28 أبريل 1912..عندما تم تعيين ليوطي مقيما عاما بالمغرب..

الليوطي و المولاي عبد الحفيظ

28 أبريل 1912..عندما تم تعيين ليوطي مقيما عاما بالمغرب..

في 28 أبريل من سنة 1912، عينت فرنسا لوي هوبير غونزالف ليوطي كأول مقيم عام لها بالمغرب، وذلك بعد أسابيع قليلة من التوقيع على معاهدة الحماية بفاس، واستمر ليوطي في مهمته بالمغرب إلى حدود سنة 1925، حيث عاد إلى بلاده بعدما تمت ترقيته سنة 1921 إلى رتبة مارشال التي تعتبر الأعلى في الجندية الفرنسية على الإطلاق.

في 28 ابريل من سنة 1912، باشر الجنرال ليوطي (ازداد في 17 نونبر 1854 وتوفي يوم 27 يوليوز 1934) مهامه كأول مقيم عام فرنسي في المغرب. وجاء ليوطي إلى المغرب بعد سنوات قضاها في مدغشقر ثم وهران بالجزائر، ليمارس مهام المقيم العام لـ 14 سنة كاملة. وهي أطول فترة قضاها مقيم عام فرنسي بالمغرب.

وعندما وصل ليوطي إلى عاصمة المغرب آنذاك فاس، اصطدم فورا بثورات القبائل التي حاصرت المدينة احتجاجا ضد توقيع معاهدة الحماية.

وبعد يومه الأول في المدينة كتب إلى شقيقته بحسب ما أوردت مجلة “زمان” قائلا “وصلت إلى هنا (فاس) أمس، ثم التقيت بالسلطان. في المساء، تعرضت المدينة لهجوم هائل من شرقها وشمالها. صددنا المهاجمين بحلول ظهر اليوم الموالي، بعد أكثر من 12 ساعة من المقاومة الشرسة، تسللوا خلالها إلى داخل المدينة، فاضطررنا إلى حرب الشوارع، ومطاردتهم خطوة خطوة، دارا بدار. كانت خسائرنا كبيرة جدا”.

وبعد أشهر من تواجده في المغرب كتب رسالة أخرى إلى الكونت ألبير دومان عضو البرلمان الفرنسي، يشرح فيها خطته لاحتلال المغرب قائلا “لو أمدتني فرنسا بمائة ألف جندي لن يجدي الأمر شيئا، ستجمد حركتهم. هذه البلاد لا يمكن معالجتها بالقوة فقط. الطريقة المعقولة، والوحيدة، والأنسب، والتي أرسلتني فرنسا من أجلها، أنا وليس شخصا آخر غيري، هي اللعب الدائم على حبلي السياسة والقوة”.

السياسة الإسلامية لليوطي

بعد تحليله للوضع المغربي قرر ليوطي اعتماد “سياسة إسلامية” من أجل إحكام قبضته على البلاد، واعتمدت سياسة المقيم العام الفرنسي بحسب ما يورد المؤرخ المغربي جامع بيضا في مقال له على مبدأ التوقير والاحترام، تجاه كل ما يتعلق بـ”الأهالي”: ديانتهم، عاداتهم المحلية، مؤسسات حكمهم، ومؤسساتهم الاجتماعية التقليدية٬ من قضاء وأحباس وتعليم. وكان الهدف من ذلك أن “لا يشعروا بأنهم يعيشون٬ مع الوجود الفرنسي”.

وهكذا فقد منع ليوطي المغاربة من ولوج الحانات، و أمر بتجريم “السكر العلني”، ومنع غير المسلمين من دخول المساجد، وحظر التبشير…

وفي تعليق منه على “السياسة الإسلامية” التي انتهجها في المغرب قال الجنرال ليوطي بحسب ما أورده الباحث دانيال ريفي Daniel Rivet صاحب كتاب “ليوطي ومؤسسة الحماية الفرنسية بالمغرب”، (قال) “لم أتمكن حتى الآن من إحكام القبضة على المغرب، إلا بفضل سياستي الإسلامية. إني متأكد من جدواها، وأطلب بإلحاح ألا يفسد علي أحد لعبتي”.

أتت سياسة ليوطي أكلها، ويتحدث بعض المؤرخين بحسب مقال منشور في مجلة الآن عدد 6 إلى 12 أبريل 2012، كيف ارتفعت الدعوات من على منابر المساجد بالشفاء لليوطي بعد إصابته بالتهاب كبدي سنة 1923، بل شاع بين المغاربة حينها أن المقيم العام اعتنق الاسلام.

لم يتوقف ليوطي عند هذا الحد، فقد نجح بفضل سياسته الإسلامية في تجنيد العلماء، الكبار منهم خصوصا، أمثال أحمد بن المواز وأبي شعيب الدكالي وعلماء من مراكش، واستصدر منهم فتاوى تبيح اصطفاف المغاربة مع فرنسا في الحرب العالمية الأولى، علما أنهم سيقاتلون خلال هذه الحرب دولة إسلامية، هي الدولة العثمانية.

وتم تحت إمرته إخضاع السهول الأطلسية وجبال الأطلس المتوسط وتمت المواجهة ضد قبائل الريف. كما أنه كان يروج أفكار فرنسا التي ترى أن هذه الأعمال العسكرية تدخل في إطار سياسة التهدئة أي أنها ليست عملية غزو بل إخضاع لقبائل متمردة على السلطان.

وبذلك يكون قد نجح في اعتماد سياسة جنبت فرنسا كثيرا من الخسائر البشرية والمادية عن طريق استمالته لكبار رجال الدين والقواد الذين أطلق أيديهم في مناطق شاسعة وسمح لهم باستغلالها حسب أهوائهم شريطة ضمان الأمن داخلها.

وبعد انتهاء مهتمه على رأس الإقامة العامة، عاد ليوطي إلى فرنسا، لكن الحنين ظل يشده إلى المملكة الشريفة. عندها، رسم ليوطي مخططا لضريحه وأوصى بدفنه في المغرب، وأن تكتب على قبره بحسب ما أوردت مجلة “الآن” في مقالها العبارة التالية: “هنا يرقد لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام لفرنسا في المغرب، المتوفى في رحم الديانة الكاثوليكية التي حصل، في إطار إيمانه العميق بها، على آخر الأسرار المسيحية، والذي كان يحترم بعمق تقاليد الأسلاف والدين الإسلامي الذي حافظ عليه ومارسه سكان المغرب، حيث أراد أن يرقد، بين رحابهم، في هذه الأرض التي أحبها بشدة”.

ليوطي والعاصمة والعلم

بعد نجاح الجنرال ليوطي في دفع السلطان مولاي حفيظ إلى الاستقالة (1908-1912) وتعويضه بأخيه مولاي يوسف (1912-1927) دفع هذا الأخير بحسب ما يشير بعض المؤرخين إلى توقيع ظهير متعلق بالعلم المغربي في 17 نونبر من سنة 1915، وجاء في الظهير “بسبب النماء الذي تعرفه المملكة الشريفة وبإشعاعها ومن أجل إعطائها رمزا يميزها بين الأمم الأخرى ولكي لا يكون خلط بينه وبين الأعلام التي أبدعها أسلافنا والتي تعتمدها البحرية قررنا تمييز علمنا بتزيينه في الوسط بخاتم سليمان ذو خمس فروع باللون الأخضر”.

ومن ذلك التاريخ تم اعتماد علم للمغرب وهو العلم المكون من لواء أحمر تتوسطه نجمة خماسية متشابكة خضراء.

وإضافة إلى العلم المغربي كان للجنرال ليوطي دور أساسي في نقل عاصمة المغرب من فاس إلى الرباط. فبعدما كانت مدينة الرباط مهملة وشبه مهجورة، قرر المقيم العام الفرنسي انتشالها من براثن النسيان، واختارها عاصمة للبلاد.

ولم يكن اختيار الرباط عاصمة جديدة للدولة المغربية اعتباطيا، فقد أراد ليوطي من وراء ذلك تهميش مدينة فاس التي تحمل رصيدا تاريخيا وشرعية رمزية، وهي المدينة التي كانت تشهد احتجاجات تتخذ في عدة أحايين طابعا عنيفا ضد المستعمر الفرنسي.

كما أراد ليوطي من وراء قراره إبعاد السلطان المغربي عن تإثيرات رفض سكان فاس لسلطات الحماية.

وهكذا فقد تم استقدام السلطان مولاي يوسف إلى العاصمة الرباط، حيث تم اختيار منطقة تواركة لبناء القصر الملكي، كما أمر ليوطي معمارييه ببناء مختلف الإدارات المركزية المدنية والعسكرية والقضائية…

ورغم نهاية عهد الحماية ورحيل ليوطي عن البلاد، إلا أن قراراته واختياراته بقيت صامدة في وجه الزمن، وكتب لها الاستمرار إلى اليوم، فقوانينه “الإسلامية” مثل تلك التي تنص على تجريم الإفطار العلني خلال شهر رمضان، أو منع بيع الخمور للمسلمين، مازالت معتمدة إلى اليوم، كما أن العلم المغربي لا يزال هو نفسه، فضلا أن الرباط شهدت بعد الاستقلال بناء العديد من المرافق التي حولتها إلى عاصمة عصرية للبلاد.

يوسف الدحماني/يابلادي.كوم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.