محمود سامي البارودي

يسري عبد الغني

‏٢٦ مايو‏، الساعة ‏٢:٥٥ م‏  · من أرشيف مقالاتي التي لم تنشر
الفارس المهزوم
محمود سامي البارودي
[ رب السيف والقلم ]حياته :
محمود سامي البارودي (1838م ـ 1904 م ) من أسرة جركسية ذات جاه ونسب قديم ، فأبوه حسن حسني البارودي ، كان من أمراء المدفعية في الجيش المصري ، ثم صار مديرًا لبربر ودنقلة بالسودان ، والبارودي نسبة إلى (إيتاي البارود) بمحافظة البحيرة ، وكان أحد أجداده ملتزمًا لها (أي مسئولاً عن الشئون الإدارية والمالية بها) ، وينتسب أجداده إلى حكام مصر المماليك ، وكان البارودي يعرف هذا النسب ويعتز به ، فيقول :
أنا من معشر كرام على الدهـ
ر ، أفادوه عزة وصلاحًا
عمروا الأرض مدة ، ثم زالوا
مثلما زالت القرون اجتياحا
وتيتم البارودي وهو في السابعة من عمره ، ثم التحق بالمدرسة الحربية مع أمثاله من الجراكسة والأتراك وأبناء الطبقة الحاكمة ، وتخرج فيها سنة 1854 ، في عهد عباس الأول ، وكان عباس من المعوقين للنهضة والتقدم ، خمدت في عهده الحماسة في الجيش ، بل تم تسريح نعظمه ، وأقفرت ميادين القتال من ألوية مصر الخفاقة ، ولم يكن عهد سعيد أحسن حالاً من عباس ، فلم يجد البارودي ـ كما لم يجد زملاؤه ـ عملاً بعد تخرجهم ، أما الزملاء فمنهم من طاب له عيش الرخاء والدعة ، وسره البعد عن ميادين القتال ، وأما فأحس الضيق والألم ، لأنه لم يشترك في حرب كما اشترك آباؤه ، و قد كان يود أن يحقق عن طريق الجندية آمالاً ضخمة ، ودفعه هذا الألم إلى طلب العوض عن المعارك الحقيقية بمعارك موصوفة في صفحات التاريخ ، فعكف على تراثنا الأدبي مستجيبًا في ذلك لملكة الشعر الكامنة فيه .
وشغف البارودي بشعر الحماسة ، والفخر ، ووصف ميادين القتال ، ولقاء الأبطال ، وحرص على حفظه وتدوينه ، وتحركت نفسه لنظم الشعر ، ولم يجد غضاضة ، وهو من الطبقة الحاكمة ، في أن يقول الشعر ، وإن عابه عليه لداته وأترابه ، بل وجد له أسوة فيمن سبقه من الأمراء الشعراء : كامرئ القيس ، وابن المعتز ، والشريف الرضي ، وأبي فراس الحمداني … وأضرابهم ، ولم يكن البارودي يستطيع أن يعرض عن قول الشعر ، وفيه طبع شاعر ، وقد ملك أداته المعبرة ، يقول :
تكلمت كالماضين قبلي بما جرت
به عادة الإنسان أن يتكلما
فلا يعتمدني بالإساءة غافل
فلا بد لابن الأيك أن يترنما
ثم ضاقت به مصر ، وضاق بها ، فرحل إلى الأستانة ، مقر الخلافة العثمانية ، والتحق بوزارة الخارجية ، وهناك أتقن اللغة التركية ، وتعلم الفارسية ، ودرس آدابهما ، وحفظ كثيرًا من أشعارهما ، ونظم الشعر بالتركية وبالفارسية بعد نظمه بالعربية .
ثم عاد إلى مصر ، والتحق بحاشية الخديوي ، وظل يرتقي في مناصب الجيش ، وفي فرسان الحرس الخاص ، حتى وصل إلى رتبة (قائمقام) ، وتحقق له أمله بالاشتراك في معارك جزيرة كريت اليونانية ، حين ثارت على دولة الخلافة العثمانية ، فأسهمت مصر بجيشها في إخماد الثورة ، وفتنت البارودي الشاعر مناظر الجزيرة ، وألهبت المعارك حماسته ، فسجل ذلك كله في شعره .
وعندما أعلنت روسيا الحرب على تركيا سنة 1878 وأرسلت الحكومة المصرية جيشها لمعاونة الخليفة العثماني في حربه ضد أعدائه ، سافر البارودي مع الجيش ، وأبلى في المعارك بلاءً حسنًا ، فأنعم عليه برتبة (اللواء) وعدد من الأوسمة ، وكان لميدان القتال والمناظر الطبيعية الخلابة ، والناس الذين يخالطهم على اختلاف لغاتهم وألوانهم وأجناسهم أثر في شعره ، وأخذ يهتف باسم مصر ويحن إلى الوطن ، في شعر قوي نابض بالحياة .
ثم عاد من حرب البلقان وهو في الأربعين من عمره ، فعين مديرًا لمحافظة الشرقية ، ثم محافظًا للقاهرة ، ثم وزيرًا للأوقاف والحربية ، وكانت حركة الجيش التي مهدت للثورة العرابية 1881 قد بدأت ، ولمح رئيس الوزراء (رياض باشا) حينذاك ميل البارودي نحو الشعب ، وعطفه على الثورة ، فأوعز إلى الخديوي توفيق فعزله ، فذهب إلى الريف المصري وفي نيته أن يعتزل السياسة ، وهناك قال قصيدته التي حمل فيها على المكايد السياسية ، ومنها قوله :
وخلنا من سياسة درجت
بين أناس قلوبهم وعرة
ولما اشتدت حركة الجيش ، وأقيل رياض ، وتولى محمد شريف ، عاد البارودي للوزارة ، ثم ما لبث أن تولى رياستها ، وحاول أن يوفق بين الجيش والخديوي ، ولكن الموقف تدهور بسرعة غير متوقعة ، وتعقدت أمامه سبل التوفيق ، فانضم إلى الثوار ، ولما أحس أن إنجلترا وفرنسا (أكبر قوتان في العالم في تلك الآونة) تبيتان لمصر أمرًا نصح الثوار بالتراجع ، ولكن الأمور سارت نحو غايتها ، واشتعلت الثورة ، وتدخل الإنجليز ، وهزم عرابي الزعيم الطيب القلب نتيجة الخيانة والغدر ، ثم حوكم زعماء الثورة العرابية ، ونفوا إلى جزيرة سرنديب (سيلان أو سيرلانكا ) إحدى جزر الهند ، ومن بينهم البارودي ، حيث مكث سبعة عشر عامًا ، قال فيها أروع قصائده ، يبثها شكواه وحنينه إلى وطنه ، ويصف كل ما حوله ، ويراسل الأدباء ، ويرثي من مات من أهله وأصدقائه ، وقد تعلم الإنجليزية في منفاه ، وقرأ بها كل ما وجده من صحف وكتب ومطبوعات في هذه الجزيرة التي كانت خاضعة للاحتلال الإنجليزي .
ولكن طول النفي أورثه السقام والعلل ، فكف بصره ، وضعف سمعه ، ووهن جسمه ، ونضح شعره بالعذاب والألم والمعاناة ، يقول :
كيف لا أندب الشباب ، وقد أصـ
بحت كهلاً في محنة واغتراب
أخلق الشيب جدتي ، وكساني
خلعة منه رثة الجلباب
ولوى شعر حاجبي على عيـ
ني حتى أطال كالهداب
لا أرى الشيء ، حين يسنح إلا
كخيال ، كأنني في ضباب
وإذا ما دعيت حرت ، كأني
أسمع الصوت من وراء حجاب
كلما رمت نهضة أقعدتني
ونية لا تقلها أعصابي
لم تدع صولة الحوادث مني
غير أشلاء همة في ثياب
واشتدت عليه وطأة المحنة حين تخطف الموت ابنته وزوجته وأصحابه ، ثم سرت في كيانه الذاوي خفقة روح حين صدر الأمر بالعفو عن المنفيين من زعماء الثورة العرابية ، فرجع إلى مصر سنة 1900 واستقبلها بقصيدته المشهورة :
أبابل مرأى العين ، أم هذه مصر ؟
فإني أرى فيها عيونًا هي السحر
ولكن المنية لم تمهله طويلاً ، فأسلم الروح في شهر ديسمبر سنة 1904 .
صفاته وأخلاقه :
كان البارودي الشاعر الفارس في مستهل حياته طموحًا ، ولعل طموحه هو الذي زهده في الملذات المادية الرخيصة التي كانت تلهي الشباب من لداته وأصحابه ، يقول عن نفسه :
لهج بالحروب ، لا يألف الخفـ
ض ، ولا يصحب الفتاة الرداحا
مسعر للوغى ، أخو غدوات
تجعل الأرض مأتمًا وصياحا
لا يرى عاتبًا على شيم الدهـ
ر ولا عابثًا ، ولا مزاحا
يفعل الفعلة التي تبهر النا
س ، وترنو لها العيون طماحا
ويقول :
إذا لم يكن إلا المعيشة مطلب
فكل زهيد يمسك النفس جابر
من العار أن يرضى الدنية ماجد
ويقبل مكذوب المنى وهو صاغر
كما يقول :
إذا لم أعط المكارم حقها
فلا عزني خال ، ولا ضمني أب
خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة
عليا يدًا أغضي لها حين يغضب
وكثيرًا ما كان البارودي يزهو في شعره بشجاعته وجرأته ، ويفخر بصراحته في قول الحق وبغضه للنفاق كقوله :
أنا لا أقر على القبيح مهابة
إن القرار على القبيح نفاق
قلبي على ثقة ، ونفسي حرة
تأبى الدنى ، وصارمي ذلاق
فعلام يخشى المرء فرقة روحه ؟
أوليس عاقبة الحياة فراق ؟
لا خير في عيش الجبان يحوطه
من جانبيه الذل والإملاق
عابوا علىَّ حميتي ونكايتي
والنار ليس يعيبها الإحراق
وإذا كانت التجارب قد علمته أن الصراحة ومواجهة الناس بعيوبهم تجلب له كثيرًا من المتاعب والمصاعب ، نصح سواه أن يكون حذرًا ، لا يندفع في صداقاته وعداواته ، يقول :
ودار الذي ترجو وتخشى وداده !
وكن من مودات القلوب على حذر
آثاره ومذهبه الشعري :
خلف البارودي لنا ديوانًا ضخمًا من الشعر ، عكف على تنسيقه وترتيبه ومراجعته وشرح غريبه والتعليق عليه قبل وفاته ، وقامت السيدة / زوجته (الثانية) بالإنفاق على طبعه ، ولكن وفقًا لمعلوماتي لم يطبع منه أول الأمر إلا جزءان انتهيا إلى أول قافية الميم ، ثم فكرت وزارة التربية والتعليم المصرية في طبعه ، فصدر من هذه الطبعة جزءان آخران انتهيا إلى قافية الكاف ، ولا تزال بقية شعره في حاجة إلى الطبع والنشر .
البارودي فارسنا المهزوم وفن المختارات
وإذا كان للبارودي ديوان شعري كبير ، يعد فيه بحق أول من حمل لواء النهضة الشعرية المعاصرة ، ونفض به الغبار الذي تراكم على الشعر العربي مدى ألف سنة تقريباً ، والواقع أنه كان معلم نفسه ، حيث هدته فطرته إلى خير ما يحفظ ، وتدل مختاراته التي طبعت بعنوان : (مختارات البارودي ) على ذلك ، حتى تعد مرجعاً لكل شداة الشعر في مختلف العصور ، وهذه المختارات نشرها وعني بتصحيحها الأستاذ / ياقوت المرسي ، وهو آخر من كتب للبارودي ، وصدرت طبعتها الأولى بالقاهرة سنة 1327 هـ ، عن مطبعة الجريدة بسراي البارودي ، في أربعة مجلدات ، مع مقدمة .
والمختارات مرتبة على سبعة أبواب هي : الأدب ، والمديح ، والرثاء ، والصفات ، والنسيب (الغزل) ، والهجاء ، والزهد ، تقاسمها ثلاثون شاعراً ، وكما ذكر في المقدمة ، أنهم من فحول المولدين ، وأشهر هؤلاء : بشار بن برد ، وأبو نواس ، والبحتري ، وابن الرومي ، وابن المعتز ، والمتنبي ، والشريف الرضي ، والمعري ، والأبيوري ، وسبط بن التعاويذي .
وكان ابن الرومي أكثر من نظر البارودي في شعره ، حيث جمع له 3732 بيتاً ، يليه البحتري ، وقد اختار له 3297 بيتاً ، فسبط التعاويذي (أبو الفتح محمد بن عبد الله ) ، وقد جمع له 2789 بيتاً في مختلف الموضوعات ، وإذا أضفنا إلى ذلك أن بشاراً يجيء أخرهم مع أنه يستفتح به كل باب من أبواب المختارات السبعة ، وقد بلغ مجموع ما اختاره له 218 بيتاً ، ويتقدمه الشاعر المتمرد / ابن عنين ، وهو دونه درجة .
ولعلنا نلاحظ أن البارودي لم يتأثر بشاعر عربي قديم معين ، وبإجماع النقاد لا يقدم شاعر عربي على آخر ، حيث أنه كان يحتكم إلى ذوقه الخاص ، ومختارات البارودي بما فيها من شروح وتعريفات وتعليقات أدبية مفيدة ، تمثل آخر حلقة من حلقات المجموعات الشعرية التي تربينا عليها منذ القديم وعرفت بالحماسة ، مثل : حماسة أبي تمام ، وحماسة البحتري ، وحماسة الخالدين ، بالإضافة إلى مختارات المفضل الضبي (المفضليات) ، ومختارات الشجري إلخ ..
ليتنا نعود إلى دراسة رواد شعرنا العربي الحديث دراسة جادة واعية ، وكذلك مواصلة فن المختارات الشعرية القيمة ، إذا كنا نريد لأجيالنا الصاعدة أن ترتقي بذوقها وبلغتها .
أعود لأقول لك : إن رب السيف والقلم / محمود سامي البارودي تأثر في شعره بما حفظ ووعى وتذوق من أشعار العرب الأقدمين في عز الفصحى ، فترسم مذهبهم الشعري ، وجاء شعره كما وصفه : ” ليس فيه شيء من تعقيد الفكرة ، ولا من القضايا المنطقية ، والمعاني المتوغلة في العمق والآراء الفلسفية . ” .
وفي رأي البارودي أن وظيفة الشعر هي ” تهذيب النفوس وتدريب الأفهام ، وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق ” ، والشعر عنده أيضًا : ” ومضات تلمع في سماء الخيال ” ، وهذه الومضات الخيالية تألقت في شعر البارودي رائد مدرسة الإحياء والبعث العربية أو فلنقل رائد الكلاسيكية الجديدة ، تألقت ولاحت في أفق إلهامه دون أن يعمد إلى صياغتها قصة محبوكة الأطراف ، أو يوغل بها في خيال ممتد طويل في ملحمة من الملاحم ، أو مسرحية من المسرحيات تتابع حوادثها .
لقد رأى البارودي أن الشعر الجيد يتميز بوضوح معانيه ، وحُسن تأليف عبارته ، وهذه كلها صفات الشعر الغنائي كما فهمها العرب ، وقد التزم البارودي هذا المذهب في ديوانه ، ولم يخرج عنه إلا نادرًا .
كان البارودي يتخير الألفاظ المناسبة للمعاني ، فيرق ويلطف في مقام الرقة واللطف ، كأن يتغزل ، أو يعتب ، أو يصف منظرًا أو مشهدًا جميلاً ، أو مجلس أنس وسمر ، ويجزل شعره ، ويجلجل لفظه ، ويشتد أثره ، حين ينشد في الحماسة والفخر ، وحين يصف البحر الهائج ، والريح الزفوف ، والحرب الضروس ، يقول :
إذا اشتد أورى زندة الحرب لفظه
وإن رق أزرى بالعقود فريده
إذا ما تلاه منشد في مقامة
كفى القوم ترجيع الغناء نشيده
لقد ابتدأ البارودي حياته الشعرية مقلدًا لأسلوب القصيدة العربية ، كما كان الجاهليون يفعلون ، بالوقوف على الأطلال ، وبكاء الديار ، وتذكر المحبوبة الظاعنة ، يقول :
ألا حىِّ من أسماء رسما المنازل
وإن هي لم ترجع بيانًا لسائل
خلاء تعفتها الروامس والتقت
عليها أهاضيب الغيوم الحوافل
فلأيًا عرفت الدار بعد ترسم
أراني بها ما كان بالأمس شاغلي
ولكنه عدل عن هذا المذهب وهو ابتداء القصائد بالوقوف على الأطلال في كثير من قصائده ، إلا أن يدعو إليه الموقف الشعري ، كوقوفه على أطلال عالمه الذي انهار ، وبكائه الديار التي فارقها .
كذلك قال الشعر في أغراض طرقها القدماء : كالرثاء ، والمدح ، والفخر ، لكنه فيها جميعًا كان يصدر عن معاناة وجدانية صادقة ، ولم يكن قط لسان حاكم أو داعية أمير أو بوق سلطان أو حامل مباخر من في يدهم الحل والعقد ، ولا اتخذ من شعره بضاعة يبيعها لذوي الأمر والنهي ، على نحو ما كان يفعل الشعراء الذين اتخذوا الشعر حرفة ومرتزقًا من قبله ومن بعده .
ففي الرثاء : لم يرث البارودي إلا الأصدقاء وذوي قرباه ، وهو في رثائه صادق الشعور ، مستثار الحزن ، يبكي فقيده متوجعًا شاكيًا ، يرثي شمائله وفضائله ، ويعزي فيه أحبابه وأهله ، وكثيرًا ما يتأسى ببعض الحكم دون أن يلجأ إلى اكتناه سر الموت ، والتفلسف فيه ، كما ظهر عند أحمد شوقي فيما بعد ، وزاد في عاطفة رثائه وحرارتها أن معظم مراثيه قالها وهو في منفاه بعيدًا عن أهله وإخوانه .
ومن أروع مراثيه تلك التي قالها في ابنه (علي) ، ومنها :
كيف طوتك المنون يا ولدي؟
وكيف أودعتك الثرى بيدي ؟
وا كبدي يا عليُّ بعدك لو
كانت تبلُّ الغليل وا كبدي
فقدك شل العظام مني ور
دَّ عني الصبر ، وفت في عضدي
ومن مرثيته لزوجته ، وقد قالها في منفاه :
يا دهر فيم فجعتني بحليلة
كانت خلاصة عُدتي وعتادي ؟
إن كنت لم ترحم ضنايَ لبعدها
أفلا رحمت من الأسى أولادي ؟
أفردتهنَّ فلم ينمن توجعًا
قرحى العيون ، رواجف الأكباد
لو كان هذا الدهر يقبل فدية
بالنفس عنكِ لكنت أول فادي
أو كان يرهب صولة من فاتك
لفعلت فعل الحارث بن عباد
لكنها الأقدار ليس بناجع
فيها سوى التسليم والإخلاد
وفي المديح : نظم قصائد قليلة في ولاة مصر عن إخلاص وصدق ، ولم ينس في مديحه مصر ، وموقف الوالي منها ، بل كان يسدي إليه النصيحة ، ويستطرد إلى مدح نظام الشورى ، ووجوب الأخذ به ، وكان مدحه حثًا على مكرمة أو شكرًا على نعمة أسديت له ، لا تملقًا أو طلبًا لعطاء ، كما كان يفعل الكثير من شعراء العربية في الماضي (والحاضر أيضًا ) ، فيقول للخديوي / إسماعيل مثلاً :
فاسمع مقالة صادق لم ينتسب
لسواك في أدب ولا تهذيب
أو ليته خيرًا ، فقام بشكره
والشكر للإحسان خير ضريب
ينبيك ظاهره بود ضميره
والوجه وسمة مخلص ومريب
وكما نرى فإن مديح البارودي جاء خاليًا من الغلو والمبالغة والنفاق الرخيص ، وإن كان أكثر معانيه في المديح مما ورد في الشعر القديم .
وافتخر البارودي على عادة الشعراء الفرسان ، وقد وردت له في الفخر مبالغات مسرفة ، ولكنها مقبولة من رب السيف والقلم ورائد مسيرة الإحياء والبعث في شعرنا العربي .
وقال كذلك في الحكمة ، وأكثر منها على عادة كبار الشعراء في الأدب العربي ، وله فيها أبيات مشهورة ، كقوله :
ومن تكن العلياء همة نفسه
فكل الذي يلقاه فيها محبب
وقوله :
إذا ساء صنع المرء ساءت حياته
فما لصروف الدهر يوسعها سبًا
وقال كذلك في الزهد ، ومدح الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ، والهجاء الشخصي .. وغيرها من الأغراض القديمة ..
على أن البارودي لم يكن صدى للقدماء في كل ما قاله من الشعر (كما يحلو للبعض من غير أهل الاختصاص أن يرددوا) ، بل جدد في بعض أغراضه حين استقلت شخصيته عنهم .
واتضحت هذه الشخصية ممثلة في عصرها وحياة صاحبها ، فقد عرفنا أن البارودي ذاق حلو الزمان ومره ، وأنه صور حياته النفسية في كل أطوارها بصدق وإخلاص .
ويتضح تجديده في التعبير عن شعوره ومشاهداته ، والباحث المتمعن يرى بجلاء أن للرجل معان جديدة ، وصور طريفة لم يسبقه أحد إليها ، وقد عني بالوصف عناية فائقة ، وأفرد له قصائد بعينها ، والوصف من الأغراض الشعرية القديمة ، ولكنه كثيرًا ما كان يأتي عرضًا في ثنايا القصائد .
كان البارودي مفتونًا بالطبيعة الأم ، يرى في كل سطر من سطورها شعرًا خالدًا أو آية من آيات الجمال ، يترنم بها ، ويترجمها للناس ، حتى يشاركوه متعته بها ، وانفعاله بجمالها : يصف الليلة العاصفة المطيرة ، فيجعلك تحس معه هزيم الرعد ، وعزف الريح ، وهطول المطر وشدته .
وأغرم الرجل بريفنا المصري غرامًا شديدًا ، وله فيه قصائد كثيرة منها أُرجوزته (لاميته) التي يقول فيها :
عم الحيا ، واستنت الجداول
وفاضت الغدران والمناهل
وازينت بنورها الخمائل
وغردت في أيكها البلابل
وشمل البقاع خير شامل
فصفحة الأرض نبات خائل
ويقول البارودي في وصف النخيل :
والباسقات الشمخ الحوامل
مشمورة عن ساقها الذلاذل
ملوية في جيدها العثاكل
معقودة في رأسها الفلائل
البسر فيها قانئ وناصل
مخضب كأنه الأنامل
كأنه من ذهب قنادل
من العراجين لها سلاسل
وبرع البارودي في وصف الحصان والسيف والمعارك والأشخاص ، وأدوات الحضارة والآثار ، وكان ذا حساسية مرهفة ، حتى لا يعد من أكثر شعراء العربية وصفًا ، حيث وصف غابات (كريت) و (سيلان) ,غيرها ، ووصف السجن وما لاقى فيه ، فقال :
فسواد الليل ما إن ينقضي
وبياض الصبح ما إن ينتظر
لا أنيس يسمع الشكوى ، ولا
خبر يأتي ، وطيف يمر
بين حيطان وباب موصد
كلما حركه السجان صرّ
يتمشى دونه حتى إذا
لحقته نبأة مني استقر
كلما درت لأقضي حاجة
قالت الظلماء : مهلاً لا تدر
أتقرى الشيء أبغيه فلا
أجد الشيء ولا نفسي تقرّ
ظلمة ما إن بها من كوكب
غير أنفاس ترامى بالشرر
أقول لك والحق يقال : إن وصف البارودي للطبيعة بخاصة لا يشعرك بأنه يندمج معها حق الاندماج ، ويضفي عليها الحياة ، بل يقتصر على تصويرها في خطوط سريعة ، ومعان قريبة ، وخيال دان لا إغراب فيه ولا شرود ، واهتم شاعرنا الكبير بوصف المحسوسات والظواهر المرئية ، دون أن يوغل في النفاذ إلى الأعماق ، ولكننا إذا قسنا شعره الوصفي بشعر العصر العثماني قد ألفيناه قد أضاف إلى تصوير الظواهر والمحسوسات انفعاله الصادق بما يصف .
ومن الموضوعات التي جدد فيها رب السيف والقلم الشعر السياسي ، فظهر فيه ذا نفس أبية متمردة على الظلم والطغيان ، محبة للعدالة والمساواة بين الناس ، و به ارتفع إلى مركز الصدارة في قومه زعيمًا وقائدًا وجدانيًا ، وقد خاض الثورة بشعره كما خاضها بسيفه .
لقد صور سوء حال الشعب المصري ، وأنكر فساد الأوضاع ، وحض على الثورة حينًا ، ونصح الثوار أحيانًا ، ووصف تخاذلهم وحرضهم على الثبات ، فلما لحقت الهزيمة بالثورة خيانة وغدرًا ، وسيق إلى منفاه ، ظل هناك يلتفت إلى مصر بكل وجدانه ، ويعجب كل العجب لنفيه وتشريده وعدم الاهتمام به وهو لم يقترف اسمًا أو جريرة ، وإنما جاهد لخدمة وطنه ، يقول البارودي :
ومن عجائب ما لاقيت من زمني
أن منيت بخطب أمره عجب
لم أقترف زلة تقضي عليّ بما
أصبحت فيه ، فماذا الويل والحرب ؟
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني
ذنب أدان به ظلمًا وأغترب ؟
لقد صهرت المحنة الرجل ، فجاء شعره في الحنين إلى الوطن الأم مثيرًا حافلاً بالشوق والشجن ، يقول :
فيا مصر مد الله ظلك ، وارتوى
ثراك بسلسال من النيل دافق
ولا برحت تمتار منك يد الصدى
أريجًا يداوي عرفه كل ناشق
فأنت حمى قومي ، ومشعب أسرتي
وملعب أترابي ، ومجرى سوابقي
بلاد بها حل الشباب تمائمي
وناط نجاد المشرفي بعاتقي
تركت بها أهلاً كرامًا ، وجيرة
لهم جيرة تعتادني كل شارق
هجرت لذيذ العيش بعد فراقهم
وودعت ريعان الشباب الغرانق
وصور البارودي مفاسد العهد البائد ، وإسراف إسماعيل ، وإرهاقه الناس بالضرائب ، حتى تركوا مزارعهم وتجارتهم ، وأصبحوا في قلق واضطراب ، يقول :
تنكرت مصر بعد العرف واضطربت
قواعد الملك ، حتى ريع طائره
وأهمل الأرض جرًا الظلم حارسها
واسترجع المال خوف العدم تاجره
واستحكم الهول حتى ما يبيت فتى
في جوشن الليل إلا وهو ساهره
نقول لك : لقد جدد البارودي كذلك في غزله ، فلم تعد المرأة لديه مجرد دنيا يلهو بها ، ويتفنن في وصف جمالها الحسي ، كما لم يعد الحب عنده متعة جسدية يصورها في عري وابتذال ، بل سمت نظرته إليه ، والتمس فيه متعة الروح ونعيم القلب ، ومجد أثره السحري في تهذيب النفس ، يقول :
والعشق مكرمة إذا عف الفتى
عما يهيم به الغوي الأصور
يقوي به قلب الجبان ، ويرعوي
طمع الحريص ، ويخضع المتكبر
ويجدر بالذكر هنا أن شاعرنا قد فطن إلى الجمال المعنوي ، وراء الظاهر المادي المبذول ، فقال :
لطيفة مجرى الروح ، لو أنها مشت
على ساريات الذرِّ ما آده الحمل
وبرع البارودي كذلك في الهجاء الاجتماعي ، يجسم به عيبًا من عيوب المجتمع ، ويصوره في أبشع صوره رغبة صادقة منه في الصلاح والإصلاح ، فينعي على قومه النفاق ، وشيوع الظلم ، والغدر ، والجشع ، والحرص على الحياة ، فكان بذلك طليعة تطور نقل الهجاء من السباب المفحش الذي يتناول الشئون الخاصة إلى نقد اجتماعي عام ، هدفه البناء وإعلاء القيم الجميلة المحترمة
البارودي بين القديم والجديد :
يعد البارودي باعث نهضة الشعر في العصر الحديث ، لأنه بث فيه الروح بعد أن خنقته عصور الانحطاط والتخلف والتفاهة و الركاكة والتقليد الممل ، رد البارودي إلى شعرنا العربي ما أبلت القرون من حيويته ، وأعاده إلى عزه القديم ، ووصله بعهد الفحول الكبار من الشعراء العباسيين بفصاحة عبارته ، ومتانة قوافيه ، وخلصه من تلك القيود والأغلال التي كان يرسف فيها إبان عصور الضعف ، من حلى لفظية ومعنوية يختفي وراءها المعنى الغث ، والفكرة 0المبتذلة ، وجدد في كثير من أغراض شعره على غير مثال سبقه من معاصريه ، واستحدث نماذج لمن أتى بعده من الشعراء في أبواب : الوصف ، والشعر السياسي ، والهجاء الاجتماعي ، والرثاء ، والمديح .
كان رجلنا يقول الشعر عن معاناة عاطفية حقيقية صادقة ، ويؤمن بأن الشاعر في أمته يحمل أمانة القيادة الوجدانية فيها ، معبرًا عن همومها وأمالها ، ومستشرفًا إلى بعيد الغايات .
أنت معي في أن شعرنا الحديث يدين إلى البارودي ، فهو الذي عبر به مهاوي الظلمة والانحطاط التي تردى فيها قبله ، وارتفع به عن التكسب والابتذال ، ووسع من أفقه خارجًا به من نطاق الذاتية الفردية إلى الذاتية الجماعية ، فالشعر إذا لم يعبر عن المجتمع وعن الناس ، فلا صفة به .
لقد كان البارودي في عصره مجددًا ، حتى في محاكاته لفحول الشعراء القدامى ، ومعارضته لهم ، سار على نهجهم في الصياغة والبيان ، ولكنه ظل متصلاً بعالمه النفسي ، منفعلاً بتجربته ومعاناته ، محتفظًا بطابع أصالته ، وكان أثر رب السيف والقلم واضحًا فيمن أتى بعده من شعراء العربية .
ونؤكد هنا على أن مدرسة البارودي مدرسة شعرية تتميز برصانة التعبير وإحكام الصياغة ، وفصاحة الألفاظ ، ووضوح المعنى والصورة ، والمحافظة على النسق التقليدي للقصيدة العربية ، مع اتصال بأحداث العصر واستجابة لمطالب البيئة ، ومشاركة في قضايا الأمة والمجتمع .
وأحب أن أقول لك قبل أن أتركك : إن ( شكيب أرسلان ) أمير البيان ، ذلك الرجل الدرزي الشامي ، الذي كان من أمراء جبل الدروز ، وهو عربي القلب واللسان ، ومن كبار المدافعين عن العروبة في العصر الحديث ، ومن أكابر المثقفين العرب الذين تنساهم الأجيال الجديدة بكل أسف ، هذا الرجل لقب محمود سامي البارودي بأمير الشعراء قبل شوقي ، ثم اعترف بعد ذلك بأن ( شوقي ) هو أمير الشعراء .
كان شكيب أرسلان يعتبر البارودي أمير الشعراء ، واتخذه أستاذًًا وإمامًا ولكنه عرف ( أحمد شوقي ) بعد ذلك ، وبايعه بإمارة الشعر ، واقترح عليه أن يجمع شعره في ديوان ويسميه الشوقيات ، وتلك قصة طويلة نأمل أن نكتبها إذا كان في العمر بقية .

بعض الأسانيد والمراجع:
ـ إبراهيم رضوان ، شعراء العرب المعاصرون ، القاهرة ، 1958
ـ أنيس الخوري المقدسي ، الاتجاهات الأدبية ، بيروت ، 1963 .
ـ حبيب زحلاوي ، أدباء معاصرون ، بيروت ، 1935
ـ شوقي ضيف ، الأدب العربي المعاصر في مصر ، القاهرة ، 1961
ـ عز الدين إسماعيل ، الأدب وفنونه ، القاهرة ، 1958
ـ عمر الدسوقي ، محمود سامي البارودي ، سلسلة نوابغ الفكر ، دار المعارف ، القاهرة ، بدون تاريخ
ـ محمد حسين هيكل ، تقديم ديوان محمود سامي البارودي ، طبعة دار الكتب المصرية ، القاهرة ، 1940
ـ مختار الوكيل ، رواد الشعر الحديث ، القاهرة ، 1934
ـ عباس محمود العقاد ، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ، دار المعارف ، القاهرة ، 1965 عرض أقل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.