مع مربي الأجيال أحمد بوكماخ

بقلم العربي بنجلون

مربي الأجيال : أحمد بوكماخ

اِلــتــقــيــت بـه ثلاثَ مرات، قبل أن يــرحــل عــنــا في 20 شتنبر 1993
وكانت المرة الأولى التي تعارفنا فيها على عتبة باب منزل العلامة عبد الله كنون، الذي كان يُجاور بــيــتَ أختي بمدينة طنجة. والراحل ظل يزور الأستاذ من حين لآخر طيلة حياته، للعلاقة الحميمية التي تربطهما سنوات طويلة، وهذا يدل على خصلة في كاتبنا، وهي وفاء التلميذ لمعلمه. فقد أبصر الأديب والمربي أحمدُ بوكماخ النور في مدينة طنجة سنة 1920 وعمل معلما في المدرسة الإسلامية، التي أسسها العلامة كنون عام 1936 لتربية الجيل على القيم والمبادئ الوطنية، ولتعليم اللغة العربية، التي كان المستعمر يعمل على تقويضها، لنشر الفُرْقة والغربة بين أبناء الوطن الواحد. فوجد كنون في الفتى بوكماخ اليد اليمنى لأداء هذه الرسالة النبيلة. ويرجع اسمُه العائلي إلى صِنْفٍ من الثوب، يسمى )الْكَمْخة( تُخاط منه قفاطينُ الحفلات، كالأعراس، لأنه غالٍ، والْكَامَخ في اللغة، يعني الشامخ والعظيم. وربما أن والده أو جده، كان تاجرا في هذا الثوب !
وكانت خطوته الأولى، هي تشييد مكتبة في المدرسة، تحمل رفوفُها أهمَّ الكتب العربية في الآداب والدين والمعرفة والعلوم. وخطوته الثانية، هي تنشيط الحركة المسرحية، إيمانا منه بأن الفن المسرحي أجدى الوسائل للتواصل، أفلا يُنْعَت بـ (أبي الفنون) ؟!..فألف العديد من النصوص المسرحية، من ضمنها : ((رسالة فاس)) و((نور من السماء)) و((فريدة بنت الحداد)) وعَرَضَها على الجمهور في قاعة مسرح (سِرْفانتيسْ) !..وخطوته الثالثة، هي تحقيق الاكتفاء الذاتي، إذا جاز التعبير، فيما يخص الكتاب المدرسي، كيلا نظل عالة على الكتاب الوافد. فقد تــفــتّــقــتْ عبقريته في 1954 عن تأليف خمسة أجزاء من سلسلة كتاب ((اِقــــرأ)) متدرِّجا من السنة الأولى ابتدائي إلى السنة الخامسة، ومستندا في تأليفه على جُذاذات دروسه، التي تُعَدّ لَبِناتٍ أساسيةً لهذه الكتب. وحاول أن يَستفيد من الكتاب الغربي والمشرقي، فجمع محاسنهما في الكتاب المغربي، من رسوم ملونة، وحروف بارزة، وتصميم جذاب، وموضوعات حديثة وحية ومسلية وواقعية، وأسلوب ملائم لكل مرحلة من المراحل العمرية للطفل.
ولم تكن نصوص السلسلة مؤلفة وموضوعة فقط، إنما أتى بعضها مترجما وملخصا من الآداب العالمية، مثل القطعة الرائعة، وهي يابانية الأصل ((الفأس الذهبية)) مِمَّا يدل على ثرائه الفكري، وقراءاته العميقة. كما أن غالبية النصوص الشعرية تعود إلى شعراء من المشرق العربي، وإنْ لم يُنْسِبْها لهم. وإغناءُ كتبه بها، دليل قوي على بحثه الجيد في بطون المؤلفات العربية والعالمية. فمثلا : قطعة ((لعبة الغِمامة)) التي تُسْتَهَــل بالبيتين التاليين :
هــــيـــا، هــــيـــا نجري جريا
غَطِّ البصرا وخُـــذِ الْحَــذَرا
وقطعة ((شمس الضحى)) :
أشرقت شمس الضُّحى في السماء في السماء
أشرقت شمس الضُّحى فـي السماء الصافـــيــة
هُما لشاعر الطفولة العربية محمد الهراوي، الذي نَظَمَ جُلَّ القصائد والأناشيد المثبتة في كتب الأطفال بالعالم العربي، وله دواوين، لم تصل إلى المغرب!..وقطعة ))ترتيب الوقت: ((
مثلَ الساعة تِكْ تَكْ تِكْ تَكْ
دَوْمـــــا أبـــــــدا رتــــــــبْ وقــتــكْ
من كتاب ))القراءة الجديدة(( الصادر عن مطبعة العرفان بلبنان سنةَ 1938 !
ولـم يــكــتــف بتألــيــف هذه السلسلة، بــل ألــف ســلاســلَ أخــرى، لا تــقــل
أهمية عن الأولى، موسومة بـ((الفصحى)) وهي موسوعة في اللغة العربية، تحتضن كل الوسائل التعبيرية، الْمُقَوِّمة للسان الطفل، من لغة وحوار وضبط الكلمة بالحركات، وقراءة وشعر وكتابة. وألف سلسلة في الرياضيات، وسلسلة للمستفيدين من التربية غير النظامية، بمعنى أن أديبنا كان يسعى إلى نشر العلم والثقافة، سواء بين المتمدرسين، أو بين المحرومين من التعليم والتربية !
كان بوكماخ مدمنا على القراءة والكتابة، لا يزجي الوقت في غيرهما، حتى أصبحا رفيقيه في الذهاب والإياب، والقعود والنهوض. ولعل أكبر دليل على أهمية عطاءاته، هو أن المدرسة المغربية لم تستغن عن مؤلفاته، بل امتد توزيعها إلى دول المغرب العربي، وما زالت لحد الآن تُعتمَد في التدريس بالعديد من المدارس المغربية الخصوصية، لأن الكتب الحالية، رغم أن مؤلفيها كثيرون، فإنها لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي ملأته كتب المؤلف الواحد بوكماخ. ويعود الفضل ـ كما يقول ـ إلى الأستاذ محمد الفاسي، الذي كان وزيرا للتربية والتعليم، وشجعه على السير في درب التأليف المدرسي، بل كتب له المقدمة المثبتة في الكتاب الأول!..وهذا ليس غريبا أن يصدُر عن الراحل محمد الفاسي، لأنه في آخر حياته، قال لي بالحرف الواحد، وكانتْ له آلة طباعة صغيرة جدا :
ـ اِسْمَعْ، يا بُنَيَّ )كنتُ حينئذ شابا(!..لا تحملْ هَمّا لطباعة كتبك، فمطبعتي بين يديك، يكفي أن تُحْضِر الورق فقط !
وليس ثمة من شك، في أن تأثير هذه الكتب في قرائها كان بليغا، فلا ننسى ما ضمّته من قصص وحوارات وأناشيد. وهنا أفتح قوسين لأحكي نادرتين. فمرة، قصد المحكمة في قضية كراء، فلما لمحه القاضي ماثلا أمامه، بادر يقول له :
ـ أهلا وسهلا بكاتبنا أحمد بوكماخ!..لقد قرأت لك في طفولتي نصوصا جميلة، مازالت عالقة بذهني، منها : ((زوزو يصطاد السمك)) !
ومرة، كان يسوق سيارته بسرعة، فأوقفه شرطي المرور، ولَمَّا قرأ اسمه في رخصة السياقة، لم يسجل عليه مخالفة، وقال له :
ـ عذرا، أستاذي، لا داعِيَ إلى السرعة ثانيةً !
فأجابه باسما :
ـ لا، لا أقبل منك ذلك!..إنْ كانتْ مخالفةً، فعلا، فسجلها عليَّ !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.