا ما جاء عفو الخاطر و التّلقائية.. و شخصياً عانيت من ذلك في إطار القصّة القصيرة ،و القصيرة جداً، و الشّعر، و لا شيء يحرج الناقد المبدع إلا أن يأتي إبداعه في جنس ما مخالفاً لما يسطّره نقداً ، و كأنّه يشهد على نفسه أنّه يناقض نفسه. و أحياناً كثيرة كنت أقول لبعض الأصدقاء مازحاً:” انظروني شاعراً أو قاصاً حين أكتب في الجنسين. و ناقداً حين أتعامل مع إنتاج ما.” و لكن كنت دائماً أحسّ أنّ كلامي و لو في إطار المزاح ، يشكل مفارقة بالنسبة لهم . ألاحظها في نظراتهم المريبة.. لهذا كان عدد النقاد الذين حاولوا أن يوازنوا بين نقدهم و إبداعهم قلّة قليلة ، حتى شاع ــ و إن كنت لا أومن بذلك ــ : ” إنّ النّاقد مبدع فاشل” ! و من جهتي أفضّل الناقد المبدع لأنّه يستفيد ايجابيا من عملية الإبداع. فيتكلم نقدياً عن أشياء يحسّها و يعاني وطأتها. مستفيداً من تجربته في نطاق الإبداع..و ليس كالنّاقد الذي ينزل كالقدر على العمل الأدبي مسلحاً بنظريات ليس إلا..
سؤال:
4 ــ من موقعكم كناقد كيف ترون مستقبل النقد مع كثرة الإصدارات الأدبية؟
الجواب:
العملية النقدية على قيمتها و ضرورتها ،أصبحت خاملة، فاترة.. ليس في المغرب فحسب بل و في كلّ أقطار الوطن العربي، و يحدث هذا بعد توهج و نضارة في الستينات و السبعينات أو حتّى منتصف الثمانينات ولكن بعد ذلك، دخل النقد البيات الشتوي الذي طال و استطال. و نتجت عن غيابه أو حضوره المحتشم كوارث في الأدب و الفن عموماً.. إذ لم يبق في السّاحة إلا تعليقات صحفية تتموج تموجات انطباعية سطحية و لا تلامس العمق .. بدون منهج و لا رؤية نقدية إسنادية ..فكان لذلك أثر سيء على الإنتاج الإبداعي شعراُ و نثراً..فكل من يحمل قلماً أصبح شاعراُ، و روائياً ،و قاصّاً.. و كثرة الإنتاج لا تدل على الجودة . و إنّما هي عمل بلا رقيب، و لا حسيب ، و الذي يَسَّر هذا، سهولة النّشر عما كان عليه في السّابق . لقد كثر اللّغط ، و إبداع الهامش و الابتذال و الإسفاف..و الأدب الاستعجالي ( Littérature de l’urgence) و للأسف يجد ذلك من يشيد به، و يثني عليه الثناء الأوفى. و كأنّ كتابة خاطرة، أو نكتة، أو شذرة .. هي كتابة قصة قصيرة جداً.. فمن يُفهمُ هؤلاء الذين يكتبون عن غير علم بما يكتبون؟ أعتقد أنّ النّقد إن لم ينهض به أساتذة النقد في الجامعة، سيبقى مُغيّبا، و غير فاعل كما هو الآن، إلا القليل منه.
سؤال:
ـ 5 دكتور ما هي المواصفات التي يجب توفرها في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟
جواب: النقد لا يبارك إلا الجودة في الإنتاج الأدبي. و الجودة لا تتحقق من دعاة الأدب وأدعيائه وما أكثرهم في هذه الأيام، المتهافتون على النّشر من أجل النّشر.. والنقد يرفض الرداءة.. وللأسف الرداءة أصبحت سمة العصر، طاغية، و مهيمنة..لأسباب تعود لفتور النقد، بل أحياناً، و كمتتبع لا أجد نقداً، بل و لا رؤية، أو منهجاً.. و غالباً ما يزكى الإنتاج بألفاظ و عبارات فضفاضة موحّدة معيارية (Standard) تنطبق على أي نص و لا تخصّ نصّاً بعينه، الشّيء الذي شجّع ظهور كتابات بلا هوية، و لا جمالية ، و لا ذوق ..و إن كان أصحابها جنّسوها كما شاؤوا، عِلماً منهم ، ألا متابعة ، و لا نقد سيكشف عورتهم . و أنّ القارئ ستنطلي عليه ادعاءاتهم، لأنّ أنصاف المثقفين من القراء، لا يكلّفون أنفسهم البحث و التّقصي..
سؤال:
6 ــ كيف ترون مستقبل القصّة القصيرة جداً ؟
الجواب:
لا أحبّ أن أكون متشائماً. و لكن ما أراه كمتتبع لهذا الجنس السّردي و منذ التّسعينات فالأمر لا يبشر بخير، فما وقع للشّعر الحديث في غياب النّقد و المتابعة.. ها هو يتكرر بشكل أو بآخر مع القصة القصيرة جداً: جمل متواثبة ،غير مرتبطة، لا تخدم فكرة معينة، و لا تحمل على التأويل والتّخييل.. أصبحت في عرف البعض قصة، و القصّة تتبرأ منهم و مما يزعمون. و الغريب إذا حاورتهم فيما يكتبون ، سيدّعون التّجريب، و التّجديد، و الحداثة … و ليت شعري كيف يتسنى ذلك لكاتب لم يكتب نصّاً يستحق القراءة؟!

سؤال:
7 ــ أصدرتم عدّة كتب في النّقد و غيره :(أثر القرآن في تأليف بديع الزمان )، (النقد المنهجي عند العرب التاريخ و المصادر ) ، (بنية القصيدة عند ابن زيدون ) ،(غواية السّرد القصير/دراسة في القصة القصيرة جدا ) و السيرة الذاتية : ” أيّام وجدة الجميلة” و أربع مجموعات قصصية، و للطفل كتبتم عدة مجموعات قصصية. بالإضافة إلى مقالات في الأدب والفن والسينما والمسرح. ….. إلى ماذا يعزو الناقد هذا التنوع؟
الجواب:
في عقد السبعينات كانت اهتماماتي منصبّة على الشّعر، و ربّما الأمر كان تأثراً بالأصدقاء الشعراء: حسن الأمراني، و محمد على الرباوي، و عبد الرحمن بوعلي، و المرحوم محمد بنعمارة ، و المرحوم محمد لقاح …و لكن مع نهاية عقد الثمانينات وجدت أنّ السّرد بدأ يهيمن على، و إن بقيت مرتبطاً بالشّعر إبداعاً و قراءة و نقداً.. و لكن أغلب اهتمامي انصرف إلى السّرد إبداعاً في مجال القصّة القصيرة، و متابعة ونقداً لما ينشر في هذا المجال، و بخاصّة القصّة القصيرة جداً. و لا غرو في ذلك، فإنّني أنتمي لجيل لم يكن هناك ما هو أحبّ إليه إلا المطالعة، و الافتخار بما يقرأ، و الاعتزاز بمحفوظاته..و ميله للمُثاقفة، و التّعددية الثقافية ( Multiculturalisme ).
سؤال:
8 ــ باعتباركم تزاولون مهنة التّدريس كيف ترون مستقبل التّعليم العمومي بالمغرب؟
الجواب:
الوزارة الوصية متهاونة جداً في هذا القطاع. و تعليمنا العمومي لا يبشر بخير، لأنّه بدون أهداف، ولا آفاق. تعليم ينتهي بالطلبة إلى البطالة أو الهجرة، أليس مؤسفاً جداً أن الطالب في كلية الطب يكلّف الدّولة ما يفوق ستين مليونا .. و حين يتخرج لا يجد له عملا ، وتجده اسبانيا وفرنسا و ألمانيا.. جاهزاً معدّاً. و كأننا في غنى عن الأطباء و المهندسين… و قل هذا عن التّعليم الخاص، الذي تخلصت به الدولة من بعض نفقاتها، و تركته للمتاجرة والضّحك على الذقون..
سؤال:
9 ــ لو لم تكن أستاذا للغة العربية ما هي الوظيفة التي كنتم ستختارونها؟
الجواب:
أعتقد ألا اختيار لي إلا التّدريس. و لعلّ الله استجاب لإحدى قريباتي، كانت امرأة مسنّة فكنت في صغري كلّما قدّمت لها خدمة كانت تدعو لي و تقول: ( الله يَجَّعْلَك تَقرا و اتْقَرِّي)، و سبحان الله أحببت التّدريس منذ سنّي المبكر، فقد كنت أجمع حولي أطفال الحي من أقراني، وأقوم بدور المعلم ..

4 تعليقات

  1. رااائع دوما مبدعنا وناقدنا القدير دكتور مسلك..وفقكم الله وسدد خطاكم

  2. لقاء مفيد وثري بالفائدة وهذا ليس بمستغرب فالدكتور مسلك قامة أدبية ونقدية معروفة عرفته من خلال حضوري بعض مهرجانات القصة القصيرة جدا وسمعت طرحه لأوراقه النقدية وكذلك معرفته من خلال الصحافة وصفحته في الفيس بوك الغنية بالمواد العلمية المنشورة فيها .. مع خالص الشكر للأديبة أمينة برواضي على هذا اللقاء الممتع… تحياتي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.