حوار مع الشاعرة السورية وفاء دلا

بحس رهيف، و هاجس لطيف، و معنى شفيف، و تركيب إيحائي كثيف.. تنقلك الشاعرة وفاء دلا /أم عماد إلى عالمها، حيث المستحيل الممكن، و المحظور المباح، و الذات و الذات الأخرى، و الرؤية النافذة، و الخيال في طقوسه الشعرية، و نمنماته التلميحية. و صوره الرمزية…
تحياتي أم عماد / مسلك

تقرأون حوار الكاتب الصحفي جمال بوزيان مع الشاعرة وفا دلا؛ عبر صحيفة «الديوان»؛ العدد رقم 932؛ الصادر يوم الأحد 22 شعبان 1440 هـ الموافق 28 أبريل 2019 م؛ الصفحة رقم 6.

الشاعرة السورية وفا دلا في حـوار لـ”الديوان”

في الوطن العربي تـختار الـحكومات وزير الثقافة من غير الـمثقفين

لقد أنصف معظم النقاد العرب تـجربـتـي الشِّعرية

كتبتُ للوطن والتراب والشجر والأمومة والطفولة والـحب وكل جـميل في الـحياة

أتـمـنـى كتابة قصيدة تُـعـبِّـر بصدق عن كينونة قلق يسكنني أنا

حاورها/الكاتب الصحفي جـمال بوزيان

أَستضيفُ اليومَ شاعرة مِن طراز خاصّ؛ ذات هِمّة عالية؛ نظرًا لِما تَعلَّمتْه على يد كِبار الشّعراء إنْ في سوريّة وإنْ في العالَم العربيّ… تَكتب الشِّعر العموديّ والشِّعر الـحُرّ؛ وأيضًا قصيدة النّثر.
لـها عِدّة دواوين شِعريّة منها “امرأة إلّا قليلًا؛ رذاذ الـجمر؛ طفلة الاحتراق؛ تراتيل العنفوان، غصون الرِّيح؛ مَلحمة الدَّمع”؛ وغيرها… انتسبتْ لـ”جـمعيّة العاديات” ومقرّها في حلب، و”جـمعيّة أصدقاء مَدينة سلميّة” بسوريّة… شاركتْ في مُلتقيات دوليّة كثيرة، في الأردن والعراق وتونس والـمَغرب.
تَناول الكثير مِن طلبة الدِّراسات العليا تـجربتها الشِّعرية، وقدْ نالوا فيها شهادات الـماجستير والدّكتوراه في جامعة دمشق وعِدّة جامعات عربيّة.
تَنشُر “الدّيوان” اليومَ حواري الصّحفيّ مع الشّاعرة وفا دلا.

مَرحبًا بكِ.
أهلا وسهلا بكَ أستاذ جَـمال.
حدِّثينا عن طفولتكِ؟
لا أتذكر طفولتي جيدا، وخصوصا بعد ما مر على رأسي من أحداث متعبة جدا، لكني أتذكر دراستي في المرحلة الابتدائية، على العموم كنتُ من الطالبات الـمجتهدات والـمثابرات، وأحصل على رضا معلماتي بشكل جيد، وكنتُ من الطالبات الـمميزات في اجتهادي والتزامي.
مَن هُمُ الأُدباء الّذين قرأتِ كتاباتهم؟
قرأتُ للشاعر الكبير نزار قباني، والشاعر والمسرحي الكبير محمد الـماغوط من سورية، ولـمحمود درويش ولسميح القاسم من فلسطين، وللسياب ونازك الملائكة ومحمد مهدي الجواهري من العراق، ولناظم حكمت الشاعر الكبير التركي… ولشعراء كثر، في الحقيقة لا يحضرون الآن في ذهني، وفي كل مرحلة من العمر تتطور نوعية القراءة، وتتطور حسب التقدم الدراسي، أي عند ما أصبحتُ في المرحلة الإعدادية تطورتْ أنماط الكتب فأصبحتُ ميالة إلى الروايات والكتب العلمية، وفي المرحلة الثانوية صرتُ أقرأ كُتُب الفلسفة والدراسات الفلسفية والدينية والسياسية.
ما قصّتكِ مع الشِّعر؟
قصة طويلة جدا، “الشِّعر بلوى لكنها بلوى جـميلة”… لا أدري إذا كان الشِّعر هو الذي يبتلبني أَمْ أنا التي أبتلي القصيدة؟ لأن الشِّعر -هذا الكائن الـجميل الذي يعيش في كينونتي وما يدور فيها من قلق واحتمال ودهاء- يفتح على كثير من الشك والأسئلة.
في بداية مشروعي الشِّعري كنتُ ملتزمة بما تعلمته من مُدرسيّ في المرحلة الثانوية، وهو إتقان البحور والنظم، واستمر هذا فترة زمنية، وكتبتُ في هذا النمط عدة قصائد، وطبعتُها في ديواني الأول والثاني، وهذان مَقطعان نموذجان عن الشهيد، حيث أقول:

الشهيد تسامى وَحَنَّ إليهِ النشيدُ ونادتهُ أرضٌ فلبّى الشهيدُ
وجادتْ عليهِ السماءُ وروداً وهبّت إلى خافقيه الوعودُ

وهذا أيضًا مَقطع نموذج عن الشِّعر الـحُرِّ مِن قصيدة “التوأمان”، بعد تمكني من موضوع إتقان الشِّعر العمودي انتقلت إلى الشِّعر الـحُرِّ، وكتبتُ فيه الكثير من القصائد، تفوق الـمئة قصيدة.

وَتَسألُني الـجُلَّنارُ دِمَشْقُ إلى أَيِّنا تَنْتَمينْ؟ إلى سنديانِ النَّدى وانْهمارِ الشذى من أعالي الجبالْ؟ أمْ مِنَ الأُغنياتِ التي بلَّلَتْ غيمةَ الشعرِ في جنَّةٍ للخيال؟

في أيّ الـمَدارس يُصنَّف شِعركِ؟
اطلعتُ وقرأتُ الـمَدارس العربية كلها تقريبا، وفي القراءة والإطلاع يتشكل عند الشاعر ثقافات مختلفة، ولكنه في نـهاية الأمر يميل إلى ما يحمله في داخلة من كينونة القلق وهواجس البيئة الـمُحاطة به. والشاعر هو إنسان ابن بيئته، يتأثر بها وتؤثر فيه، وحسب الفضاءات اللغوية التي تلقاها وتعلمها واكتسبها من مراحله دراسته، لأن أي عِلم تقرأه وتدرسه يؤثر في تجربتك الشِّعرية لا محال، عند ما كنتُ أدرس الـحقوق تأثر نصي الشِّعري بـهذا العِلم بطريقة ما قد لا يكون واضحا، ولكني تأثرتُ بهذا العِلم ووظفته لصالح نصي الشِّعري، وقد درستُ عِلم النفس وتأثرتُ كثيرا جدا بهذا العِلم، وقد نقل نصي الشِّعري نقلة نوعية، ربما القارئ العادي لا يلحظ ذلك. أما النقاد والاختصاصيون يرونه واضحا، إن نصي الشِّعري فيه فلسفة خاصة قد لا يكون موجودا عند شعراء جيلي… تأثرتُ بشكل واضح بـمَدرسة نزار قباني، والشاعر الكبير محمد الـماغوط ابن مدينتي مَسقط رأسي بشكل واضح، ومن العراق تأثرتُ بالجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، ومن لبنان جوزيف حرب وخليل جبران خليل.
ماذا قال النّقّاد عن أشعاركِ؟
لقد أنصف معظم النقاد العرب تجربتي الشِّعرية، وأذكر أهمهم الناقد التونسي والشاعر الكبير الطاهر الهمامي، والتونسي الدكتور أحمد الودرني، وشكري السلطاني… ومن العراق كتب عدد من النقاد عن أشعاري، منهم طالب الدراجي وفائز الحداد والدكتور حسن حليحلي.
لِـمَن تَكتبين؟
أكتب للوطن والتراب والشجر والأمومة والطفولة والـحب والعشق وكل شيء جـميل في هذه الحياة.
هلْ كتبتِ قصيدة النّثر؟
كتبتُ الكثير في قصيدة النثر، بعد أن كتبتُ قصيدة العمود، وانتقلتُ إلى قصيدة التفعيلة، واستمريتُ بكتابتها عدة سنوات، وحاولتُ أن أكتب قصيدة النثر ونجحتُ فيها، رغم تأثري الواضح وميلي إلى التفعيلة في قلب قصيدة النثر، ويظهر هذا للقارئ والناقد الجيد.
هلْ كتبتِ شِعرًا للأطفال؟
أكتب للأطفال القصة والشِّعر منذ أكثر من 25 عامًا، ولكني اشتهرتُ بالشِّعر للكِبار، أكثر من كتاباتي في مجال الطفولة، وفي بداية حياتي الأدبية كتبتُ الـمَقالة، وتناولتُ الكثير من القضايا التي تخص الـمَرأة والطفولة والأمومة.
ماذا كتبتِ عن أزمات العالَم العربيّ بداية من فلسطين؟

مسكين وطني مسكين ذبحوهُ بحدِّ السِّكِّينْ
أجزاءٌ تسقطُ خائرة أشلاءٌ تُلقى في الطِّينْ

ما هي طموحاتكِ؟
هي ليست كثيرة، أهم شيء أن أظلُ محافظة على إنسانيتي في هذا الزمن السيئ وسط الكم الهائل من الانحدار الأخلاقي خصوصا في الأوساط التي يسمونها ثقافية… أتساءل: ما هذا السخف والسفاف والسقوط الأخلاقي؟ تبدو تلك الأوساط غير نظيفة.
ثم أتمنى أن أكتب القصيدة التي تعبر بصدق عن كينونة القلق الذي يسكنني، أنا لَم أكتبها بعدُ.
أتمنى من المؤسسات الثقافية واتحاد الكُتاب العرب والإعلام أن يهتموا بالمبدعين والشعراء الحقيقيين ولو بجزء قليل من اهتماماتهم.
وأرغب أن تهتم الجهات المعنية بالترجـمة، وأن يصل إبداعنا إلى بلاد “الغرب” من خلال الترجـمات وتبادل الثقافات.
ماذا عن مشروعاتكِ؟
لي مجموعة شِعرية جديدة قيد الطباعة عنوانها “ملحمة الدمع” استلمتها مني جامعة عربية لطباعتها والاهتمام بالدراسات حول مواضيعها التي كتبت بشأنها… وأنا بصدد إنهاء مجموعه شعرية للأطفال تصدر هذا العام… وأيضا لي مجموعه شِعرية جديدة أكتب فيها، قد تصدر العام القادم.
هلْ كُرِّمتِ في سوريّة وخارجها؟
لَم أُكرَّم في بلدي الأُمّ سوريّة… عِلمًا قد كُرِّمتُ أكثر من عشرين مرة خارجه في تونس والـمغرب والأردن.
ماذا تقولين للشَّعب السُّوريّ؟
أرجو الـخير كل الـخير للشعب السوري.
تحية عربية إلى وزراء الثقافة العرب، عليكم أن تكونوا مثقفين قدر الإمكان، وتهتمون بثقافتكم، وأن تقرأوا وتثقفوا أنفسكم، وأن لا تعادوا الإبداع والـمبدعين والـمثقفين في بلادكم… الـمبدعون هُم شريـحة مُهمة في الـمجتمع وصفوة الناس، عليكم احترامهم وتكريمهم وحفظ كرامتهم ومكانتهم في الـمجتمع.
مع الآسف الشديد، هناك مشكلة عويصة في الوطن العربي أن الـحكومات العربية قاطبة تـختار وزير الثقافة على ألا يكون مثقفاً، والـمثقف لا يكون وزيراً أي وبمعنى أدق، من يحصل على مركز وزير ثقافة فهو غير مثقف على الإطلاق، وعلى العكس الـمثقف الـحقيقي بعيد بُعْد السماء عن الأرض من أن يكون وزيراً.
هلْ لديكِ اهتمامات أُخرى؟
السفر ثم السفر… أحب اللقاءات العربية الكبيرة والمهمة، والمشاركة بإبداعاتي حتى أعرف صدى أشعاري، وأحب أن أسمعهم كي نستفيد من إنتاجاتنا الشِّعرية، ومَعرفة موقعنا في هذا العالَم، لأن تلك اللقاءات هي غنية بالـمَعرفة بكافة أنواعها ثقافيا واجتماعيا وإنسانيا… وغيرها.
هلْ حدثتْ لكِ طرائف ومَواقف مع أهْل الفكر والثّقافة والإعلام والصّحافة والأدب والفنّ والسّياسة وغيرها؟
دُعِيتُ لِـمهرجان عربي مُهم جداً من دولة عربية مُهمة، وهذه هي الـمرة الأولى التي أدخل فيها تلك البلاد، وقد كان بانتظاري أستاذان جامعيان، وقد كلفتْهما إدارة الـمهرجان بتلك الـمَهمة، وقد ابلغني مدير الـمهرجان عند ما تَصِلين الـمَطار وتأخذين أمتعتكِ وتتجهين نحو بوابة الـخروج الأولى تشاهدين الدكتور …. ….، والدكتور …. ….، أحدهما يحمل لوحة عليها اسـمكِ بالعربية، والثاني يحمل لوحة عليها اسـمكِ بالانكليزية، حيث يستقبلانكِ ويأخذانكِ إلى مكان إقامتكِ.
لكن الذي حدث، أني خرجتُ بعد ما أنـهيتُ الإجراءات الـخاصة بالوصول والسفر، ولَم أجد أحدا؛ حرتُ في أمري، وسألتُ مكتب الاستعلامات وغيرها، ولَم يستطع أحد مساعدتي، ثم فكرتُ في البحث عن طريقة للوصول إلى الأستاذيْن، ذهبتُ إلى غير بوابة، ووجدتُ شخصين معًا، قلتُ في نفسي: ربـما هُما، اقتربتُ منهما، ولَم يباليا بأمري، وزاد حيرتي أنهما يقفان مع امرأة أخرى، ويتسامران ويضحكان معًا، ثم تـجرّأتُ وسألتهما: هل تنتظران أحدا؟ قالا: أجل، ننتظر شاعرة سورية من دمشق، قلتُ: وكيف ستعرف والـمعلومات التي أُعطيتْ لي ليست موجودة؟ قالا: بل موجودة.
قلتُ لهما: كيف؟ لقد كُتِب اسمي في لوحتيْن بِلُغتيْن اثنتيْن، أين هُما؟ قالا: ها هي. ولكن مع الآسف، كانت اللوحتان ملفوفتين على بعضهما كالعصا، وكل واحد حـمل اللوحة وهي ملفوفة… وكيف لي أنا الزائرة وللمرة الأولى أن ما بيدكما كالعصا، وأن ما بداخلها هو اسمي (انتبها على نفسيهما وغشيا من الضحك)، ولو لا ذكائي لبقيتُ حتى الصباح في الـمَطار أنتظر أصحاب اللوحتين الـملفوفتين!.
ما هي أجـمل ذكرياتكِ؟
هل ليست كثيرة، منها: عند ما نجحتُ في شهادة البكالوريا أول مرة… وعند ما قُبِلتُ بكلية الـحقوق… وعند ما فازت قصيدتي (التوأمان) بالـمَرتبة الأولى في جائزة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد… وعند ما رُزِقتُ بابني عماد، ربي يحميه لي ويرزقه ويسعده ويوفقه… وعند ما يولد من يدي كِتاب شِعري جديد أفرح كثيرا.
ما هو آخرُ كِتابٍ قرأتِه أو تَقرئينه حاليًا؟
آخرُ كِتابٍ قرأتُه هو (جورج أورويل ) ترجـمة عبد الكريم ناصيف… وأقرأ حاليًا كِتاب (أصيل بعد قليل) للكاتب محمد عُضيمة.
سعيدٌ بكِ اليومَ، كرمًا لا أمرًا اختمي الـحوار.
أنا سعيدة جدا بـحواركَ الرائع، والأسئلة غير الاعتيادية، وكل الشكر لكَ، وللصحيفة على الاهتمام بمحاورتي، وهذا من دواعي فخري واعتزازي بكَ وبالصحيفة… لكَ مني أعطر التحايا، وللصحيفة، وللشَّعب الـجزائري العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.