ما قبل السّرد.. قراءة في مجموعة “رذاذ المسك ” للقاص رائد الحسن

رائد الحسن

كل الشكر والتقدير والاحترام والمحبة لأستاذنا الكبير د. مسلك ميمون على التقديم المُتميّز الذي تركه والذي سيبقى خالدًا في كتابي القصصي الورقي الرابع (رَذاذُ المِسْك) / إصدار ديوان العرب للنشر والتوزيع

__________________________________________________________________________

ما قبل السّرد..

القصّة القصيرة جدًا، استطاعتْ في وقتٍ وجيز أن تجد لها مكانًا تحت الشّمس رغم المُنافسة، وإغراء الأجناس الأخْرى.. و اللاَّفت للانتباه، هو أنَّ مريديها و كتَّابها انقسموا إلى ثلاثة أقسام : أحدهما اتّبع ما جاء به التَّنظير و الكتابات الابداعية الأولى و خصائصها الثابتة، فكانت ميزته الالتزامُ بما هو شائع، و مُتعارف عليه، و لكنَّ مؤاخذةَ النّقد كانتْ صارمة، إذ أنَّ أغلب رواد هذا القسم، أسْقطوا ـ عن غير وعي ـ القصّة القصيرة جدًا في النَّمطية، (stereotypical) و التَّكرار الأسلوبي.

بينما القسمُ الثَّاني، استأنس بالخصائص دون أنْ يلتزم بها كشَرط في الكتابة. ومنحَ نفسَه حرية بدون ضِفاف. فمن جهة حرَّر قلم الإبداع، فأطلق له العنان ليجوبَ آفاقا جديدة، وليطرق مجالات طالما كانت تبدو بعيدة، ولكن النَّقد استشعر بأنَّ الحرية المطلقة لا تعدو إلا أنْ تكونَ فوضى! تُخرجُ الجنسَ القصَصي عن حدوده و خصائصه.. فحدَّ منْ هذا الاندفاع الذي يتشفَّع بالحداثة وما بعدها، والتَّجديد والتَّجريب، فحاصر مجال حُريته غير المحدّدة واندفاعه وتمرُّده، وحاول إعادته إلى بيت الطَّاعة، انطلاقًا من المُتعارف عليه.

ومنْ تمَّة نلاحظ أنّ رواد هذا القسم، اكتسبوا حرية في التّعبير كَميزة في الكتابة، ولكن بالمُقابل أصبح النّص القصصي ـ على يد بعضهم ـ نصًا لا يمتّ للحَكي بصلة، فقد تكونُ كتابة البَعض جُملة خَواطر، أو تأمُّلات، أو سوانح، أو شَذرات ونُبذ (Aphorisme) ليس إلا. بِمعنى لمْ يعدِ المُتلقي يعيشُ حدثًا قصصيًا متطورا وهادفا.. و لا يَجدُ في النَّص ما يَشدُّه لعالم القصَّة و الحَكي. فهل معنى هذا أنّ القصّة القصيرة جدًا، دخلتْ مجال الفَوضى؟

إنّ قلّة النّقد والمُتابعة، فسحَ المجال لأقلامٍ عن غير وعي وخبرة، ولا دراسة ومعرفة.. أن غامرت في بَحر لُجي، مُغترةً بقصرِ الحَجم، و سُهولة النَّشر عبر النّت..

أمّا القسم الثّالث رغم قلّة رواده، و اطلاقا من الجَمع والتَّآلف بين القسمين السّابقين : استأنس بوعي فنّي، و إدراك قصصي بكلّ الخَصائص، فوظَّف منها ما وجده يخدُم فكرة النَّص، و حاول أنْ يفهم حدود هذا الجنس فهمًا خاصًّا، فاكتسبِ التَّنوّع الإبداعيّ حسبَ فهمهِ و اجْتهاده، دون تمرُّد، أو كسْر للمُتعارف عليه، فبقيتْ لديهِ القصّة قصّة، مَشحونة بالحَكي، و المُفارقة، و الخَرجة الصّادمة أو المُفاجئة..و لكن بنوع من حرية التّصرُّف الفاعلة، و الهادفة، الشّيء الذي خلّف انطباعًا لدى المُتلقي، بأنّه يقرأ نصًّا قصصيًّا بِفهمٍ مُختلف : لغة و تعبيرا و أسلوبا …و من هذا القسم كان القاص رائد الحسْن.

الذي نشر ثلاث مجموعات قصصية قبل ” رذاذ المسك ” و هي : ” دندنة روح” في طبعتها الثانية سنة 2018 و” عشق الزّمرد” و ” مراسيل متيم ” سنة 2019 هذا فضلا عن مجموعات قصصية صدرت عن النشر الالكتروني : قصاصات وردية، شظايا متوهجة، أريج الشّوق، صدى الرّوح. كما صدرت له مجموعات مشتركة: كليب أو نحرق البلد، و روائع القصص/ الكتاب الأول، و الثاني ،و ما وراء الحرف، صدى الفصول. وهزيز الفجر، آن لنا أن نروي، ونحت على جدار الورق، و سمفونية السّرد، و ترانيم القصص/ الجزء الثاني، هذا فضلا عن الكثير من النصوص المنشورة في الصّحف و المجلات..

فماذا عن المجموعات الأولى الأنفة الذكر: دندنة روح” و” عشق الزّمرد” و ” مراسيل متيم ” ؟ يمكن أن نلخص ذلك في التّالي:

1 ـ اعتماد الحكي، و هذه خاصية محمودة ، لأنّ بعض كتاب القصّة القصيرة جدًا، غفلوا عن توظيفها فجاءتْ نُصوصهم خارج دائرة القص. بمعنى قد تكون خاطرة أو شذرة …

2 ــ الاهتمام بجمالية اللغة و حسن انتقاء الألفاظ، و براعة الصّياغة القصصية المُكثفة .

3ــ توظيف الغموض الفنّي، و لا أقصد الإبهام، و في ذلك دعوة للتّأمل و التّأويل.

4 ــ حسن اقتناص اللّحظة اللافتة، و المفارقة الصّادمة أو المفاجئة ..و الدّهشة ..

5ــ التأثر بالرّؤية الوجودية و بخاصّة من حيثُ العبث، و السّخرية..والباروديا (Parodia)

6 ــ اعتماد شّخصيات في دوامة البحث عن المبادئ الضّائعة.

7 ــ الاهتمام بدواعي التّجديد، و الجرأة في اقتحام التّجريب، و الرّؤية الحداثية النّاقدة.

جُلّ هذه الخصائص، بشكل أو بآخر، نجدها في مجموعة ” رذاذ المِسك” و لكن في غير هذا، استوقفتني خصائص أخرى تميّزت بها هذه المجموعة بشكل ملحوظ :

1 ــ تقنية الكتابة (writing technique)

1/1 جملة البداية :اعتمد القاص البداية الفعلية، فمن بين 120 قصة لا نجد إلا أربعة نصوص تتصدرها جمل اسمية. وثمانية نصوص بدايتها شبه جملة، بمعنى 109 كلها نصوص ببدايات فعلية، كما أنّ جُمل النّصوص أيضًا جاءتْ في مُعظمها فعلية.

1/2 ــ الروابط: فقد زاوج القاص رائد الحسْن بين استعمالها وعدم استعمالها. وإنْ جاءت مُعظم النُّصوص خالية من حروف العَطف، جَريًا على ما هو موجود…

1/3ــ توظيف علامات التّرقيم. والحرص عليها، على عكس بعض الكتابات التي أمْست تتجاهلها، بحجّة التّجريب والتجديد، وفي ذلك خرق لقواعد اللّغة، ومِصداقية الكتابة.

1/4 ـ يَعمد القاص إلى خاصية التّسريع في أغلب نصوص المجموعة، ومن أجل ذلك اختار الجمل القصيرة، المترابطة معنويا، والمنسجمة تركيبيا، والمتناسقة أسلوبيا.. كالذي نجده في نص ” لقاء ” : (اعتذرَ كلما أرادُوا وصْلَه، مُعَلِلًا وجود موعِد مع شخصٍ مُهِمٍ؛ حتى استحالَ الاجتماع به، في البدايةِ، شَكّوا بكلامِهِ، راقبوا دائرةَ تحركاتِه المَحدودة. بعدَ أن توثَّقُوا مِن أسلوبِ حياته؛ تيقَّنوا مِن أمره.)

1/5 ــ الحجم: فإن عُرفت القصّة القصيرة جدّا بقلّة كلماتها، وضغط تراكيبها، وكثافتها اللّغوية، فضلا عن الحذف والتَّضمين.. سعيًّا من أجل تحقيق مُعادلة (قصيرة جدًا) فإنّ نصوص المَجموعة جاءت قصيرة، بين سطر ونصف كنص” وطن “وثلاثة أسطر كنص ” عاقة “

6 ــ اللقطة الفوتوغرافية: وهي من أهمّ خصائص هذا الجنس الذي يتحرّى الإيجاز والدّقة، والتّلميح، والاشارة.. ومن ذلك نص ” اتجاهان “:

(جذبتْهُ للأرضِ وسحبها للسّماءِ وبقي الحبلُ مُعلَّقًا في الوسطِ يوثقهما، يلتفُّ حولَ رقبتيهما مرّةً؛ فينتابهما الخوفُ، ويدغدغُ قلبيهما تارةً؛ فتغمرهما السّعادةُ. بقيا هكذا حتّى قدمَ ذلكَ اليومُ العاصفُ، ففرّقهما. )

7 ــ اللّغة القصصية الشّعرية، إنَّ الشيء الذي لازم القاص في مجامعه السّابقة و منها هذه المجموعة، شعرية اللّغة، و الأمر يعود لكون القاص رائد الحسْن شاعر، فالأمر لا يأتي قصدًا..بل هي الصليقة و العفوية اللّغوية، حتّى أنّهُ لا يكاد يخلو نص من تعبير شاعري اللّغة. .لنتامّل نص:”شخصيتان”

(اسْتوحى ملامحَ ملاكٍ مِنْ طفلةِ تُحلِّقُ روحُها في عالمِ البراءةِ؛ فنَحَتَها. غاصَ في عالمِ الرَّذيلةِ باحِثًا عن شبيهٍ لشيطانٍ ليضمَّ تمثالهُ إلى متحفِ الأضدادِ. أخيرًا وجدَ ضالّتهُ. نزلتْ دمعةٌ مِن عينِها تحكي رحلةَ إنسانةٍ وقفتْ أمامَ الفنانِ ذاتِهِ قبلَ عقودٍ، شوّهتْها خطاياها.)

نلاحظ أنّ لغة القصّ، لغة من السّهل الممتنع، دون معاضلة، ولا إشكال تركيبي، فلم يَعمد القاص رائد الحسْن إلى توظيف الرّمز بأيقوناته المتعدّدة، رغم غنى العراق برموزه التاريخية و الحضارية ..إلا ما جاء نتيجة التّركيب اللّغوي، فهو يَبعث الرّمز الهادف من تلافيف لغة الحكي. كما أنّه لم يعمد إلى ضروب الأسطورة (Myth) بغرائبيتها وسرياليتها ..ولكنّها ـ مع ذلك ـ تبقى لغة مشبعة بنسقها التّركيبي الفصيح الهادف، و تقنياتها المختلفة، لتحقيق السّرد القصصي (Storytelling) دون السّقوط في التقعر ، و مَطبات الخطاب المباشر أوالفائض اللّفظي.

و يمكن تلخيص الأسلوب (Stylistic) اللغوي القصصي المتبع في المجموعة كالتالي:

7/1 ــ اللّغة الفصيحة، وعدم اللّجوء إلى اللّغة الثّنائية: (bilingualism) فصحى/ عامية.

7/2 ــ عدم تسمية الشّخصيات و قلّة وصفها، والاستعاضة عن كلّ ذلك بالضّمائر أو

نعوت تخصّ المهنة أو الهواية….

7/3 ــ تنوع و تعدّد الصّيغ، (Polymodality ) .

7/4 ــ تيمة النّصوص حَياتية عادية، و أخرى طارئة، و لكن لا تعدو أن تكون واقعية ..

7/5 ــ خصوبة الخيال و التّخييل السّردي، المحكوم في الغالب بالسّبب و النّتيجة

7/6 ــ و في جميع نصوص المجموعة، نلاحظ مدى التّشبّع بالإيجاز و الاختصار و إتباعه

مع اعتماد المجاز المرسل ، و الاستعارة ، بشكل ملحوظ .

7/7 ــ الخاتمة الصّادمة: اعتنى القاص رائد الحسْن بالخاتمة الصّادمة ، أو ما نُصرُّ على تسميتها بـ : ( الخرجة) لأنّ القصّة القصيرة جدًا لا تهدف إلى حل ناجع، أو خاتمة ما .. بل تهدف أن تكون جملتها الأخيرة باباً مُشرعا على كلّ الاحْتمالات و التّأويلات المُمكنة، و من ذلك الإصرار على خرق أفق توقع المُتلقي بما هو صادم. كالذي نجده في:” صحبة ” و ” تتويج” و قصة ” لصّان “:

” تغيبُ كلَّ مرَّةٍ، تظلمُ الدّنيا عندما يخفتُ نورُها؛ شكَّ في أمْرِها، تردّدَ في سؤالٍ كانَ يقضُّ مَضْجعَهُ.عندما تتبَّعَ وقعَ أقدامِ اخْتفائها؛ وجدَها تخْتلسُ نبضاتٍ مِنْ قلبِهِ.”

القاص رائد الحسْن، قاص متمكّن من نسج قصّة قصيرة جدًا بأقلّ ما يمكن من الكلمات

و كأنّي بهِ يعصرُ اللّغة عصرًا، لتعبّر عن اللّقطة العابرة، و الفكرة المُجنّحة، و الرُّؤية الطّارئة..و في ذات الوقت، كتابته القصصية سميائية المعنى، تغري بالتفكير النقدي الخاص (critical thinking ) مع إثارة المتعةَ القِرائية، و تحفيز المُتلقي على التَّساؤل، و التَّامُّل، و التَّخييل..

د مسلك ميمون / المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.