(الق ق ج ) و الحكي


(الق ق ج) و الحكــي


ورد في المعجم الفرنسي “لو بتي روبر” (Le petit robert) بأنّ السَّرد هو : ” عرض مكتوب مفصل لمجموعة من الأحداث في صيغة أدبية” و في معجم لاروس (Larousse) : إنّه “عملية حكي وعرض مجموعة من الوقائع في صيغة أدبية”. و يرى تودوروف :ٌ أنّ السّرد مرادف للحكي بصفتهما مصدرين لفعلي : سَردَ ، و حَكى ” و من تمَّ الحكي هو الطريقة التي تُقدّمُ بها الأحداث، و السَّرد : هو فعلُ السَّارد . بينما يبقى المتنُ القصصي : هو الحدث أو الأحداث المُخبَرُ عنها بطريقة أدبية فنِّية . هذا واضح من أدبيات علم السّرد.(1)

و لطالما قلنا وفي غير ما مناسبة أنّ نصًّا ما بدون حكي ليس نصًّا قصصيا. لأنَّ نَكهة القص، و ميزته، و هويته هي: الحكي. أمَّا ما أصبحنا نراه من كتابة متنطعة، وجمل متقافزة، دون ربطٍ مَعنوي، ولا بلاغي، و لا حتّى نحوي ـ أحيانًا ـ فيما يخصّ الضَّمائر و مَدى الحاقها، و تشظي اللُّغة بشكل اعْتباطي، بَحثا عن الغُموض، و توسّلا بالتَّجريب و التّجديد .. كلّ هذا ينمُّ عن جهلٍ و عدم وعي بفنِّ القصّ وما يتطلبه… فلا نعجب أيدًا، من ظهور ما يسميه البعض “بالومضة القصصية”، و لا صلة لها بفنّ القصّة. إلا إذا أريدَ ذلك بفعل القوّة لا بالمنطق و الدّراسة، و من ذلك مثلا :
1 – أعطيته أصبعي ، أكل ذراعي .
2- خلع العمامة ، لبس القبعة.
3- ألبسته البيجامة ، طمع في الجلباب .
4 ــ طلب واحد شاي ، حاسبوه على اثنين.
5 – عزمته على الغدا فبقي عندي حتى العشا .
6- تمنت أن تتزوج لأن ظل رجل أفضل من ظل حائط .. تقدم لها رجل طويل ومتين كالحائط .. اثنان في واحد .
7- قدم لها ببغاء متكلم كهدية ، قدمته له على العشاء محشياً بالفريك .
8- قال لها ناوليني الحبة الزرقاء ، وفي الصباح سألها محتجاً ، هل تأكدت أنها كانت فعلاً زرقاء ؟!
9- طلب من تلاميذه أن يستشهدوا في مواضيع التعبير بأقوال الزعيم ، حولوه بعدها للتحقيق لأنه قلب الصف إلى
مسخرة.
10- سقط المطر حتى سد الطرقات ،فلم يذهب للعمل لأنه لا يملك مظلة.
11 ــ ……………..
لا أريد التّعليق على النّصوص، و لا أريد معاتبة كتابها، و إن كانوا يستحقون العتاب. و لكن بودي أن أقول للذين (جمجموا) معجبين بهذا في صفحات الفايسبوك و مواقع الاتّصال الاجتماعي .. والذين اعتباروه ومضة قصصية: لا تضحكوا على أنفسكم، و احترموا أذواقنا و عقولنا,,إنّكم تشجعون حالة مرضية، في عالم السّرد و القصّة بخاصّة. من حيث تدرون أو لا تدرون ..فتؤذون الفنّ برمّته، كما تؤذون المبتدئين عامّة.
و على العكس من ذلك، لنتأمل قوّة الحكي، ونكهته ، و فاعليته.. و كيف تهيمن على النّص فتكسبه هويته القصصية، و لذته القرائية، و مُتعة تتبعه التّأملية .. و ذلك من خلال النّصوص الثلاثة الآتية، للقاص العراقي حنون مجيد على سبيل المثال:
(1) يوتوبيا زورق
ألقى زوادته من ماء وطعام في عمق زورقه، وانحدر نحو المتاهات،تدفعه فورة يافعة وغرور عنيد.كان يعرف المسافات بين المحطات،ويعرف مهالك الزوابع والأعاصير ،لكنه لم يكن يعرف أشياء تابعة أخرى مثل نفاد الطعام وأنت في بحر،لذا كان مستعداً لإشراك طيور البحر،بعض طعامه كلما افرج عن طعامه،وتزود بقسط منه.كان يمتعه ذلك، ويعّده من مسرات نزهته النادرة،لاسيما حينما تبدأ ترفرف فوق رأسه بأجنحة بيض، وتخصه بنظرات سود.كان كل ذلك يجري في ثملٍ غائم،وزورق هيمان مبعثر الخطى بين الموجة والأخرى، والشاطىء والآخر ،قبل ان يعثر صيادون سكارى، على زورق ضال،في قعره رجل،أكل الجوع بطنه فمات.
***
(2) ثم إنها..
سألتُها ما هذه اللّعبة التي بين يديك حبيبتي؟هي لعبة لإزالة التوتر جدي.صعقت إذ يصدر هذا من طفلة في السادسة ليس غير.والله يا عزيزتي،عشت مع ابويّ خمسين أو ستين،فما سمعت من أي منهما، مثل هذا الذي يزلزل الجبال. تطلعت في وجهي،وما تزال البراءة تملأ وجهها وقالت؛ثم إنها من صنع صيني جدّو!

***
(3) عدالة الحداثة
في المشفى العام تقطع الطبيبة ريام،طريقها ببدلتها البيضاء، بين إبطها الأيسر ملف طبي، وفي يدها اليمنى هاتفها، تتحدث فيه.في المقابل منها،وفي الممر نفسه،تقطع طريقها عاملة التنظيف زهراء، ببدلتها الخضراء، مكنستها في اليمنى، وهاتفها في اليسرى، تقهقه فيه.

في النصوص الثلاثة يجد المتلقي نفسه أمام حكّاء/ سارد (Narrator) يحكي له بمشاعر فنّية صادقة ، و بألْفة و حميمية، و بكلّ رغبة و اهتمام ،و كأنّه يُجالسه في مكان هادئ، لأنّ ما يجمعهما مادّة الحكي ( Diegesis) فالحكّاء/ السّارد، مطمئنٌ لما يقول، شغوفٌ بالحكي.. و المتلقي بدوره ـ و لاشكّ ـ مهتمٌّ بما يسمعُ،أو يقرأ، و في رأسه تدور أفكارٌ تأويلية أنْعشتها التّعابير الحكائية، و اللّغة الوظيفية الفنّية، ما يخلق سببية (Causality) التّخييل و التّأويل.و لا شكّ أيضا أنّ الحكّاء استطاع أن ينقلَ المتلقي من عالمه الخاص، إلى مستوى العالم المَحكي (Diegetic level)، و هي نقلة فكرية تأمّلية ثقافية.. و ليس إلى عالم لا يخصُّ المتلقي،بل يبقى الخيطُ الرَّفيعُ الرَّابط بين العالمين يَضمنه الحكي القصصيي الرَّصين..
ففي النّص الأوّل : البحر عبارة عن الحياة ، ولخوض غمارها لابدّ من عُدّة و زاد، و حذر و يقظة و تدبّر و بُعدُ نظر..فإذا انتهى الزّاد و العدّة، أقفرت الحياة، و كانت النّهاية..
و في النّص الثّاني، تباعد الشّقّة بين جيلين: جيل الجد، و جيل الحفيدة، ما جعل مسألة المفهومية (Intelligibilité) تشكّل صدمةً حضارية ، و رؤية تعجبية إنسانية…ّ
أمّا النّص الثّالث فيُضيئه الحكي بنموذجين : طبيبة و عاملة نظافة. و كيف وحَّدت بينهما حداثة العصر مظهريا، في ممر بالمستشفى. كلاهما تحمل عدّتها و تتكلم في الهاتف. لا شكّ أنّ الطّبيبة تتحدّث في أمر يخصُّ وظيفتها . بينما المنظفة حديثها مختلف تماماً، و فيه ما يلمّح للتّفاهة ( تقهقه فيه).
لكنّ الحكي يُشعر المتلقي أنّ الحداثة سوّت بين النّاس في بعض المظاهر، كالذي نلمسه في الفضاء الأزرق،(الفايسبوك ) الكلّ يمارس ديمقراطية الكتابة، و لا تسأل ما يكتب هذا، و ما يكتب ذاك، أو ما مستوى هذا، و ما مستوى ذاك ..
هكذا تتّضح أهمية الحكي في النّص القصصي القصير جدًا، كما هي نفس الأهمية في كلّ الأجناس السّردية، و أنّ محاولة القفز على الحكي، بداعي التّجريب، أو الحداثة، أو ما بعد الحداثة.. من المسوغات الباطلة .. و اعتماد البِنية السَّردية الفجّة التي فرضتْ تراكماتها اللا مشروعة و المتهافتة..و التي استقطبت جِبلَّةً غير واعية بضروب القص .. فهذا لا يخدم القصّة في شيء. إنّما يجعل منها موجزًا خبرياً، أو مجرّد تقرير ليس إلا. لأنّ الحكي بنية لازمة للسّرد القصصي (Achronic structure) و لهذا نجد جرار جينت كناقد مهتم بالسّرديات.. يُصرُّ على أنْ “يربط بين علم السَّرد والحكي الذي يُشكّل موضوعه .”(2) فعلى كاتب (الق ق ج) أنْ يتفهّم دورَ الحكي فيما يَكتبُ. فإنَّ عمَلا يُنسبُ للقصّة فلا بدّ له من تَوليفةٍ حِكائية.

*مسلك ميمون*

1 ــ ينظر : لطيف زيتوني، معجم مصطلحات الرواية :” “السرد أو القص فعل يقوم به الراوي الذي ينتج القصة. وهو فعل حقيقي أو خياِلي”.
2 ــ عبد اللطيف محفوظ : البناء والدلالة في الرواية ، منشورات الاختلاف ـ الدار العربية للعلوم ناشرون ، الجزائر ـ بيروت ، ط1 ، 2010 ، ص: 40

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.