فلاسفة في ضيافة القصيدة / نعيمة فنو

الشاعرة تعيمة فنو

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الاول

جان جاك روسو ( Jean-Jacques Rousseau )

مارتن هايدجر في كوخ الذّاكرة يرمِّمُ خيوطَ وجهِهِ في مرآة سطلهِ المعدنيّ/ باروخ اسبينوزا في غرفة البصيرة يلمِّعُ العدسات/ دنتاي أليجيري يرفو جحيمه وجنّته بإبرة وخيط المُطهَّر/ القديس اغوسطين يقف وسط مقبرة القلب ليعمِّد القبورَ الكثيرة للحبيب الواحد / زيجموند باومن يطفو كفكرة عارية ٍفي سوائله / ايمانويل كانط يمسح الغُبار عن صورة جون جاك روسو يضعها تحت الوسادة ولا ينام /حانا أرندت فوق كرسيّها الهزّاز هرقليدس يرُجُّه برمنيدس يوقفه …حتى تدخّن آخر أصبعٍ من عُلبة يدها / الحلاّج فوق الكرسي ، يستقيم الحبل ليغرق في علامة الصّلاة على الجبين/ جلال الدين الرومي يتدلى كقُرطٍ من اُذن الكون وشمس الدين التبريزي من الأذن الثانية / شارب نيتشه يحطُّ حمامة بين كؤوس الحانة /بيرتراند راسل يحشو غليونه بأعداد وأنغام فيتاغوراس/ فريدرك شلايرمخر يغزل سجّاد اللّغة بقراديش التّصوف/ ميشيل فوكو يروح ويجيء بين الموت والمتاهة / الكندي يطوّع أورِدة عودِه بأصابع دامية يعزف لحنا حزينا في انتظار مرور جثمان ابن رشد/لاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الثاني

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الثاني

جون بول سارترو سيمون ديبوفوار

جون بول سارتر يُراقِص حبيبته سيمون ديبوفوار وهي تهمسُ في أذنه: “سنُدفن بجانب بعضنا البعض هناك ستقرأ لي “فينومينولوجيا الروح” فأنتَ تتقن القراءة في الظلام من سبع سنوات أليس كذلك يا عزيزي ؟ /

سمع شوبنهاور الحوار إلتفت اليهما وقال : “حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة” ستصيران مادة مطلقة زئبقا دائم السيلان /

سمع هيجل حديث شوبنهاور عن المادة فسأل ماركس الذي يجلس بجانبه فوق جذع شجرة: ما الأسبق يا ماركس ؟ أوليس الوعي؟ لا بل المادة . لا الوعي، بل المادة لا الوعي بل المادة …قاطعهما فولتير :”عندما يكون الحديث عن المال، فإن كل الناس على دين واحد” . كاستون باشلار : صدقت أيها النبيل: كم سيتعلم الفلاسفة لو وافقوا على قراءة الشعراء!! /

نيوتن يجلس أمام كل هؤلاء بدون حراك ينظر بتمعُّنٍ إلى تفاحات أعناقهم/

توماس هارفي يحمل دماغ انشتاين في الجرّة كسمكة في أكوريوم مضيء يحملها أينما حلّ وارتحل لإنارة الممرّ المظلم في الحقيقة/

تحت النافذة، سوفوكليس ممدّد على الأريكة يشخّصُ مسرحية”أوديب ملكا” بأصوات مختلفة تحت تصفيق فرويد، غير بعيد، يحاول إيمبيدوكليس الوصول الى فوهة سيكَار فرويد ليصل الى بركان الطهارة /

فرانسيس بيكون يحرّك دمى الأوهام Marionette على خشبة مسرحه بخيوط عناكب أمام دهشة الجمهور السفسطائي /

سيوران يحمل مِسمارا يكتب على شاهد قبرٍ “المياه كلُّها بلون الغرق ” ياعزيزي هيرقليدس /

جيل دولوز رمى بقبعة المفاهيم البيضاء لتحية الكون للمرّة الأخيرة، عانق هيباتيا ورمى بنفسه ليتنفس أعمق /

أثناء تجول بروتاغوراس في أزقة كونيغسبرغ خرّ على ركبتيه أمام تمثال كانط “أيها العزيز كانط، لم تُغادر قطّ هذه المدينة من أين لك كل هذه العظمة ؟ عناقيد عيون وعقول …” نظر الى السماء صارخا : “الانسان مقياس كل شيء ، الانسان مقياس كلّ شيء …”

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الثالث

في صالون البارون دي هولباخ يجلس ديدرو على المكتب وسط القاعة ، يُدوّنُ في موسوعته مُناديا جون جاك روسو:” لن أسجّل اسمك هذه المرة أيضا ياجاك تعرف السبب طبعا؟ ” جون جاك روسو مبتسما : “طبعا أعرف يا ديدرو المشاكس لهذا لن تَغلبني ابدا في لعبة الشطرنج وإن بقيت خارج الموسوعة “…
ديدرو : أخذنا الحديث يا جاك وهاهو المركيز دو كوندورسيه يُغادر في صمت دون أن يودّع أحدا !!
كوندوسيه : “سأغادر ، نَسبح في عمق 3000 مجلّد وأشهى النبيذ والطّعام دون نسوةٍ لتجاذب أطراف الحديث رحم الله ابن عربي :” مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه”
أجابه ماكس فيبر: تبا “لم يفك السّحر عن العالم اذن ” سِحر النساء أقصد ،أليس كذلك يا دي هولباخ هل ألحدتم بالنساء أيضا !!!
دي هولباخ رفع كأس النبيذ مقهقها : بصحتكم، هنا لا حدود لأي شيء هنا الالحاد المُطلق ، رافق كوندروسيه للباب … ماكس فيبر : “ماتزال تنادي بحقوق المرأة والعبيد حتى تُغتالَ ياكوندروسيه خفّف من حماستك أيها الأشقر .
سأستفِزُ ديدرو وسيجيب بذكاء كالعادة … ديدرو .. نعم ماكس ؟… أتؤمن بالحقوق العبيد أتحَرّمُ الخَمر أتكره النساء ؟
ديدرو : ” عقلي كنيستي يا ماكس ” ….
ماكس: فهمت قصدي كوندروسيه ؟ المرونة يا صديقي
ديدرو : أرأيت يا غوته كيف يشاكسني ماكس ؟ رأيت ؟ مارأيك ؟
غوته: تعرف أني في انتظار وصول شيلر لايحلو النقاش الا بحضوره
ديدرو: حتى وإن اتى لن يُفيدنا في موضوع النّساء هو العاشق للتاريخ والعسكر والحروب يا غوته …
غوته : تغيَّرَ وصار أكثر رقَّة ربما لأن بيتهوفن سيلحّن له قصيدة “إلى السعادة ” …
ماكس :وصلني الخبر لكن المعزوفةٌ لم تكتمل ولن تكتمل تنقصها روح النّسوة روح الآلهة …فكوا السِّحر عن العالم وستكتمل كلُّ الأشياء الجميلة …
غوته اسمعوا قول المتنبي :
جربت من نار الهوى ما تنطفي
نار الغضى وتكل عما تحرق
وعذلت أهل العشق حتى ذقته
فعجبت كيف يموت من لايعشق
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني
عيرتهم فلقيت فيه ما لقوا
صرخ كل من في المكان الله ! الله !! الله !!!
ضحك غوتيه : اذا ذُكر الله في قعر دار الملاحدة فهو سِحر النّساء الذي روضَّه المتنبي في قصائده ، سِحر النساء يحلِّق فوق رؤوسكم …
سِحرُ مارجريت التي أغرت فاوست، إنّها بياتريس التي أغرت دانتي أليجيري انها النِّظام حبيبة ابن عربي إنّها لو أندرياس سالومي حبيبة …
شيلر وهو داخل : صه يا غوته لو سمعك نيتشه أو شوبنهاور لأوسعاك نقدا لاذعا ونحن في نشوة أدبية وخمرية …
ايميل دوركهايم: اهلا بك شيلر هنيئا لك ، مسرحيتك “اللصوص ” حقت نجاحا منقطع النظير .لكن ياعزيزي تُحرّض على الحرية والإندفاع ، لنحافض على لُحمة المجتمع اللُّحمة ياشيلر …
شيلر: لهذا هربْتُ مع صانع الكمان احدى الشواعر “نعيمة فنو قالت ادفنوا الفلاسفة و الشعراء في حقائب تشيلو” اتتمتع بالموسيقى ، الموسيقى يا دركهايم دواء الروح وعِطر البوح …الموسيقى… الا تقلل الموسيقى من نِسب الانتحار يا دوركهايم ؟
دوركهايم بلى : أصل الكون عدد و نغم نحن الأعداد و الكون كل الكون بقدَرٍ وكلٌّ منّا يرسُمُ دائرةً بمقاسه، الأوسع والأضيق حدّ الاختناق …
دوركهايم : انظر ياشيلر الى نيتشه يداه مربوطتان وراء ظهره بوزرة بيضاء يدور كدرويش وسط القاعة يتعالى فوق الألم يترجم كلّ ما قلناه إلى موسيقى إنّه التّسامي ياشيلر …أنَّه التّسامي

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الرابع

نتشــــه

………………….دوركهايم : انظر ياشيلر إلى نيتشه يداه مربوطتان وراء ظهره بوزرة بيضاء، يدور كدرويش وسط القاعة يتعالى فوق الألم يترجم كلّ ما قُلناه إلى موسيقى إنّه التّسامي ياشيلر …إنَّه التّسامي….

مايكل انجلو : أنا ونتشه نملك ازميلا لنحت وجه الكون، أنا أيضا كسرت اللوحات الملوّنة لأتفرغ للعريّ حيث نشوة اللّون الواحد والمادة الواحدة ….

الألوان وَهمٌ يا دوركهايم ، كُلّما قُمنا بخلطِ ألوان كثيرة ،ألا يصير الخليط لونا واحدا ؟؟ وإذا فاض الماء ألا يبحث عن ثقب صغير ، عن سُرّةٍ كدوامة ليعود ادراجه .. جوقة المتكلمين ؟ هل تميز الكلام الا اذا تكلّم شخص واحدٌ ؟ اذا شممت أكثر من عطر الا تموت حاستك ، كل الأشياء تعود إلى أصلها الأول الواحد والأوحد ومادتها الأولى كل الأشياء تتفسّخُ قبل فنائها …

دُرْ يا نتشه وسألتحق بالدوران أيضا ، لنلتحم سويّا ونرتاح في مكان ما بقيامة دانتي أليغيري فوق رؤوسنا …

يا دنتي ! عزيزي دنتي ! مدّ يدك لغريقين من سُلالة الشُّعراء خدنا إليك نعرجُ إلى قيامتك الرحيمة ، مدّ يدك ، سأُخلّدُ اللّحظة في لوحة “خلق آدم ” خُدنا إلى المُطهّر حيث تنتهي الألوان وتصير الأجساد بيضاءَ كما يشتهي المتصوفة ، هناك حيت يعزف فيرجيل على آلة الهارب، وتتدلى عيون الخلائق كعناقد العنب الحلو ، حيث نسائم أجنحة الملائكة تخترق رئة المتنهدين ، حيث الوجوه بلا ملامح الكل هناك انسان …
ان لم تكن يدك فحبل نجاةٍ ، عمامة المعرّي او مُدَّ لنا السُلّم المُحمديّ …

هات يدك نيتشه، لقد أمسك بي دانتي ،وتوقّفْ عن الدّوران …
نيتشه : اذهب يامايكل انجلو لن اذهب إلى أي مكان حتى وإن اعطيتُكَ يدي وذهبنا، سأعود للدوران من جديد، إلى نفس المكان ونفس النقطة، إنه العود الأبدي، إذهب مع انسانك الأعلى واتركنى هاهنا أمارس ما سأعود إليه بمحض إرادتي اتركني “أن أحيا كما أريد، أو لا أحيا إطلاقا”

اذهب ، سأكون جِسرك يا مايكل “فما هو عظيم في الإنسان إنما كونه جسراً لا هدفاً ” انا جسركَ الرُخامي انحتني بازميلك وريدا وريدا وارتفع بي …
أوليس الرخام عشقك يا مايكل ؟
-بلى … حتى وفاتي قبل قليل بالحصوة ، بخلية رُخام ٍ صغيرة جدا ،كانت نقطة النّهاية في النّفق ، نقطة أفاضت الجسد ، السُمّ الذي جرعتني إياه التماثيل ذاتُ الأعضاء اليابسة …
إنه العُريّ يا نيتشه !! انه الشهوة في عُقر الكنائس، تعرف معنى أن تكون أعضاؤك عارية فوق قبر في كنيسة ؟؟ انها اللعنة… أشعر بما تشعر به التماثيل فأنا روحها …

لهذا دحرجتُ كل أغاني الحبّ بعيدا كصخرة سيزيف، بعيدا عن كل الكنائس في أدمغة المحيطين بي … اصمتها كي لا تتير النائم في مخلوقاتي اليابسة.
مدّ يدك نيتشه لنصعد حيث ذهبت الاغاني … : «إنني أشعر بالأسى؛ لأنني أموت قبل أن أقدِّم كل شيء من أجل سلام نفسي، ولأنني أموت حينما بدأت أتهجّى فني»
سأرحل كروح افنت عمرها في نحت أعضاء الأرض ..ألم تقل إن الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة؟

ورَمادٌ : كلُّ ما أتركُه

نيتشه: وصيتّي ” إنما إذا ما مت يا أختاه لا تجعلي أحد القساوسة يتلو علي بعض الترهات، في لحظة لا أستطيع فيها الدفاع عن نفسي …الدورن الحل بين خطيئة الدفن واستسلام جثتي لهؤلاء وبين السّماء التي نجح الكل في وصولها وتلويث عذريتها ارحل وانا سأبقى للأغني …

أجلْ ! إنّي لا أعلمُ مَنْ أنا ومنْ أين نشأتُ

أنا كاللهيب النّهِم،

احترق ، وآكل نفسي

نورٌ : كلُّ ما أُمسكُهُ،

أجلْ ! إنّي لهيب حقّاً “نيتشه

شكسبير متأثر بالمشهد …”أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس الى أن تكون شخصا أخر “…..يتبع

لوحة لتشارلز جابريل لمونير، تمثل قراءة لمأساة ڤولتير، يتيم الصين (1755)، في صالون مدام جيوفرين في شارع سانت-أونوريه. الشخصيات الأكثر شهرة تجمعوا حول تمثال ڤولتير وهم، روسو، مونتسكيو،، ديدرو وكوت دالمبرت، بوفون، كونديلاك، كيناي وريشيليو.

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء الخامس

وليام شكسبير

………………….
شكسبير متأثر بالمشهد …”أصعب معركة في حياتك عندما يَدفعك الناس إلى أن تكون شخصا أخر “
ولدت في أبريل ومت في أبريل كأني قفزت من نقطة إلى حفرة ، لم أكن أتحمّلُ فكِرة الموت ،كنت كالماء بلا لون ، أزرع جسدي في طين خشبة المسرح ، كنقّار خشبٍ أنقُرُ ثلاث طرقات للبدء .. ما أقصر الأعمار حينما تكون العقول عظيمة !!!
بعد كل هذا العمر عدت إلى نقطة البدأ ، الى هذا النور الشعشعاني الذي يغريني كحشرة ..أنا الآن أقف أمامكم فوق نقطة الحاضر في الدائرة المشتعلة، جناحي يحترق ، وأنا أبتسم من نشوة النور …أبتسم لالتقاط صورةٍ… من اقرب نقطة الى الله …

أيها الأصدقاء نقف الآن جميعا فوق حافة الزمان . أيها الأصدقاء… لا شيء إسمه زمان، لاوجود لغير سلالة الانسان، وأمواج حيونات منوية لكثير من الحمقى …

ما رأيك يا ابن الدموع ؟
اغوسطين: “في البدأ كان الله …” وبعده لاشيء يبدأ، ولا شيء ينتهي ، .. نحن الزمان أجسادنا عقارب وقت وأحلامنا شروق وغروب ، إذا نِمت يا صديقي، ألا يقف الزمان ويغيب الوقت في غارِ لا وعيكَ . نولد كل يوم بجلد جديد وملامح حادّة وصوت كالذئاب .
الإنسان عدّاد الوقت والزمن إن لم نكن نحن ؟ ماذا سيفعل الخالق بكل هذا الكون؟ الذي لا يتحرك إن لم يكن لكل منّا ماض وحاضر نستيقظ وننام ونحلم ونخون ونعبد ونولد ونموت ونمارس القتل ….نحن العداّد …

شكسبير: في ” البدأ كان الله ” وكنّا نحن أيضا ولم نكن نتحرك
، هذا التسلسل اللامنتاهي في الحركة وهذه الحركة في الزمان …متى كانت أول حركة يا ابن الدموع ؟ من حرّك قطع الدومينو ؟
– اقترب يا شكسبير …أكثر …أكثر …سأنزع عنك الشيطان أولا لأخبرك ..
– وهل تراه ؟ وأين تراه ؟
– هنا في جيب قلبك ، تعرف جيب القلب ؟ جنة عزازيل كرسيُّ عرشِه .
-وهل للقلب جيب يا اوغسطين؟
– يكون للقلب جيب، عندما تكون شرِهًا وطماعا للمال والشهوة والجاه والسلطة والمعرفة والشهرة ..

سألتني عن أول الحركة ؟ التفاحة الكبيرة الأولى كانت أول حركة كُلُنا نتحسس أول حركة وأول خطيئة في أعناقنا …التفاحة المتعفّنة في أعناقنا منذ قرون ، قلْبُنا الأول، القلب المتيبّس، القلب المدفون بين الروح والجسد .
التفاحة كانت القُوة يا شكسبير والشيطان كان الفِعل …وكنّا نحن المادة ….

صار الإنسان مزمّن نفسه ومؤقت حياته، قليل مّنا يتذكّر التاريخ …
اما الحاضر فهو في عقولنا فقط ..ماهو الحاضر يا شكسبير؟
ستقول لي الآن وحديثنا هذا ؟ أقول لك لا ، ستقول لي الجملة الأخيرة التي قُلنا ؟ أيضا لا ، الحرف الأخير في الكلمة الاخيرة فيما قلنا؟ بل أضيق يا عزيزي جزء من الثانية ؟ نعم ولا .
جزء من الثانية في وعينا ، لكن في الحقيقة جزء من الثانية يمكن تقسيمه إلى تريليون جزء من الثانية إلى ما لا نهاية… تعرف هذه الما لانهاية؟ هناك حيث الأرض الشاسعة لدفن الأفكار والجتث التي تنزلق من حافة الزمان … أما المستقبل هو خلائق ستأتي بعدنا هضمت تفاح أعناقها. هضمت الخطيئة الأولى حيث يموت الشيطان …

شكسبير : ألا يمكن أن يكون المستقبل هو أحلامنا اثناء الّنوم تحولت من أعداد إلى صور يا أوغسطين ؟
اوغسطين : انا صوّرت المستقبل في” مدينة الله” . تلك الأبدية الخارجة من الزمان والحركة، المكان الطاهر في أرواحنا.
ومدينة البشر حيث الزمان يرسم على أوجاه البشر خربشاته وتجاعيده وينحتهم كمسوخ في وجوه المرايا..
المرايا عيون الشياطين يا شكسبير …

شكسبير : تمنيت لو تحاورنا أنت وانا من قبل لكتبت مسرحيّة
حيث تبدأ حركة الكون ليس بالتفاحة والخطيئة ، بل بقُبلة ووننزل جميعا إلى الارض بأجنحة من أوراق الكتب و نلوّن ُ حيواناتنا المنوية بالوان بقوس قزح …
الشيطان يا أوغسطين ظِلُّنا الذي يغطي الحقيقة نحن الخير والشر والشيطان …
بأي المدينتين نوجد انا وانت يا ابن الدموع؟

بينهما يا شكسبير لم نَهضم التفاحة
سيتذكرنا الكلّ … نحن رُسل النّور تعلّمنا القفز فوق الفِخاخ بأصابع اليدِ …أنت فوق الخشبة وأنا فوق المذبح …

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء السادس

مارتن هايدجر

أتسمعُ صوت الأمواج العازفة على آلة الهارب ؟ صوت الأوبرا الآتي من بعيد ؛ من فمِ الكهف يا زيميل؟ خريرُ الماء في أعماقنا بين مدّ وجزر ، من وريد إلى وريد ؟ أُنظر إلى ديوتيما تنشرُ منديلَ قوس قزحٍ على عروق هولدرين ؟ هولدرين ، الذي يُطلُّ الآن من نافذة صومعته على ضفة النيكار، يُقبّل القواربّ شَوقًا لشفاهٍ ميّتة ، يلحَسُ سَماء شُرفتهِ من العطش…
روضَ حواسَّه لثلاثة عقودٍ على القلق ، ليُحلّق فوقَ كينونته. أناهُ طائرٌ حرٌّ؛ في عشٍّ فوق شجرة الميلاد ، آه يا زميل ! هولدرين شُعلة متّقدة في صومعة نجاّر !!! إنه القدر المتوحشّ إنُه الحريق، إنها الشّهادة !!!
أن تموت شهيدا؟ أن ترمي بآنيتك من أعلى نقطة ٍفي هذا العالم، مربوطةَ اليدين إلى أعماق العُزلة ، أن تموت شهيدا ؟ أن تتجرّأ على إشعالِ شمعةٍ في قوقعةِ دِماغك المُظلم لترى من أين تأتي الألوان ؟ أن تُعانق الموتَ بِمحضِ الشّوق و الإرادة ، بمحض الحبّ، تُعانقه حتى تسمع طقطقة أضلعهِ، حتى تحرُثَ أظَفارُك َحقلَ ظهره بكلٍّ عنفٍ، لينتهي القلق !!
إنه الوجود الأصيل يا زيميل! القلق المُطلق الذي يُشبه رائحة طحالب النّهر، يشبه الجريَ فوق الصّراط بأرجلٍ من الشّمع ، يشبه هذا وأكثر… لكنّه في آخر المطاف عدم …العدم هو شهوة شيء ما، شهوةٌ لا توصف يا زيميل! القلق نُطفةٌ ، ماءٌ، شيءٌ يشبه حليب ثدي الأرض بعد المَطر …
زيميل : يا هايدجر ! نحن نوارس بنفسجية فوق كل هذا البياض ، نحنُ سلّةُ عيونٍ …العزلة يا صديقي ليست بالضرورة في السّقوط إلى عرينِ الجماعة ، العُزلة تنمو في داخل الفرد كعنقود عنب من بلور ،العُزلة أن تحمل هذ الرأس الأثقل من جسدكَ ، العُزلة أن تتجرّع حروف لغتك كحباتِ أسبرين بجرعة كبيرة ، لتبدأ بالغناء، العزلة أن تتقمّص دور الطائر الحزين وسط حفلٍ راقصٍ تراه بقلبكَ بركةً جافة ، العزلة أن تكون غريبا ، مجرّد مادةٍ فانية. فوق رأسكَ قطعة رُخام منحوتة، قطعةُ حجارة تُنزلك إلى القاع فلا تطفو أبدا …
اقترب يا هايدجر لنغني! بأعلى صوتٍ لتطير عصافير الغابة السّوداء والغربان من دواخلنا نحو السّماء ، ضع يدك في يدي لنصلّي للموت.
نحتفل بِحقنِ النبيذ ، ستُملأُ الكؤوس بشفاهِ شمس الغروب لنغني ! لنغني!
هايدجر : ” إن لُغتِي هِي مسكنِيٌّ، وَهِي موطِنِيّ ومُستقِرِّيٌّ، وهِي حُدود عالمِيّ الحمِيمِ ومعَالِمِهِ وتَضَارِيسِه، ومِن نوافذِها ومِن خِلال عُيُونِهَا أَنظر إِلَى بقِّيَّة أَرجاء الكونِ الواسِع” (هايدجر)
القلق ياصديقي أن تجرّب كل شيء وتتحمسّ لقاء الفَناء ، مثلُكَ يا زيميل تغنيتَ بالموضة والمال … وها نحن نلتقي في الغابة السّوداء للغناء بدون حناجر !!! يا زميل يا عزيزي الغريب… كُلّما أردنا الغِناء نَصرخُ صرختنا الأولى ، الصّرخة مصلٌ، صمغ بين عالمين ؛ بين اللُّغة والمعنى بين عالم الغيب والشهادة … الصَّرخة الأولى شِعر أيضا يا زيميل !

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء 7

شوبنهاور

اَلكِنديّ يُصلّح أوتارَ جسَدِه . نيتشه وراء آلة البيانو صَنعهُ بالقليلِ من أصابع الموتى وخيوطِ العناكب…شوبنهاور، أمام حامل أوراق النوتات الموسيقية، نقرهُ ثلاث مراتٍ بمزمارِه ، بدأ كُورال الأزهار بغناء الأوبرا ، صوتٌ يخترقُ الأرواح كعِطرٍ، كرصاصاتِ نورٍ، كشرنقاتٍ ملونّةٍ ، الريح عارية تختبئ في ثقوب المزمار كشهوةٍ خجولة ، حشراتُ الزّيز نوتاتٌ هاربة استقرّت فوق أصابع فيتاغوراس المفتوحة نحو السّماء …
فيتاغوراس : أواه !! ماذا لو كنتُ مُجرّد نوتةٍ اتشبّتُ بأسلاك ساخنةٍ في معزوفةِ المطر ؟ أراوغُ خطوط الماء المُنسكِب كَجِنيّ أسنانٍ يحمِل الأمنياتِ السّعيدة … ما أشعر به الآن أنَّ روحي حَلّتْ في مِزماركَ يا شوبنهاور لتُراقِص الرّيح !
ذكّرتَني بأوّل معزوفةٍ صامتة ، ذكّرتني بنبض قلبِ أمي مُذ كنتُ بالرّحمِ مكوّرًا ككوكبِ الزُّهرة …حيثُ تعلّمتُ العدّ والحِساب والعزف على حبلِيَ السُّري ؛ الرّحِم كان أوّل عُودٍ بوتر واحدٍ.
شوبنهاور :تَخلّصْ من سَطوةِ الكلماتِ الّتي تَعلَقُ في حلقك كمسامير في نَعش ، اترك الأنغام تَخترقُك كحبل في جوفِ بئر لتنتشِلَ روحك البلوريّةَ الغارقة في سائِل الظِّلال ..
اغمض عينيك يافيتاغوراس ، استمع …استسلم …خلِّص روحكَ من العدّ وقيود الإرادة ، اجلس فوق هذه الموجة وانتشي …انتشي …الموسيقى يا فيتاغوراس جوهر الوجود ومرآةُ العالم ، الموسيقى الصّامتة أعلى درجة من اللُّغة ، للُّغة أنيابَ ذئبٍ وللموسيقى رَقَبة ُ فراشة يا عزيزي …

فيتاغوراس: ولكن يا صديقي ، الحَدَّادُ لا يَكُفُّ عن طَرْقِ سِندان دماغي بمطرقةِ الوقتِ ! وكأَنها موسيقى تراتبية موزونة تغريني بالعدّ
شوبنهاور : تجاهله يافيتاغوراس..
لا أستطيع! لقد كُنت أعُدُّ طرقَاتِهِ من شدّة الأرقِ لأنام ، إنّه الإدمان يا عزيزي…
تعرِفُ يا شوبنهاور ؟ المُتعة الحقيقية في التّضاد ، أزعجتني موسيقى الحدَّادِ ، لهذا أطربني نَايُكَ…
شوبنهاور : أخرج القثارة من تَحت جِلدك واُلتحِق بنا فوقَ خشبة الروح .
شوبنهاور : عزيزي الكِنديّ لنُغير النّبرة الأوبرا الحزينة ، ولنعزف تَسبيحةً تليقُ بضيافة فيتاغوراس …وأنت يا نيتشه غيِّر بيانو الموتى بنُهود الشّمس البعيدة …
فيتاغوراس : كيف أصبحتِ الألحان أكثر لطافَة ؟
الكندِيُّ : لقد أضفتُ وترا خامساً للعودِ، ظفيرةَ قوسِ قزح
فيتاغوراس : وترا خامسا ؟
الكنديّ : الوتر الأول ماء والثاني هواء والثالث تراب والرابع نار .
أوتار صامتة و محايدة ، الوتر الخامس صمغ يجمع الأستقسات الأربعة ، عندما تُمزج تَخلُق السّعادة.
الوتر الخامِس سعادة يا فيتاغوراس! أو لنقُل حقلَ فولٍ …هناك حيثُ ستحِلُّ روحُك بعد مغادرتها مِزمار شوبنهاور .

الكندي

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء 8

الماركيز دو ساد ( Marquis de Sade )

جون جاك روسو والماركيز دو ساد في سجن الباستيل …

جون جاك روسو : أول دارٍ للسّينما كانت كهف أفلاطون ، وأول دار للأوبرا كانت الكُهوف فمُ الأرض المشرّع للعصافيرِ، أوّلُ الأوتار كان قوسُ قزحٍ، أوّل المزامير عمود الريح الفقريّ ، وأول من تربَّع على عرش السّادية أنت يا صديقي دو ساد …

دو ساد :مبتسما !! مقدمة مستفزّة يا جاك !أظن أنّ أوّل الصُّور السّينمائية كانت اللّاوعي الإنسانيّ ؛ حيث يمرُّ شريطُ أحلامكَ ، تجُرُّ أقدامكَ كمتصوفٍ من مشهد لمشهدٍ ومن غريزة لشهوةٍ .شريطُ شراسَتك الأولى وأنتَ تَجرُّ قِطعةً من جِلدِ والدك لترفُو بويضَة الطّين … تُسابق الملايين من إخوتكَ في تَحليقٍ مَهيبٍ ، وعند وصولك، تلتفِتُ إليهم وهم يذوبون من الحرارةِ ، تَرفَعُ شارة النّصر مُستمتعا بفوزكَ… كلُّنا ساديون قبل الوعي وبعده يا جاك …

جون جاك روسو: كلُّ زنزانة هي مشهد سينمائي ، زنزانتك مثلا يا دو ساد؛ أراها الآن خائفة هاربةٌ إلى رُكنها الّرابع تُغطي أعضاءها برهبةٍ وخوفٍ منك ، ذنبها الوحيد أنها زنزانة بالتاء آخر الكلمة …
دو ساد : ضاحكا تقصد جوستين ؟ أسميتها جوستين ، إنّها خائفة من جيش الجردان يا جاك !
كنتُ أقف بين الفضيلة والرّذيلة وكأنِّي في حُفرة فوق سُرّة الأرض، أمارسُ ساديتي الجّنسية في كلِّ مرّة كموسيقى… الشّهواتُ أنغامٌ، بوقٌ بين جبلين، الشّهوة لِجامٌ لإحكام أحصنةٍ تجرُّ عربة جَسدي … لا أستطيع إيقاف العربة يا جاك. لا أستطيع!!
وكأني نقطة الّتلاشي في لوحة العَشاء الأخير ، اللّوحة التي تُصْدرُ نغمةً … تعرف؟ أيادي الحواريين و اليسوع وقِطع الخبز إذا رتّبناها على المُدرّج الموسيقي، فإننا نحصل على نغمة موسيقية. واذا رتّبنا شهواتنا سنحصُل على نغمة توازن الكونِ … اعزفها يا جاك بالصّفير…اعزفها ليطمئن قلبُ جوستين …
جون جاك روسو : اصمت قليلا يا دو ساد؛ يبدو أنّ الشّمس أشرقت ، بدأت الظِّلال تتسلّل إلى زنزانتي ، سأمدّد جسدي خشبةَ مسرحٍ ، أحتفل بتراجيديا الظّل والنّور …تمدّد يا دو ساد حَلّق بعيدا بأفكارك فوق هذا الحِصن الكئيب …
الأفكار كالعصّافير المُلوّنة ، تُحلقُ بك حيث تشاء ،أنا الآن أقبِّل فِراش “دي وارنز ” وأرضَ غُرفتها في القلب ،أحطُ كبومةٍ بين فاكهتها المحرّمة وأبكي …الشّهوة كانت الشّق الصّغير الذي ينبعثُ منه النور في مرآتها المكسورة …
أخاف دائما من الظِّلال البيضاء التي تتبعني يا دو ساد ، أخاف من عقارب الوقت في ساعات والدي المتوقفة ، ومن دوّامة الرِّمال في رحِم أمي تلك الدّوامة التي أفلتتني وَهوتْ بأمّي نحو القاعِ قبل أن أتذوق حليبَ الفضيلة …
إنها البرانويا يا دو ساد … كُنت أرمي بأبنائي الخمسة في دار الإعدام ، وكأنّني اتخلّص من حواسِي الخَمسة الخائفة من الخوف المزيّف ، الخوف الذي يشبه النَّزيل المقنّع في سجن الباستيل الذي لم نعرف هويته أبدا …

إنهم يعيشون التناقضات بالخارج بكل لذةٍ ونحن نعيش نزق الكتابة ، الكتابة التي تنهشُ أعمارنا كذئابٍ مسعورة عمياء …

جان جاك روسو

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء 9

دانتي ألجري

دانتي أليجيري و محيي الدين بن عربي
يا بحر الحقائق، يا سُلطان العَارفين ! أدِر ظَهرك ، كُلّما اقتربتُ لأضع يدي على كتفكَ ، تُحلّق أصَابعي فجأة كسِرب حَمام أخافَتْهُ حباتُ قمحٍ مُسَعّرَة …. أمسكتُ أخيراً بطرف عمامتك …
أحَلّقُ الآن طائرة ورق بجسد مرنٍ بلا عظمٍ وقلبٍ مثقوب …
إنها الدّائرة الّتي لا تنتهي! منذُ قرون وأنتَ تمشي أمامي ببطءٍ، أتبعُك بنفس الوثيرة، توقف ، أرجوك…

ابن عربي : إنها دائرة أرباب الهوى يا دانتي. إنّه التّماسُ الرُّوحي بين الخلوة والجلوة ، كُلّما وصلنا ، نكتشفُ أنّنا فوق نُقطة البدء . مُدّ يدك لليد الممدودة من مركز الدّائرة، لتدور بكلّ حريّة …
أنتَ الآن طفل فوق حِصان في لعبة تدور ،كلّما زادتِ السُّرعة زادت قهقهاتُ رُوحكَ، وكلّما اُرتفعتِ اللُّعبة للأعلى؛ تبدو الخلائق بالأسفل أصغر وأصغر … اغمض عينيك أشعل بصيرتك وارقص …
أتشعر بالنُّقَطِ البلوريّة / العقيق تحت أقدامنا يا دانتي ؟ نقف الآن فوق عِقد” النِّظام” المُلطّخ بعطر عذريتها …
اُنظُر إلى السّماء ؛ أنا بدوري يا دانتي أتبعُ تلك البغلة على يمينها كُتبٌ وعلى يسارها جُثمان ، المشهد مصورٌ بالنّجوم على شكل برج الميزان برج القضاء والعدل …
اُنظر إلى برج الدّلو على شكل إنسان انه صديقي الفيلسوف انّه مُريدي في رحلتي نحو المعراج …
دانتي : نصفُ وجهِه المُقابل لي وكأنّهُ “فرجيل” يَصُبُّ ترياقَ الشّعر من جرّته على زوايا الكون …
كن مستعدا يابن عربي؛ سنخترقُ برج الحوت الآن لنُبعث من جديد لتصير جماجِمنا أثقل من حبات اليقطين ، سنتخلصُ من جلد الخطيئة ونرتدي الخِةرقة …
دانتي : تعرف ؟ دائرتي أضيق يا ابن عربي ، أدور على حافة مِحبس” بياتريش “أنا العاشق المجذوب بأرجل حمراء من الحِنّاء ، دامية كشقائق النُّعمان، كلّما داهمتني نشوةُ التّخيل ، أفقد الوعي وكلّما فقدت الوعي أجدني فوق هذا صّراط/ الدائرة أتبعُك …

ابن عربي : وأنا كُلّما أقفلتُ منافذَ حواسِّي الخمس لأفتح باب الخلوة وبدأتُ الدّوران حول كعبة الرُّوح، أجدك مدفونًا في ظهري، حياّ في قبرك تخدش طيني وتصرخُ …

دانتي : اُنظر يا بن عربي !انها هي تُلوِّحُ من نافذة مركز الدّائرة، بفستانها الأحمر المُطرّز بكبريتِ دمي وعلى رأسها غابات من أكاليل الغار …

محي الدين بن عربي

ابن عربي : اُنظر أنت أيضا لبرج العذراء إنّها “النّظام” ، الطُّفيلةُ الملاك بفستانها الأبيض عاطلة من كل زِينة ، كلّما تنهدَتْ تتحركُ بنا الدّائرة كسجّادٍ سِحريّ فوق الزمان والمكان …
مركز الدائرة يا دانتي مرآة تعكس روحك وتعكس ما في روحي، تعكِس بنات أفكارك وبنات أفكاري، بيننا وبينهن مسافات من النار والهواء والتراب والماء …
تحلى بشجاعة الصمت ِ، وحاول التوازن وتجنّب الرميةَ من برج القوس كي لا تسقط من جديد نحو الفراغ …
الحبِيباتُ يا دنتي تَضعن أرجلهم في الفراغ المحيط بجزيرة الدائرة/ المركز لخلق الدّوامة ، الدّوامة الّتي سيزيدُ دورانُها لنتحرّك نحو المركز نحو سُرّة الأرض نحو الثقب ، مركز الدّوران، نحوهنّ …
المركزُ الّذي سيبتلِعُنا نحو الفرح، لتصير الدّائرة كَمخروطِ جحيمكَ يا دانتي! بمجرّد وصولِنا إلى القاعِ سَنُقذف بعنفٍ نحو الجِنان…

دانتي : لكن ستحترقُ أجنحتُنا المصنوعة من الشّمع تماما كإيكاروس المسكين؟
ابن عربي : إنّها طريق السّالكين ، ستنمو لنا أجنحة أخرى كفراشاتٍ نورانيّة ، كخشب العود يفوح منه العِطر بعد الإحتراق يا دانتي !
فقط أغمض عينيك وأشعل بصيرتك واحترِق …

فلاسفة في ضيافة القصيدة الجزء العاشر

هيباتيا

هيباتيا تحتضر بين يدي حنّة أرندت
حنّة : كُلّما نَظرتُ إلى مرآتي، أرى دَوّامة وكأنها عينٌ سِحريّةٌ على العالم الآخر، هناك حيث قبورُ النِّساء تطفو فوق المّاء بشواهدَ من بلور على شكل مراكب ، هناك تقف شجرةُ وحيدة عملاقةٌ بأوراق على شكل ألسِنة تُزغرد لإستقبال جَثامين النِّسوة المُعذّبة ، هُناك حيث الضّوء أشدُّ عُمقا من المرايا السَّائلة …

هيباتيا: لِسنواتٍ كُنت أجري وسط سَاعة الخطيئة ، أقفزُ فوقَ العَقارب ، ضبطتُ وقتَ مرورها تحت أقدامي ، لكنها ، أخيرا لسعتني …
الزمن والوقت أذكى ياحنّة !! سأنزف حتى الحياة لن أموت أبدا …
هذا القبرُ قِطعة لها طول مُعين ، ما رأيك في مفارقة زينون؟ اِفترضي أني وصلت منتصف القبر . وقبل أن أستطيع الوصول لمنتصف المسافة، عليّ أن أصل إلى ربعِ المسافة، وقبل الوصول إلى ربع المسافة، علي أن أصل إلى ثُمن المسافة؛ وقبل الثمن، واحد على ستة عشر؛ وهكذا …

حنّة : لأنكِ تُتقنين معادلة الموت هذه ، سيحرقون جثتك يا هيباتيا فقط أصمتي !!!

هيباتيا : تقصدينَ موتهُم ، أو ذوبان رغباتهم المالحة في أجسادنا الهشّة … نحن لا نموت يا حنّة، القبور مجردُّ حلٍّ لمعادلةِ الحياة الأكثر تعقيدا .
نحن كالسِّيجارة بين أصابعك يا عزيزتي، نَصير دُخانا لتحقيق نشوة ما، ونرحل، لنعود كطاقة أكثر من طاقتنا السَّابقة وربما أقلّ حسب ما تحتاجه الطّبيعة في تلك اللّحظة بالذات، ليستمر الآخرون في القَتل …

حنّة: وماذا عن آخر واحد في هذا الكون ؟
هيباتيا : و أخيرا… أكيد سيتحول إلى تُفاحة لتصعد إلى سمائها إلى شجرتها الأم، لنصعد نحن أيضا نحو الحقيقة نحو الجنّة ….
بعد كلِّ هذا الألم ، مادمنا نتعذبُ أكيد نعيش وسط الجحيم وكل ماعشناه كان مجرد حلم بالجنّة .

حنة أرندت

حنّة : دعيني أزيل القواقع المغروسة من ظهرك، وحبال الجرِّ سأزيل عنك اللّعنة .

هيباتيا : أحببتُ البَحر ، لكنه للأسف تواطأ معهم وغرس أظافره في جَسدي…
حتى البحر يكرهُ الحقيقة، يخشى قطعة الفلين التي تطفو مكان قَلبهِ ، اتركي الحبل …سأرسو كالقوارب البعيدة فوق صُدورهم ، أرمي بحبل سرّتي لأمتصّ عُنف هذا العالم …
للأسف الكلُّ يُقتل بسبب الدِّين ولا أحد يموت من أجل الإنسانية…
حنّة : إنها تفاهة الشّر ، الموت بعنف هو طريقة أيضا لمحاولة الفهم ، رجال الدين في العصور المظلة يوهمونك بأنهم النُّور في آخر النفق لتكتشفي أن آخر النّفق مجرد خُرم اِبرة أصابه العمى …

هباتيا : أخفضي صوتك ياحنّة !! يحيطون بنا الآن كغربانٍ سوداء ، إنهم أحفاد قابيل، سيأخدون جثتي قربانا ليُعلّموا البشريّة دَفنَ الشَّهوات في ليلة الصَّوم الكبير .

حنّة: إنّها أيادي الظّلام ، إنه قِطرُ الظِِّلال السَّائل الذي سيُغلِقُ منافذ النُّور قرونَ عددا ، لكن …أرى دمك كَالمسكِ كقوس قزحٍ
يضمّد جُرح السّماء الحزينة …

هيباتيا : .أترين هذا الجلد المُمزّق ؟ سيلتحِمُ مع بعضه كالزئبق ، كخرقةِ متصوفٍ مُرقّعة بالألوان ليدور في أكفهم كشمعٍ سائلٍ …
يا حنّة ! أحتاج شيء من الحبّ لأنه الوحيد الذي يفوقُ طاقة الألم، أرجوك …اقرئي بعضا من رسائل الحبّ بينك وبين هايدجر إلى أن أنام …وبعدها أطفئِي المشهد.

2 تعليقان

  1. تجربة فريدة

  2. واااااااو يا لا الروعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.