قراءة ل (ق ق ج) : “برودة منعشة” للقاصة هدى إبراهيم أمون / سورية
القاصة هدى إبراهيم أمون من بين القاصات السوريات المهتمات باليومي المعيشي، بمعنى أنّ يراعها لا يحلق بعيداً عن المُعتاد، والاجتماعي بخاصّة. ومن ذلك هذا النّص: ” برودة منعشة
رضيت بعيشٍ بسيط، كانت آمالها معلقة على جدران أحلامها بعيدة المنال، إلى أن طفح كيل صبرها،ثارَ خنوعها على مَن أنشب مخالبه في عنق أعصابها، نمت أنيابها، مزَّقت أصابعه، دمَّرته.
لحظة تنفيذ الحكم ضدها استرخت، طلبت آيس كريم.”
***
ــ العنــوان: عبارة عن جملة اسمية مسند إليه ومسند، والجملة الاسمية أصلا تدلّ على الثّبات والدّوام واستقرار المعنى دون تقيد بزمن معين.
البرودة ( cold.) لها عدّة معان حسب التّوظيف والسّياق منها:برودة الجو، برود العلاقة وإصابتها بفتور وجفاء، برودة جِنْسيّة: فتور لدى:( الرَّجل أو المرأة)، برودةُ هِمَّة: التَّقاعس وفتور العزيمة..
منعشة: (Refreshing) بمعنى: طري، طازج، رطب، بارد، ممتع.. كقولنا أزهار صفراء منعشة، أو وجبة خفيفة منعشة في الصّيف. أصبحت الغرفة منعشة ونقية …
فإذا اجتمعت الكلمتان: برودة منعشة، أصبح المعنى ، الاستمتاع والارتياح لبرودة ما.
ــ مقاطع النّص:
النص في ثلاثة أسطر..و هذا أدنى وأجمل ما يمكن في القصر. يتكون من ثلاثة مقاطع:
المقطع الأول:[ رضيت بعيشٍ بسيط، كانت آمالها معلقة على جدران أحلامها بعيدة المنال، إلى أن طفح كيل صبرها،]
البطلة/الزوجة، عانقت الحلم الوردي الذي تحلمه كل مقبلة على الزواج، ورضيت بعيش بسيط. أملا في أن تتغيّر الأحوال إلى الأحسن. وإيمانا بأنّ البداية أصعب بعض الشّيء ، و أنّ عليها التّحمّل و الصّبر. كانت آمالها كبيرة وطموحة، ما جعلها تكابد مَشاق وعراقيل البداية بأناة وجَلَد ومُكابدة..إلا أنّ قدرتها على التّحمّل خارت وانهارت …المقطع الثاني: [ ثارَ خنوعها على مَن أنشب مخالبه في عنق أعصابها، نمت أنيابها، مزَّقت أصابعه، دمَّرته.]
لم يكن فقدان صبرها عبثاً. فلكلّ إنسان حدّ أقصى من الصّبر لا يطيق أكثره. ولعلّ السّبب أنّ زوج البطلة لم يكن مساعدا على الصّبر. بل كان يزيد في فقدانه و اندثاره بسوء تصرفه و عنفه.. فكان لا بدّ من ردّة فعل انتقاماً للأحلام الضّائعة، و الآمال المفقودة .. ” نمت أنيابها، مزقت أصابعه، دمرته “
المقطع الثالث: [لحظة تنفيذ الحكم ضدها استرخت، طلبت آيس كريم.]
طبعا، وراء كلّ عملية إجرامية عن قصد أو عن غير قصد محاكمة. ومادامت البطلة / الزوجة أقدمت على ما أقدمت عليه عن قصد وسبق إصرار بدافع المعاناة وفقدان الصبر.. كان الحكم بحرمانها من الحياة. وأثناء لحظة تنفيذ الحكم. وكأيِّ مَحْكومٍ يُعدَم تُلَبَّى شَهيته الأخيرة. فكانت شهية البطلة،(أيس كريم).
ــ البنـــاء الفنّـــي:
ــ نحن إذا بصدد الفعل وردّة الفعل ( actionand reaction)
وخرجة مفاجئة غريبة : (استرخت، طلبت آيس كريم.)
ــ الشّخصية: في النّص شخصيتان: الزّوج والزّوجة.هيمن السّردُ بصغة الغائبة حول الزّوجة و معاناتها:( رضيت بعيشٍ بسيط، كانت آمالها معلقة ..طفح كيل صبرها، ثارَ خنوعها، نمت أنيابها..) أمّا الشّخصية الثّانية/الزّوج الذي أفسد الحياة الزّوجية بعنفه فلم تكن له إلا إشارة بضمير الغائب:ثارَ خنوعها (على مَن أنشب مخالبه في عنق أعصابها )
ــ الحدث: معاناة البطلة في رحلة زواج مضنية، خابت خلالها آمالها وأحلامها وانتهت نهاية دراماتيكية لم تكن في الحسبان.
ــ المفارقة: أحلام البطلة وصبرها لتخطي الحالَ إلى المآل. وتنكُّر الزَّوج لمتطلبات العشرة والتَّساكن والرَّحمة ..و انجذابه للعنف والقسوة..
ــ الخرجة: وإن كانت غير متوقعة بالشّكل الذي جاءت عليه..إلا أنّها كشهية أخر لحظة في العمر كانت واردة في الواقع.
ــ الأســلوب :
. هيمنة الجمل الفعلية: (رضيت..كانت.. ثار.. نمت.. مزقت.. طلبت..)
. توظيف الاستعارة المكنية في تعابير جميلة: (كانت آمالها معلقة على جدران أحلامها بعيدة المنال)، (إلى أن طفح كيل صبرها،) ( ثارَ خنوعها على مَن أنشب مخالبه في عنق أعصابها).
. الرّمز : لم يكن طلب البطلة للإيس كريم عبثاً كما قد يلاحظ.. و إنّما أرادت به القاصّة رمزاً منعشاً لما آلت إليه نفسية البطلة بعد حياة عصيبة، مُرّة ،لا تصلح للعيش الكريم..و كأنّ البطلة قد استقرّ في ذهنها أنّه لا يهمُّ الإعدام إن كان ما بعده راحة أبدية مما عانته مع زوجها..
ــ أشياء مسكوت عنها ( things unspoken)لاشك أنّه ككلّ عمل فنّي هناك أشياء
لا تذكر صراحة و لكن يترك مجال تخيلها لمخيلة المتلقي، و إن كانت الصياغة تومئ لذلك
مثلا :عدم ذكر العلاقة الرّابطة بين الشخصيتين،هل هي علاقة زوجية، أم علاقة رضائية؟
كذلك عدم الإفصاح عن عدم صبر البطلة لأنّ عبارة (نشب مخالبه في عنق أعصابها) عبارة مجازية تحتمل أصنافا من العنف المحتملة. وهكذا نلاحظ أنّ القاصّة احترمت مخيلة المتلقي، و راعت مدى ذكائه، وفسحت له المجال ليشارك في كتابة النّص..مما أفاء الله عليه من تصّور، وخيال، واستنتاج..
النّص رغم أنَّ فكرته رائجة ومُعتادة في جملة من النّصوص القصصية و الروائية. إلا أنّ معالجته بهذه الطريقة المفجعة الدراماتيكية، يعيد للذاكرة فواجع الخلافات الأسرية. التي لاتنتهي بسلام وتراض دائماً.. بل هي كالنّار في الهشيم، تأتي على الأخضرواليابس، وتدمر الأحلام، و تعبث بالأمال، وتُرْدي بالأزواج لعدم الرّحمة والتّساكن..
* مسلك *
القاصة هدى إبراهيم أمون


