قصص قصيرة جداً للقاص حنون مجيد / العراق

القاص حنون مجيد

ق.ق.ج حنون مجيد

سجين كلّ العراق
أعادوه الينا فجراً، هزيلاً شاحب الوجه، وعلى قميصه نقط حمر.سوّى فراشه على الأرض واستلقى عليه.كان نحيفاً، يسعل كثيراً وخائفاً مذعوراً، لم يشعر حتى وهو بيننا بأمان.وجهه دقيق وأطرافه رفيعة، وعلى بعض ثوبه قطرات حمر.قررت أن أبثّ فيه روح الصمود، وأساعده على الثبات، لكنه رماني بنظرة كسيرة وأعلن عن رغبته في النوم.كان صبياً في الحادية عشرة من عمره، رجلاً في الستين،ما تزال على قميصه عوالق حمر.في لحظة أخرى كان أسرعنا على التواري عنا، هو الكائن المذعور؛ الصبي في الحادية عشرة، الشيخ في الستين.سجين كل العراق.. وعلى مدى كل العصور!
***
القيصر
اسمه سلمان، يلفّ كوفيته على رأسه بإحكام تام،كأنه يعدّ نفسه بها للتصوير،ويردّ على طلبات زبائنه بصمت وهدوء.يغلّفه سكون صارم وعزوف عن الكلام، وعلى مدار سنوات لم يسمع أحد منهضحكة نافره أو دعابة عابرة،أو حتى شكوى.جسده قُدّ من جبل وشاربه جميل،ويهابه الجميع.يغضب أحياناً إذا علّق أحد على شايه،ولا يكرر شايه عليه.لا أحد يعرف أين يسكن، ماذا يأكل، وأين ينام.كتب عنه شاعر معروف من رواد مقهاه،قصيدة بعنوان “القيصر”، وحين قرأها عليه،ظلّ صامتاً يلاحق ضرب وقعها عليه،ثم إذا مرّت لحظات،تبسط وابتسم، وقال؛تماماً ذاك هو القيصر،أما أنا فسلمان.
***
مسافة العمل
النملة الأم التي سمعت الإنذار،”يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”تسلقت الشجرة العتيقة وجعلت ترقب من هناك،حركة الطريق،ثم عادت ونادت النمل الذي اختفى؛أيها النمل اخرجوا من مساكنكم،وعودوا إلى عملكم، فسليمان وجنوده لم يظهروا،وقد لا يظهرون، ثم إن الطريق إلينا، ليس أقلّ من ستة أيام،خلق الله فيها الكون!
***
الأميرة
لأن مفصل ساقها مريض وكانت شدّته برباط،لم تكن تجاري كرات غريمتها، في الساحة الأخرى.كانت الضربات التي تتلقاها عنيفة وساحقة،وشاقة كذلك. حين انتهت المباراة، ألقت على جسدها الرطب وشاحها الشفيف، وغادرت الساحة بصمت.كانت حزينة، يغلّف حزنُها كاملَ جسدها المتناسق، الأخاذ. وكانت تجرّ خطاها الهادئة المتزنة،مثل أميرة مجروحة، مخلّفة وراءها،حزن رعاياها أمام التلفاز!
***
ترصّد
دار في فضائه المديد دورة، ثم اثنتين او ثلات متلاحقات،ثم خرّ كالعاصفة الهوجاء.قبل أن يلتقطه بمخالب كالحديد، جابهه بضربة شديدة من عصاه.كان يترصده،مذ كان يترصد أفراخ دجاجاته،راعي الدجاجات الفطين!
***
تطيّر
كان عجلاً إلى معرفة نتيجة فحصه الطبي.ولما همّ بانتعال مركبيه، وجدهما متراكبين.خفق قلبه وركبه الشؤم، فذي علامة الرحيل.لم يركب مركبيه ذين، بل استعاض عنهما بحذاء.لكنه لما عاد أعمل مقصه فيهما،ثم رمى أشلاءهما في التنور!
***
اختلاس
تنشر العزباء ملابسها على حبل غسيلها،في فضاء بيتها.من فوق الجدار بينها وبين الجيران، يتابع قط ذراعها البض،ويوتّر ذيله أو يطويه.يجاريه الجار اختلاساً،من خلف الجدار.
***
سؤال النهر
لفّت الريح الزورق، وكسرت كل مقاومة فيه،وغاصت به في لجّة الماء.في طريقه إلى القاع، كان النهر يفكر في طفل العائلة،أين سينام،وفي أيّ حضن. ذلك الذي اسمهما كان حلم خيانته مجداً مؤثلاً،ولا ثروة باذخة،لا امرأة عاشقة ولا أخرى معشوقة،إنما بضع ليرات صفر مريضات،فأخزاه الربّ الخزي الأدنى،ورفع مقام ضحيته المقام الأعلى،ذلك الذي اسمه يهوذا!
***
مع العراة
على سطح مرآة حمّامه المغطى بالبخار،وقبل أن يرتدي ملابسه، يرسم الحرف اس بالإنكليزية، ثم يرسم عليه خطاً عمودياً،وإزاء ذلك، يكتب الرقم واحد وأمامه ستة أصفار.بعد أن يرتدي ملابسه،يختفي الرقم،.ذلك لأن المرموز إليه،غالباً ما كان عارياً عن الثبات،فلا يمكث إلاّ مع العراة!

تعليق واحد

  1. موفق دائما أيها العزيز، أشد ما يشدني إلى نصوصك القصصية، شدة تمسكك بالحكي..
    هذا الحكي الذي غاب أو يكاد في معظم ما ينشر حاليا، دام لك الابداع..تحياتي..

أضف رد على admin إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.