قصيدة النّثر بين الرّفض و القبول

تُعَدُّ قصيدة النّثر واحدةً من أكثر الأشكال الأدبية إثارةً للجدل في تاريخ الشعر العربي الحديث، إذ انقسم النقاد والكتّاب حولها بين مؤيدٍ يرى فيها فتحاً جديداً للقصيدة العربية، ومعارضٍ يعتبرها خروجاً على جوهر الشعر وأوزانه وموسيقاه. ومع ذلك، استطاعت قصيدة النثر أن تفرض حضورها بقوة، وأن تصبح جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي العربي المعاصر.
لقد بدأ التمهيد الحقيقي لقصيدة النثر مع بدايات النهضة الأدبية الحديثة، حين احتك الأدب العربي بالآداب الأوروبية، ولا سيما الأدب الفرنسي الذي عرف ما يسمى بـ “Poème en prose”، أي القصيدة المكتوبة بلغة نثرية لكنها تحتفظ بروح الشعر وكثافته وصوره وإيقاعه الداخلي. وقد تأثر عدد من الأدباء العرب بهذه التجربة، خاصة شعراء المهجر وجماعة مجلة “شعر” في بيروت.
ومن أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ هذا الشكل الأدبي أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وشوقي أبي شقرا، حيث سعوا إلى تحرير القصيدة من القيود التقليدية، مع الحفاظ على جوهر الشعر بوصفه رؤيةً وحالةً لغويةً وإنسانية.
وقد مرت قصيدة النثر بعدة مراحل؛ ففي بداياتها كانت أشبه بتمرّدٍ على الشكل العمودي والتفعيلة، ثم أخذت تتطور لتصبح أكثر نضجاً من حيث اللغة والبناء والرؤية. وفي مراحل لاحقة، اتسعت التجربة حتى دخلها كثير من الكتّاب، بعضهم امتلك أدوات الشعر الحقيقية، وبعضهم اكتفى بكتابة الخواطر العادية تحت اسم “قصيدة نثر”، مما ساهم في زيادة الجدل حولها.
أما السؤال الأهم:
هل قصيدة النثر خالية تماماً من الموسيقى؟
والجواب: ليس بالضرورة.
فالموسيقى في الشعر ليست محصورة بالوزن الخليلي أو القافية التقليدية فقط، بل هناك أنواع أخرى من الموسيقى الشعرية، منها: الموسيقى الخارجية: وهي الوزن والقافية المعروفة في الشعر العمودي وشعر التفعيلة.
الموسيقى الداخلية: وهي الإيقاع الناتج عن تناغم الكلمات، وتكرار الحروف، وتوزيع الجمل، والصور، والتنفس اللغوي داخل النص.
وقصيدة النثر الحقيقية تعتمد غالباً على هذا النوع الثاني، أي الموسيقى الداخلية، فتخلق إيقاعها الخاص دون الحاجة إلى البحور العروضية التقليدية. ولهذا فإن النص النثري لا يصبح قصيدةً لمجرد أنه كُتب على شكل أسطر قصيرة، بل لا بد أن يحمل شعريته الخاصة وإيقاعه العميق وصوره المكثفة. ومن هنا يجب التفريق بين “النثر العادي” و”قصيدة النثر”. فالأولى قد تكون مجرد كلام جميل أو تأملات، أما الثانية فهي بناء فني قائم على التكثيف والإيحاء والدهشة واللغة المشحونة بالإحساس.

إنّ كثيراً من قصائد النثر العربية الناجحة تمتلك موسيقى خفية يشعر بها القارئ دون أن يسمع وزناً واضحاً، وكأن الإيقاع يسكن بين الكلمات لا فوقها. وهذه الموسيقى الداخلية قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الموسيقى التقليدية لأنها تنبع من روح النص نفسه.

ومع مرور الزمن، أصبحت قصيدة النثر واقعاً أدبياً لا يمكن تجاهله، سواء اتفق النقاد معها أم اختلفوا حولها. فالأدب الحقيقي لا يعيش بالشكل وحده، بل بقدرته على ملامسة الإنسان والتعبير عن قلقه وأحلامه وأسئلته الكبرى.

ويبقى الشعر، في النهاية، ذلك الصوت الداخلي القادر على تحويل اللغة إلى حياة، سواء جاء موزوناً مقفى، أم متحرراً يبحث عن موسيقاه الخاصة بين نبض الكلمات.

د. نجيب روفا سفري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.