ما قبل السّرد …تقديم مجموعة : ” سوانح من كلمات” للقاصّة : آمينة برواضي

القاصة آمينة برواضي

” سوانح من كلمات ” مجموعة قصصية للقاصة آمنة برواضي
القاصة آمينة برواضي

ما قبل السّرد :

        لا جنس من الأجناس السّردية ، استوقف المبدع و النّاقد كالقصّة القصيرة جداً. فالنّاقد يحاول جاهداً أن يلملم جزئيات هذا الجنس، لتستقيم شكلا فنّيا أدبياً قصصياً، فيحتار في الجزئيات و أهميتها ، و في النّسق التّركيبي . و يزيده حيرة و ارتباكاً هذا الإقبال المنقطع النّظير، و هذا الزّخم من المجموعات التي أصبحت تتكاثر كالفطر منوّعة و مختلفة، و كأنّ كلّ قاص له فهم خاص لمبادئ و خصوصيات هذا الجنس الحديث !
       حتى أنّي سمعت في أحد الملتقيات، من يدّعي أنّ هذا الفنّ بدون قواعد.فيومئذ فهمت سرّ الإقبال، ذلك أنّ البعض استسهل الأمر. و رأى أنّها وسيلة للظّهور، بأقلّ عناء و كلفة..
 أمام حيرة النّاقد و هو يحاول الحسم قدر الإمكان . وأمام الفهم المُرتجل لبعض المبدعين ضاعت أو تكاد فلسفة هذا الفن. الذي أريد له أن يكون فقط : قصة/حكي ، و لكن بحجم قصير و مؤثّر. و السّؤال النّقدي ، كيف يكون قصيراً ؟ و كيف يكون مؤثراً؟
سؤالان هامان يشكلان فلسفة القصّة القصيرة جداً .و من لم يستوعبهما .سيتيه في دروب قصيدة النّثر ، و تهويمات الخاطرة، و حكم الشّذرة، و مدارج الهايكو.. وهلم جراً . و عنده أنّه يكتب قصّة قصيرة جداً. و شتّان بين ما يريدُ و ما كتبَ .

ــ أولا :بالنّسبة للحجم ، و فيه خلاف بين متطرف في القصر ، و متطرف في الطول . إلا أنّ تطرف الأولين حدد في سطر إلى ثلاثة أو أربعة أسطركما هو في هذه المجموعة. أما الآخرين فسمحوا بامتداد يغطي صفحة كاملة إلى صفحة و نصف ، و هذا غير موجود في هذه المجموعة ، و يشترطوا أصحاب الامتداد ألا يكون ذلك على حساب التّكثيف اللّغوي .. و الأمر في الحالتين ليس هيناً، فلن يتحقق إلا بالاختزال المناسب ، و التّكثيف اللمّاح ، و الجملة المكتنزة الملغمة ، و اللّفظة / المفتاح ، و التّقديم و التّأخير و حسن التّركيب .. و العناية بفهم قواعد اللّغة ، من حيث النّحو و الصّرف ..وعياً و تطبيقاً . و إلمام بضروب البلاغة / علم البيان وعلم المعاني ، بشكل يحقق عشق الكتابة، و متعة اللّفظ و التّعبير، و التّعدد الدّلالي..

ــ ثانيا : التّأثير، حين نتحدث عن الفن عموماً و القصّة القصيرة بخاصّة ، ينبغي أن نعلم أنّ التّأثير لا يأتي من الكتابة المُجردة ، أو التّقريرية المباشرة، فهذا ربّما يكون مفيداً في الخطب السياسية ، أو الديماغوجية التي تخصّ العوام ، من أجل مسألة آنية و الاستقطاب بخاصّة.
و لكن الخطاب السّردي يختلف، لأنّه موجه لطبقة مثقفة، و واعية، ولا تحفل بالمباشرة أو التّسطيح، لأنّ ذلك في اعتبارها استخفاف بذكائها، و عدم احترام لوعيها و ثقافتها..إذاً، الأمر حتّى يكون مؤثراً، و يحدث تفاعلا، و تقبّلا.. لا بدّ من مراعاة أشياء فنّية ، منها ما جاءت به القصّة القصيرة جداً بحكم طبيعتها ، و منها ما تقاسمته و الأجناس السّردية الأخرى كالقصّة القصيرة، و الرّواية ، و المَسرحية ، و الأسطورة ، النّكتة /الطرفة، و المَثل ..و ذلك من : إضمار ، و تضمين ، و تكثيف لغوي، و حذف، و رمز، و سعة خيال .. و بخاصّة القدرة على الكتابة(Le pouvoir d’écrire  ) وامتلاك الجهاز الحكائي (L’ap diégétique) الذي يمكن من كتابة نصوص متنوعة ، قد تجمع بين الواقعي و الفانطاستيكي و الحلمي و السير ذاتي ..

ففي هذه المجموعة التي تشكل المجموعة الرّابعة بالنسبة للقاصّة أمينة برواضي:

([1]) هي نقلة نوعية في كتابتها للقصّة القصيرة جداً: من حيث الحجم ، اعتمدت أقلّ ما يمكن مــن الكلمات و الجمل الفعلية أساساً. فمثلا نص سينوغرافيا [ يقف…يعزف… تتفتق… تزهق تمزق…يصبح …] ست جمل فعلية هي مجموع النّص . حقاً أنّ هذا النّوع من الجمل يضفي على النّص حركية و دينامية بحكم الفعل، و لكن تنوع الجمل قد يفيد في الكتابة السّردية، فمن الأفكار ما تتطلب السّرد الهادئ و الرتيب ، و هذا لا تلائمه إلا الجمل الاسمية، ثمّ إنّ التّنوع يبعد عن الرّتابة و النّمطية ، و من تمّ كان من الجميل توظيف التّقديم و التّأخير، من حين لآخر. و الاستعانة بشبه الجملة أيضاً .. لكي لا تستقرّ المجموعة على نسقية تركيبية أحدية.
فقد لجأت القاصة أمينة برواضي لتوظيف فنيات تناسب أفكار النّصوص..

1 ــ توظيف التّواتر السّردي ، أو التّكرار اللّفظي (Répétition) بغية التّركيز و لفت الانتباه و تحقيق التبئير(Focalisation  ) أي جعل العنصر أو المكون  بؤرة في السّرد.  كالذي نجده في نص ” لاجئ “
” أُجْبِرَ على مغادرة الوطن ،غادر الوطن، ولم يغادره عشقه ، قضى ما تبقى في خيمة على الحدود؛ يتابع أخبار ما تبقى من الوطن. ” [ الوطن] ثلاث مرات +ضمير يعود عليه. فعل   [ غادر] و ما اشتق منه [ مغادرة ، غادر، يغادره ] ، فعل [ تبقى] مرتان . و تكرر هذا في نص “عيون”  : “جعلوا حارساً على بيت المال .وحارساً على الحارس .وحارساً ليحرسهما معاً. تحولت البلاد إلى عيون. ولا أحد يعلم من يختلس المال.”[حارساً، حارساً، الحارسِ، حارساً، ليحرسهما].. 

2 ــ اعتماد القصّ الموضوعي (Objectif  ) الذي ينتجه ضمير الغائب ، و عدم توظيف القصّ الذاتي ( Subjectif) الذي ينتجه ضمير المتكلم . إمعاناً في الحياد السّردي . كالذي نجده في نص إغراء، و إن كان ينطبق على جميع النّصوص :” أغرته بسواد لونها، عشقها تغنّى بحبّها ، زادت من دلالها، لازمته ، أصبح مدمناً لشربها. “

3 ـ الشّخصية علامة لغوية. لا وصف يميّزها، إلا فعلها السّلوكي و ما تقوم به أو تفكيرها و ما تخمّنه و تشعربه ..فلا اسم، و لا مكانة.. شخصية تكاد تكون مجرّدة من كلّ الحيثيات المميّزة، و لكنّها من خلال السّياق اللّغوي و التّركيبي تفسح المجال للمتلقي ليضفي عليها ما يشاء، و كأنّه بذلك يُشارك في كتابة النّص دون أن يشعر ..و هي ميزة فنّية تبعد القارئ على أن يكون مُستهلكاً فقط.  بل يتحول إلى منتج، بفعل التّخيّل و التّخييل .. كالذي نجده في نص : “تحايل” ” “دخلت قاعة الامتحان، بدأت في الصّراخ والعويل، سقطت مغشياً عليها. تبيّن أنّها نسيت الهاتف في البيت. ” فلا وصف للتّلميذة و لا ذكر لاسمها و لا لمكانتها و لكن من خلال السّياق نستشف أنّها تلميذة تعتمد الغِش في الامتحان، بواسطة الهاتف، الذي نسيته ففقدت كلّ أمل في اجتياز الامتحان.

4 ــ الحدث / حالة  فالنّصوص في هذه المجموعة تُعالج حالات خاصّة ، قد تكون مكرورة ، أو عادية معاشة .. ليس هذا هو القصد . إنّما القصد طريقة تقديم الحدث/الحالة. و هذا هو الأهم في كلّ السّرديات، لأنّ الأفكار رائجة و موجودة كما أشار إلى ذلك ابن خلدون قديماً : ” الأفكار موجودة في الطرقات ” و لكن فنياً التّعبيرعنها هو الأهم في السّرد، وبذلك فالقاص ليس منتج أفكار، بقدر ما هو معبّر عنها في شكل حالة ما . كالذي نجده في نص ” مراهقة” ، ”  كان يمضي على جسر الخريف.سقط بغتة من أعلى الجسر على ربيع العمر. عاش معذباً في غير زمانه ” حالة من بلغ من العمر عتيا، وأبى إلا أن يعيش المراهقة المتأخرة فتصابى،  و حتماً سيعاني، لأنّه يرغب في أن يعيش زمناً غير زمانه، و هو في خريف العمر .

5 ـ اللّحظة القصصية: لا شكّ أنّ أجمل ما نصادف في هذا الجنس الزّئبقي الممتع :اللّحظة القصصية، التي من سماتها الخاصّة أنّها خاطفة ،و مفاجئة.. و لقد برعت القاصّة أمينة برواضي في انتقاء لحظاتها القصصية، التي لا يتمكّن منها المتلقي إلا مع نهاية النّص، و أحياناً بعد تأمّل و تمعّن. كما نجد ذلك في نص :”تأمّل” ، “يجر خطوات متثاقلة خلف دقات عصاه. يتكئ مرّة على نافذة القطار، ومرّة على عصاه .نظر بعيداً عبر النّافذة و قال:
 أظنّ الرّحلة أوشكت على النّهاية”. فهل هي رحلة السّفر؟أم رحلة العمر؟ فإنّ القاصّة وظفت الكناية ببراعة فليس المراد رحلة السّفر، التي لا نعلم عنها شيئاً لا من حيث المسافة و لا الاتجاه..ولكن المراد رحلة العمر، لما يدل على ذلك في النّص من وهَنٍ و ضعفٍ ينتاب الشيخ ، كجرّ للخطوات الثّقيلة ، و الاتّكاء على العصا و النّافذة ..فتلك هي اللّحظة القصصية التي تشكّل قفلة النّص.

    لا أريد الاسترسال في كشف أيقونات و مكونات نصوص هذه المجموعة.. و أترك ذلك لذائقة المتلقي ليكتشفها بنفسه، لعلّ في ذلك متعة ذاتية خاصّة .و حسبي أنّني أنرت شمعـة صغيرة عساها تكون بنورها الضّئيل فاتحة قراءات و تأويل لنصوص هذه المجموعة من حيث المُستوى المعجمي، و الجانب البلاغي، و الصّور السّردية المختلفة و المتنوعة ، و التّنوع الموضوعاتي ..فقط ينبغي القول أنّ القاصة أمينة برواضي  بهذه المجموعة، شقّت طريقاً آخر في بناء النّص القصصي القصير جداً، فلا إسهاب، و لا ملل، إنّما متعة في القراءة  و التّأمل و التّدبر ..

                                                         د. مسلك ميمون

***   ***   ***
[1]  ــ أمنة برواضي روائية و قاصة وشاعرة. حظيت بشرف المهرجان الرابع للقصة القصيرة جدا بالناظور ، إذ حملت الدورة اسمها.
أعمالها المنشورة في الرواية : أبواب موصدة 2011 ، أحلام مجهضة 2014، شظايا حارقة 2014 ، على ذمة التحقيق 2016 التي أحرزت على الجائزة الأولى للرواية العربية بوجدة ، منعرجات ضيقة تحت الطبع.
أمّا في القصة القصيرة فمجموعة واحدة : متاهة الأيام 2014
أمّا في القصّة القصيرة جداً : قطرات النّدى 2012، تجاعيد الزّمن 2013، صدى الكلمات الجريحة 2015، جسور (عمل جماعي) 2015
و في الشّعر ديوان واحد : صليل الأغلال 2015 ، و فضلا عن هذا كان لها اهتمام بأدب الطفل، وبخاصّة في القصة : عبد الكريم الخطابي، و مجموعة من المسرحيات..

القاصة آمينة برواضي تتوسط القاصتين فاطمة وهيدي من مصر و سعاد الناصر من المغرب


7 تعليقات

  1. لطيفة الميموني

    قراءة جميلة أستاذ ميمون مسلك تغري عشاق القصة القصيرة جدا بمتابعة القراءة للمجموعة القصصية سوانح من كلمات للمبدعة آمين برواضي…
    ألف مبارك الإصدار الجديد ودمتم محلقين في سماء الإبداع

  2. قراءة ملائمة لجنس الققج والذي مازال بحاجة إلى دراسات عميقة لفك الرموز وتوضيح الرؤى وتسليط الأضواء على خصائصه ودلالاته..وهذا ماتقوم به د. مسلك ميمون وجهدك في مجال الدراسات النقدية و تشجيع المبدعين على خوض غمار الكتابة عظيم جدا .أجمل التهامي للمبدعة آمينة برواضي والشكز الجزيل لكم .

  3. مديحة الروسان

    الامتاع الحقيقي هو تناولك وانارتك للنصوص لاظهار مكامن الجمال فيها

    دمت دكتور مسلك داعما للادب وللقصة القصيرة جدا بالذات .

    هنيئا للقاصة امينة برواضي

    تحياتي لكما

  4. madeha-ali53@live.com

    قراءة دقيقة وجميلة حتما تستحق القاصة امينة هذا الاهتمام من معلمنا الدكتور مسلك ميمون

    هنيئا لكِ استاذتي

    تحياتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.