“الرَّمسيسُ الثاني يُدخِّنُ فوقَ النِّيل”

شعر د مصطفى الطوبي

“الرَّمسيسُ الثاني يُدخِّنُ فوقَ النِّيل”

تُفتِّشُ ”إِيزيسُ“ عن بَلْسمٍ
نادِرٍ في الجَليلِ
يداها على الزَّنْدِ حَرْبٌ
لعلَّ إلهاً يُبَرْعِمُ فيها سُدىً
”أُوزُرِيسُ“ يحُوكُ قصيداً على البابِ
يسْطعُ نَجْمٌ
يبوحُ بسرٍّ جريحٍ لأرملَةٍ ودَّعتْ بَعْلها في الرَّبيعِ
وجاءتْ أباها عشاءً تغني
لعلَّ النوارِسَ تأتي
لتبصمَ صكَّ الخيانةِ
ضد الوُفودِ
كَريمٌ يُروِّي رجالاً كثيراً
هُوَ النِّيلُ يحمِلُ ورداً
يُبايِعُ جوعَهُ حيناً من الدَّهْرِ
حيناً منَ الظلماتِ
هو النيلُ أعْمى يُقامِرُ في مُدُنِ المِلْحِ
تضْرِبُهُ الريحُ جهراً
تعَرَّى أمامَ السَّلامِ
كَغَيْداءَ تَخْجَلُ من وجْنَتَيْها
يُوَلْوِلُ، يضْرِبُ أخماسَهُ صارِخاً في الأَنامِ
هنا الخمرُ والنردُ مُمْتثِلانِ
وبعدَ غدٍ نَحْتفِي
بالحِصارِ
وَقَفْتُ أُحدِّقُ فيهِ
أُحدِّقُ في قَسَماتي
ورَمْسيسُ يطْعنُ في النِّيلِ
يُطارِدُ موسى على اليَمِّ
سِحْراً على السِّحْرِ
لا اليَمُّ يفْتَعِلُ القُبُلاتِ
ولا الماءُ لا القلبُ ينتظِرُ العاشقينَ
نواطِيرُ تَكْبو تِباعاً
خُروجاً إلى التِّيهِ يا صاحِبي ما مشيتَ إلى الموتِ تأْخُذُ رِجْلَيْكَ عالِقَتَيْنِ على كَتِفَيْكَ، هو الحُبُّ يَرْسُبُ في قَعْرِ قلْبِكَ يَخْبو قُروناً، وَرَمْسيسُ يخرجُ من عتماتِ القيودِ يسابقهُ الجيشُ في الطرقاتِ..نفِيرُ المُشاةِ، عجاجُ اليبابِ، نياشينُ تَرْسو على وجْنَتَيْكَ، خريفٌ يُحدِّثُنا عن مآسي العبيدِ، وها النِّيلُ دَفْقاً من القولِ ثرثرةً في السِّنينِ، يُجاري العُيونَ اللواتي تسافرُ فيهِ، ويرْسُمُ للحُبِّ قلباً جريحاً يُخلِّصُنا من هزِيعِ الظلامِ.. وها النارُ تأتي على آخِرِ الغُصْنِ تنْمو كظِلِّكَ رمسيسُ، تنتفِضُ الرَّغباتُ..
ورمْسيسُ يكتُبُ في الرَّقِّ
رمسيسُ يخْطُبُ في الناسِ
رمسيسُ يأمُرُ، يأذِنُ، يمْشي على وَخَزاتِ المَحارِ..
طريقٌ إلى قيظِ سيناءَ
ملْحمَةٌ في اللَّهِيبِ
وطِفْلٌ بدونِ نِعالٍ يصيحُ بلا ظلٍّ
يَغْفو على الرَّمْلِ
يَشْكو
جَثامِينَ صَرْعى مُعَلَّقةً
في الجِدار
هنا زَلَّ ساقُ الرَّبيعِ
فقاقيعُ تجري مع الماءِ
نِيلٌ يُقارِعُ نوْماً عميقاً
يداهُ على فِيهِ من سَوْرَةِ السُّكْرِ
يجْثو
يُثَرْثِرُ
يحكي كعادتهِ قِصصاً
للصِّغارِ الَّذينَ تدَلّوا إلى النَّوْمِ
ينْبَعِثُ العارُ
”حُورِسُ“ يا نَيْزَكاً في سماءِ العَبيدِ
ورمْسيسُ يُشْعِلُ سيجارتهُ فوقَ قنْطرةِ العابرينَ، يُمشِّطُ شَعْراً تعرَّى أمامَ القرونِ، يَصُدُّ ويُبْدي منَ العِشْقِ حينَ يُرَتِّبُ صَوْلَتَهُ بالخُيولِ، هُنالِكَ تَدَلَّتْ عيونٌ، ذِئابٌ على البابِ جائِعةٌ، بابُ سيناءَ..يَشْتَعِلُ الرَّمْلُ،
آهٍ من النظراتِ التي وُضِعَتْ تحتَ كفِّي
لِخَنْقِ النَّهارِ
وينفلقُ اليمُّ
ينْحسِرُ الدرُّ
إلاَّ السِّيَاطَ
لهيبٌ تُحاصِرُهُ الخيلُ
ها النارُ تعْلُو
وها الماءُ،
ها الآلُ في الطُّرُقاتِ
ورمسيسُ يبتلِعُ الأمسَ
رمسيسُ واحةُ مَحْلٍ يؤوبُ
نشيدٌ تناقلَهُ الزَّائِرونَ
وسيجارُ كُوبا يُعَرْبِدُ في الحاضِرِينَ
يَجُرُّ رحِيقَ السِّنينِ
ويَصْمُتُ حيناً
ورمسيسُ مُسْجىً أمامَ الغِيابِ
ثناياهُ بيضاءُ ناصِعةٌ كالصباحِ
شموعٌ تعرَّتْ
فماتتْ فسيلاً على الرَّمْلِ يحْتَضِرُ
النَّارُ مهزولةُ القائمينَ على الدَّفْنِ
والعابرونَ أمامَ الجنازةِ ينْتَفِضونَ
لنا خلوةُ الزاهدينَ
ومقْبرةٌ في الخلاءِ
وخُطبةُ رمسيسَ
نافذةُ الظلماتِ
وإسْحاقُ يزْجُرُني
في النهارِ
يُوبِّخُني عُنْوةً
قبل رفْعِ السِّتارِ
الدكتور مصطفى الطوبي

قراءة القصيدة من طرف الأستاذة إلهام الغذاني/ تخصص اللسانيات


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.