منْ يَضع عنوانَ القصَّة القصيرة جداً ؟

في رسالة سألني القاص الصديق حسين جداونة  من إربد هذا السؤال :

الأستاذ الدكتور ميمون مسلك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو التكرم ببيان رأيكم النقدي في المسألة الآتية: هل يتدخل (السارد) في اختيار (عنوان) القصة القصيرة جدًا ؟ أم أنه من اختصاص (القاص/ الكاتب) فقط؟ مع خالص التقدير والاحترام أخوكم/ حسين جداونه.

للإجابة عن هذا السّؤال فضّلت الانطلاق من نص قصصي  للقاص حسين جداونة تحت عنوان ” درس “
” زعم أنّه أقوى رجل في العالم، أمر ونهى، وأجلّ وأذلّ. استفزتني كبرياؤه، وثقته بنفسه. نشب بيننا صراع، ولأن الضربة الأولى نصف المعركة؛ فقد بادرته بلكمة على فكّه الأيمن، وبأخرى على فكّه الأيسر.
في الحقيقة لم أقدّره حقّ قدره!”

العنوان :
(الدرس ) لغة : مصدر ” درس”. جمعه : أدراسٌ، و دِرسانٌ ، و دروسٌ. و يحتمل عدّة معان حسب السّياق و الغاية. و منه الثوب البالي، و ذنب البعير، و الطريق الخفي، و الجَرَب.. و كلّها معان بعيدة عن مدلول النّص الذي نحن بصدده. و لعلّ ما يهمنا و الأقرب : مقدار ما يتلقى الطالبُ من علم، أو ما يُؤخذ من عبرة و عظة.

أ ــ مقاطع النص:
يتكون النص من ست مقاطع تركيبية متتالية :
1 ــ [زعم أنّه أقوى رجل في العالم، أمر ونهى، وأجلّ وأذلّ ]
2 ــ [استفزتني كبرياؤه، وثقته بنفسه. ]
3 ــ [نشب بيننا صراع، ]
4 ــ [ولأن الضربة الأولى نصف المعركة ]
5 ــ [فقد بادرته بلكمة على فكّه الأيمن، وبأخرى على فكّه الأيسر. ]
6 ــ [في الحقيقة لم أقدّره حقّ قدره! ]
ب ــ وضعية السّارد:
نلاحظ أنّ السّارد حاضر في الحكي (Narrateur homodiegetique) بل هو مشارك  : [استفزتني ، بيننا، بادرته، أقدّره.]ج ــ وظيفة السارد
لقد حدّد جرار جينات ( G Genette) خمس وظائف للسّارد ، على غرار ما فعل جاكوبسون في تحديد وظائف اللّغة ، و هي وظائف تختلف من نص لآخر:

1 ــ الوظيفة السّردية ( Fonction Narrative)
 و هي متوفرة في النص من بدايته إلى نهايته، و ذلك لوجود سارد . لولاه لما تحقق السّرد إطلاقاً.

2 ــ الوظيفة التنظيمية أو الوظيفة التنسيقية (  Fonction de régie )
و هي أيضاً متوفرة، تتجلى في ترابط مقاطع النّص.{ ادعاء القوة + استفزاز السّارد+ نشب الصّراع+ الوعي بأهمية الضّربة الأولى+المبادرة باللّكم+إدراك حقّ قدر الخصم}

3 ــ الوظيفة التّواصلية  (Fonction de communication) و هي أيضاً وظيفة متوفرة في النّص، بسبب السّرد المتماسك، الموجه فنّياً للمَسرود له.

4 ــ الوظيفة التوثيقية أوالاستشهادية ( Fonction d’attestation/ testimonial ) و مثالها في النّص عبارة:[ زعم أنّه أقوى رجل في العالم، أمر ونهى، وأجلّ وأذلّ]
5 ــ الوظيفة الإيديولوجية (Fonction Idéologique)
 و تعني مجموع التّعليقات التي قد يأتي بها السّارد معلناً عن رأي خاص به, و مثالها من النّص : [ لأنّ الضربة الأولى نصف المعركة ] +[في الحقيقة لم أقدّره حقّ قدره! ]ّ

   إذن النّص استطاع أن يجمع كلّ الوظائف المخولة للسارد ، و إن كان هذا ليس متيسراً دائماً، لاختلاف الأساليب، و المواضيع، و زاوية الرّؤية ..
فلمْ نلاحظ في كلّ الوظائف وظيفة تنص على وضع السّارد لعنوان النّص.
ــ فهل هذا يعني أنّ العنوان مِن وضع القاص وحده؟
ــ و هل هذا نفي قاطع أنّ السّارد ليس من اختصاصه عنونة النّص؟

يبدو أنّ جميع الأدلة المَرجعية تعود بنا لسيطرة القاص على كلّ مرافق النّص: فله وحده الاختيار، و الحذف، و الإيجاز، و التّضمين، و التّكثيف…و وضع العنوان و بينه و بين السارد اختلاف بيّن .فهذا إنسان بكلّ مقومات الإنسان المُكتمل، العاقل بمعنى واقعي . و السّارد شخص خيالي، و قناع يختفي خلفه القاص، حسب ”  كايزر “، أو كائن ورقي حسبَ بارت. و لكن بعودتنا إلى النّص أعلاه : ” درس”
سنلاحظ أنّ السّياق، و ما جاء على لسان السّارد.. يُشعرنا بأنّ القاصّ لم يفكر في مسألة   ” الدرس” إلا مع نهاية النّص، أو لنقول بوضوح تام، إنّ جملة الخرجة ( ما يُعرف بالقفلة و ما هي بالقفلة ) هي التي أوحت للقاص بالعنوان. و قد جاءت كالتّالي : [في الحقيقة لم أقدّره حقّ قدره! ] و هي حسب السّياق تحتمل احتمالين مُختلفين:
ــ الاحتمال الأوّل: كان السّاردُ يعتقد أنّ الضّربة الأولى نصف المعركة فاضطر إلى ضربتين..
ــ الاحتمال الثاني أنّ ما كان يزعمه الخصم، و يُرهب به خصومه.. وجد من يقاومه النّدّ بالنّدّ. بل يبادر بلكمه مرتين.
و في الحالتين، كان هناك سوء تقديرأحسّه السّاردُ في خضم الصّراع، سواء كان له أوعليه. فانتهى به الأمر إلى عبرة و موعظة استخلصها و اكتسبها، و هي بمتابة درس قد يُستفاد منه مُستقبلا.
حقاً السّارد تجنّب مزيداً من التّوضيح، لم يُعرب عن انتصاره. أو قوّة احتمال خصمه، و بادر باسْتنتاج (الدّرس) الذي فتح الباب مشرعاً للاحتمالِ، و التّأويل..
لكن من كلّ هذا، فالقاص استنبط العنوانَ مما وفَّره السّارد من دواعي التّلميح، و الإيحاء.
و هذا يحدث في الحياة العامّة. قد يكون عمرو و زيد يتحدّثان فيقول عمرو: ” إنّ كلامك هذا أوحى لي بفكرة..” إذن عمرو لم يكن يفكر في الفكرة من قبل، و لم تخطر بباله، و لكن الحديث بينه و بين زيد كان مصدر إلهام.
نفس الشيء الذي يحدث للقاص. قبل الشّروع في الكتابة، أو أثناءها..يكون العنوان في حكم الغائب. و لكن ما أن توشك القصّة على الانتهاء ، حتى تبرق هالة العنوان كاستنتاج، و خلاصة حتمية، يفضي إليها السّياق.
و نادراً جداً ما يبدأ القاص الكتابة و هو يضع نصب عينيه عنواناً ما .. و السّؤال : لماذا الحكم بالنّدرة في مثل هذا.. لأنّ القاص لا يستلذ فعل الكتابة و لا متعتها …مادام مسبقاً يدرك خاتمة ما يَسعى إليه..
و أحسن الكتابة القصصية، تلك التي تتّسم بالعفوية، و عدم إدراك خاتمة النص، إلى أن تأتي كإلهام غير منتظر، و لا شك أنّ أوّل من يستلذ ذلك، و يبتهج له هو القاص نفسه.

   و خلاصة القول، إنّ القاص أو المبدع عموماً هو واضع  عنوان النّص..و هذا أمر عادي و طبيعي.. أمّا السّارد بسرده المُتناسق الفنّي.. فقد يساعد القاص على استنباط العنوان المُناسب، ما لم ينطلق القاص من العنوان كهاجس يُراوده، أو فكرة تخامره..

تعليق واحد

  1. حسين جداونه

    كل الشكر والتقدير أخي الأستاذ الدكتور ميمون مسلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.