جيرار جينيت وتأسيس نظرية السرد: المفاهيم والآليات الإجرائية

جيرار جينيت وتأسيس نظرية السرد: المفاهيم والآليات الإجرائية

جيرار جينيت وتأسيس نظرية السرد: المفاهيم والآليات الإجرائية

مقدمة

يُعدّ جيرار جينيت من أبرز النقاد والمنظرين الذين أسهموا في ترسيخ الدراسات السردية الحديثة، ولا سيما في إطار المشروع البنيوي الذي سعى إلى نقل دراسة الأدب من الانطباعية والتفسير الخارجي إلى تحليل البنى والعلاقات التي تنتظم داخل النص. وقد انشغل جينيت، بصورة خاصة، بكيفية تشكل الخطاب السردي، وبالعلاقات المعقدة التي تربط بين القصة والحكاية والخطاب، محاولًا بناء جهاز مفاهيمي يسمح بوصف الظواهر السردية وصفًا دقيقًا.

وقد تميز مشروعه بقدرته على تحويل عدد من المفاهيم التي كانت متداولة بصورة عامة في النقد إلى أدوات إجرائية قابلة للتطبيق، مثل: الزمن، والترتيب، والمدة، والتواتر، والصيغة، والصوت، والتبئير. ومن هنا أصبحت أعماله مرجعًا أساسيًا في السرديات، خصوصًا كتابه الشهير خطاب الحكاية: بحث في المنهج، الذي طبّق فيه مفاهيمه على رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست.

أولًا: جينيت والتحول نحو علم السرد

نشأت السرديات الحديثة في سياق التحولات التي عرفها النقد الأدبي في القرن العشرين، خصوصًا مع صعود البنيوية وتطور اللسانيات الحديثة. وقد استفاد جينيت من التصور البنيوي الذي ينظر إلى النص باعتباره نسقًا من العلاقات، ومن المنجزات اللسانية التي جعلت من اللغة موضوعًا للدراسة العلمية.

لكن جينيت لم يكتفِ بتطبيق البنيوية على السرد، بل أسهم في تطوير مجال أصبح يُعرف بـ السرديات Narratology، أي الدراسة النظرية والمنهجية لأشكال السرد وآلياته.

ويقوم مشروعه على التمييز بين مستويات مختلفة في العملية السردية؛ فهناك الأحداث أو المادة الحكائية، وهناك الطريقة التي تُنظم بها هذه الأحداث داخل النص، ثم هناك فعل التلفظ أو عملية إنتاج الخطاب السردي.

ومن هذا المنطلق، لا يكون السؤال السردي مجرد: ماذا حدث؟ وإنما يصبح أيضًا: كيف حُكي ما حدث؟ ومن يحكي؟ ومن أي زاوية؟ وبأي ترتيب؟

ثانيًا: القصة والحكاية والخطاب

من أهم إسهامات جينيت تمييزه بين ثلاثة مستويات:

القصة (Histoire): وهي مجموعة الأحداث التي يمكن افتراض وقوعها في العالم الحكائي، مرتبة وفق تسلسلها الزمني والمنطقي.

الحكاية (Récit): وهي الكلام أو النص الذي يعرض تلك الأحداث للقارئ، أي الشكل الذي اتخذته المادة الحكائية داخل العمل.

السرد (Narration): وهو فعل إنتاج الخطاب الحكائي، بما يتضمنه من علاقة بين السارد والمسرود له.

وبهذا التمييز ينتقل التحليل من مضمون الأحداث إلى الطريقة التي أعيد بها تشكيلها داخل الخطاب. فقد تقع الأحداث في زمن معين، لكن السارد قد يقدمها للقارئ بترتيب مختلف، أو يحذف بعضها، أو يكرر حدثًا واحدًا أكثر من مرة.

وهنا تظهر أهمية دراسة الخطاب السردي بوصفه بناءً لا مجرد وعاء للأحداث.

ثالثًا: الزمن السردي

يمثل الزمن محورًا أساسيًا في نظرية جينيت. وهو يميز بين زمن القصة وزمن الحكاية؛ فالأول يتعلق بالتسلسل الزمني للأحداث، بينما يتعلق الثاني بالطريقة التي يعرض بها النص تلك الأحداث.

وقد درس جينيت الزمن من خلال ثلاثة مستويات رئيسة:

1. الترتيب

يهتم الترتيب بالعلاقة بين ترتيب الأحداث في القصة وترتيب ظهورها في الخطاب.

وقد يبدأ النص من منتصف الأحداث، ثم يعود إلى الماضي، وهو ما يعرف بـ الاسترجاع. وقد يستبق حدثًا سيقع لاحقًا، وهو ما يعرف بـ الاستباق.

وهكذا لا يكون الزمن السردي خطيًا بالضرورة، بل يمكن أن يتحرك إلى الأمام والخلف وفق اختيارات السارد.

2. المدة

تتعلق المدة بالعلاقة بين الزمن الذي تستغرقه الأحداث في القصة والمساحة التي يمنحها لها الخطاب.

ومن مظاهرها:

– المشهد: يتقارب فيه زمن القصة وزمن السرد، كما يحدث غالبًا في الحوار.

– الإسراع أو التلخيص: تُختصر فترة طويلة في أسطر أو جمل قليلة.

– الوقفة: يتوقف الحدث بينما يستمر الخطاب، كما في الوصف.

– الحذف: تمر فترة زمنية دون أن تُروى أحداثها.

ومن خلال هذه التقنيات يتحكم السارد في إيقاع الحكاية، فيسرّع بعض المقاطع ويبطئ أخرى.

3. التواتر

يدرس التواتر العلاقة بين عدد مرات وقوع الحدث وعدد مرات روايته.

فقد يقع حدث مرة واحدة ويُروى مرة واحدة، وقد يقع مرة واحدة ويعاد سرده مرات متعددة، أو يقع عدة مرات ويُختصر في رواية واحدة.

ويكشف التواتر عن طبيعة العلاقة بين الحدث والخطاب وعن الوظائف التي يؤديها التكرار داخل النص.

رابعًا: الصيغة السردية

ينتقل جينيت بعد الزمن إلى دراسة الصيغة، أي الطريقة التي يقدم بها السارد المعلومات الحكائية.

ومن أهم القضايا المرتبطة بها قضية المسافة السردية، التي تتصل بدرجة حضور السارد في المادة التي يرويها، ومدى قرب الخطاب من كلام الشخصيات وأفكارها.

وتبرز هنا تقنيات مثل:

– السرد المباشر.

– السرد غير المباشر.

– تمثيل أفكار الشخصية.

– الحوار.

– نقل الوعي الداخلي.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف أسلوبي، بل بدرجات مختلفة من العلاقة بين السارد والشخصيات والأحداث.

خامسًا: التبئير

يُعدّ التبئير من أشهر مفاهيم جينيت وأكثرها تأثيرًا في الدراسات السردية.

والتبئير يتعلق بالسؤال:

من يرى؟

وهذا السؤال يختلف عن:

من يتكلم؟

فقد يكون السارد هو الذي يتكلم، لكنه يقدم الأحداث من منظور شخصية معينة، بحيث لا نعرف من العالم الحكائي إلا ما تعرفه تلك الشخصية.

ويميز جينيت، بصورة أساسية، بين:

التبئير الصفري

لا يكون السرد مقيدًا بمنظور شخصية محددة، ويكون السارد على معرفة تتجاوز معرفة الشخصيات.

التبئير الداخلي

تُقدَّم الأحداث من خلال وعي شخصية معينة، فتتحدد المعلومات وفق ما تعرفه أو تدركه تلك الشخصية.

التبئير الخارجي

يقتصر السرد على ما يمكن ملاحظته من الخارج، دون النفاذ إلى الحياة الداخلية للشخصيات.

وقد أسهم هذا التصنيف في تجاوز الخلط بين السارد ووجهة النظر، وهو خلط كان حاضرًا في بعض التصورات السابقة.

سادسًا: الصوت السردي

إذا كان التبئير يجيب عن سؤال من يرى؟ فإن الصوت يجيب عن سؤال من يتكلم؟

وهنا يهتم جينيت بموقع السارد وعلاقته بالقصة التي يرويها.

ويمكن أن يكون السارد:

– داخليًا أو مشاركًا في الأحداث.

– خارجيًا لا يشارك فيها.

كما يميز بين مستويات مختلفة للسرد، مثل السرد الذي يأتي من خارج الحكاية الأساسية، والسرد الذي تنتجه شخصية داخل الحكاية، وهو ما يفتح المجال أمام ظواهر مثل السرد داخل السرد والحكايات المضمنة.

وبذلك تصبح عملية السرد نفسها موضوعًا للتحليل، وليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث.

سابعًا: أهمية المنهج الجينيتي في تحليل النص السردي

تكمن أهمية مشروع جينيت في أنه منح الباحث مجموعة من المفاهيم التي تساعد على الانتقال من القراءة العامة إلى التحليل الدقيق.

فعندما نقرأ رواية أو قصة قصيرة، يمكن أن نسأل:

كيف رتبت الأحداث؟

هل استخدم الكاتب الاسترجاع أو الاستباق؟

كيف تحكم في سرعة السرد؟

أين وظّف الحذف والوقفة؟

من يتكلم؟

من يرى؟

هل السارد مشارك في الأحداث أم خارجها؟

ومن أي مستوى سردي تصدر الحكاية؟

إن هذه الأسئلة تجعل التحليل السردي أكثر ضبطًا، لأنها تتعامل مع النص بوصفه بناءً له آليات محددة.

ثامنًا: جينيت والنقد السردي المعاصر

لم يتوقف أثر جينيت عند الدراسات البنيوية، بل امتد إلى دراسات الرواية والقصة والسينما والسيرة الذاتية والخطاب الحكائي عمومًا.

وقد أصبحت مفاهيمه المتعلقة بالزمن والتبئير والصوت من المصطلحات الأساسية في الدراسات السردية، مع استمرار النقاش حول حدود النموذج البنيوي وقدرته على تفسير الجوانب التاريخية والثقافية والتداولية والتأويلية للنص.

فالسرديات المعاصرة لم تعد تنظر إلى النص باعتباره بنية مغلقة فحسب، بل توسعت لتشمل علاقته بالقارئ والسياق والثقافة والذاكرة والهوية وغيرها. ومع ذلك، ظل الجهاز المفاهيمي الذي قدمه جينيت نقطة انطلاق أساسية لكثير من هذه التطورات.

خاتمة

أسهم جيرار جينيت في إرساء دعائم السرديات الحديثة من خلال بناء جهاز مفاهيمي دقيق لتحليل الخطاب الحكائي. وقد شكل التمييز بين القصة والحكاية والسرد أساسًا لمشروعه، بينما أتاحت مفاهيم الترتيب والمدة والتواتر والصيغة والصوت والتبئير إمكانية الكشف عن الكيفية التي يُبنى بها السرد داخل النص.

وتكمن القيمة المنهجية لمشروعه في تحويل السرد من موضوع للانطباع والتذوق إلى موضوع للتحليل والوصف. ولذلك ظل جينيت حاضرًا بقوة في الدراسات النقدية الحديثة، رغم التحولات التي عرفتها السرديات بعد البنيوية.

إن أهمية جينيت لا تكمن فقط في المفاهيم التي اقترحها، وإنما في الطريقة التي أعاد بها صياغة السؤال النقدي: ليس المهم أن نعرف ماذا تحكي القصة فحسب، وإنما أن نكشف كيف صاغ الخطابُ هذا الحكي، ومن أي موقع، وبأي ترتيب، ومن خلال أي زاوية للرؤية.

مراجع

1. جيرار جينيت، خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، المجلس الأعلى للثقافة.

2. Gérard Genette, Figures III, Seuil, Paris, 1972.

3. Gérard Genette, Narrative Discourse: An Essay in Method, Cornell University Press, 1980.

4. Gérard Genette, Narrative Discourse Revisited, Cornell University Press, 1988.

5. Gérard Genette, Palimpsests: Literature in the Second Degree, University of Nebraska Press, 1997.

6. Mieke Bal, Narratology: Introduction to the Theory of Narrative, University of Toronto Press.

7. Seymour Chatman, Story and Discourse: Narrative Structure in Fiction and Film, Cornell University Press.

8. Jonathan Culler, Structuralist Poetics: Structuralism, Linguistics and the Study of Literature, Cornell University Press.

9. رولان بارت، التحليل البنيوي للحكاية، ضمن أبحاث في السرد والبنيوية.

10. تزفيتان تودوروف، شعرية النثر، ترجمة عربية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.