حوار مع النّاقد المغربي جميل حمداوي

حوار مع الناقد المغربي جميل حمداوي
(القصة القصيرة جدا بين الانتعاش والانتكاسة)

حاوره: عبد الغني بلوط


بماذا تتميز القصة القصيرة جدا عن باقي الأجناس الأخرى؟

القصة القصيرة جدا جنس أدبي نثري حديث بامتياز، لها امتدادات تجنيسية تراثية من جهة، ومرجعية تجنيسية غربية من جهة أخرى. ومن ثم، يمتاز هذا الجنس الأدبي المهجّن ، عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، بالإدهاش المربك، وقصر الحجم ، والمفاجأة الصارخة والصاخبة، وفعلية الجملة، والتكثيف، والتشذير، وتجويع اللفظ، وتنحيل المعنى، والصورة الومضة، والمفارقة، وتسريع الإيقاع، وتراكب الجملة، وتتابع الملفوظات والعبارات وفق نسق سريع، والحذف والإضمار، والتسريد المكثف، والانتقاء الدقيق للنعوت والأوصاف، ووحدة المقطع السردي، والتركيز على الوظائف الأساسية دون الوظائف الثانوية ، وطرح الأسئلة الكبرى. علاوة على النزعة القصصية والسردية المقتضبة والموجزة والمختزلة. فضلا عن خاصية الاقتضاب، واستعمال النفس الجملي القصير الموسوم بالحركية الممتدة، والتوتر المضطرب، وتأزم المواقف والأحداث.
وتشترك القصة القصيرة جدا مع باقي الأجناس والأنواع الأدبية الأخرى في مجموعة من السمات كالشاعرية، والتلميح، والتجريب، والدرامية، والتشخيص الذاتي والموضوعي والميتاسردي، وتوظيف الغموض الفني والجمالي ، والتأرجح بين الصورة الرؤية و الصورة الرؤيا، وتشغيل الفانطاستيك والسخرية والكوميديا السوداء، وتهجين صيغ السرد القصصي تنضيدا، وأسلبة، ومحاكاة. بالإضافة إلى توظيف التناص الإحالي الواعي وغير الواعي، ومراعاة المقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، وتنويع المعمار السردي بداية، وجسدا، ونهاية، وقفلة…
وللتنبيه، ينبغي أن تبتعد القصة القصيرة جدا عن الأحجية، والنكتة، والموعظة، والحكمة، والمثل، واللغز، والحكاية، والنادرة، والشذرة، والهايكو، والنزعة الأخلاقية والتعليمية، وغيرها من المحكيات والأنواع التي لاتتوفر فيها الحبكة السردية من جهة، والحجم القصير جدا من جهة أخرى.

هناك من يرى أن القصة القصيرة جدا تمر بنكسة إبداعية بسبب الانجرار نحول الاستسهال والاستعجال وحب الظهور، والرغبة في الظهور، و لو بدون استيعاب لهذا الجنس، ولا لمقوماته الفنية أو لفلسفته التي منْ أجلها وجد وعم وانتشر، في حين يرى آخرون أن هذا الجنس الأدبي يمر بفترته الزاهية، وأنه متنوع ليس بمقوماته الجامدة، ولكن بقدرته على إيصال رسالته للمتلقي عن طريق الجذب والإمتاع والدهشة.. ما رأيكم في هذا الأمر؟

أنا أخالف من يقول: إن القصة القصيرة جدا تمر ، الآن، بأزمة وكساد ونكسة إبداعية وفنية وجمالية، بل إنها تعيش فترة ازدهارها المتوهج، ولحظة انتعاشها الزاهي بتراكمها الكمي والكيفي، على الرغم من بعض شوائبها التي تعرفها جميع الأجناس والأنواع الأدبية الأخرى كالرواية، والقصة القصيرة، والشعر، والمسرح .
فعلا، هناك نوع من الاستسهال والإسهاب والتمييع المجاني، ويرجع هذا إلى أن القصة القصيرة جدا مازالت جنسا أدبيا جديدا لم يستو بعد. لذلك، نرى مجموعة من المبدعين والكتاب والنقاد مازالوا يتخبطون في أوحاله الداكنة، ولم يستقيموا بعد على رأي معين، فكل واحد يدلي بدلوه حتى أصبح كل من هب ودب يكتب القصة القصيرة جدا، ويستسهلها إلى درجة التسيب والميوعة والكساد. في حين، تعد القصة القصيرة جدا فنا صعب المراس، يحتاج إلى مبدع كفء، وكاتب متمرس بامتياز، يعرف كيف يغربل الأجناس الأدبية، ويميز بين الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا.
ومازال المبدعون والنقاد معا ، إلى يومنا هذا، لم يتمكنوا بعد من تقنيات هذا الفن الجديد بشكل من الأشكال، ولم يدركوا بعد أركانها وشروطها ، أو مكوناتها وسماتها، بشكل دقيق ومحكم ومضبوط، ومازالوا مختلفين حول الأركان والشروط على حد سواء، ومازالوا كذلك مترددين حول عناصرها الثابتة الجوهرية وعناصرها التقنية الثانوية. بالإضافة، إلى ما يسببه قلة التراكم وقلة التجربة عند مبدعي القصة القصيرة جدا من مشاكل في التقعيد، والتنظير، والتقويم ، والتوجيه.
ومن هنا، يلاحظ أن كثيرا من كتاب القصة القصيرة جدا يستسهلون كتابتها ، ظانين أنها مجرد عملية سهلة في أسطر قليلة نكتبها كما نشاء . المهم أن نُشبعها بالطرفة، والنكتة، والمفارقة ، والسخرية، والنادرة، فنخرج بها إلى الناس تحت يافطة القصة القصيرة جدا. لكن الحقيقة أن القصة القصيرة جدا أصعب من الرواية والقصة القصيرة بكثير؛ فهي فن صعب الانقياد، يتطلب الحنكة والخبرة والتجربة، ويستلزم إلماما بقواعد السرد، والاستعانة بنظرية الأدب، ومعرفة تامة بنظرية الأجناس الأدبية. لذلك، نجد الكتاب يسقطون في الإنشائية، والشاعرية، والطرفة، والنكتة، ويخلطون بين الأجناس الأدبية؛ حيث يُغيّبون الحكائية، و يبتعدون عن مقياس التكثيف والاختزال والاقتصاد اللغوي.
ومن المؤكد أن عدم الوعي بالتجربة ينتج- بلا ريب- عن وجود استسهال في الكتابة عند معظم كتاب القصة القصيرة جدا في الوطن العربي. ناهيك عن قلة التراكم والإنتاج في ما مضى في هذا الجنس الأدبي الجديد ؛ مما جعل المبدع العربي غير مؤهل لخوض غمار التجربة الجديدة بشكل جيد.
ولا ننسى كذلك قلة الكتب النظرية والتطبيقية في هذا المجال. ناهيك عن عدم مواكبة النقد للمنتج القصصي القصير جدا بالقراءة، والتحليل، والتقويم ، والتوجيه. كما يترتب عن عدم الوعي بالتجربة عدم الاطلاع على نتائج علم السرديات، وعدم بذل مجهود من أجل الاستفادة من نظرية الأدب، والانفتاح – قدر الإمكان- على الآداب العالمية، والقدرة على التمييز الجيد والدقيق بين الأجناس الأدبية بشكل علمي ومضبوط.
وعلى الرغم من هذا الاستسهال، فنحن في حاجة، اليوم، إلى تراكم كمي كبير من الإبداعات والإصدارات في هذا المجال، لننتقل – بعد ذلك- إلى الغربلة النقدية الحقيقية، وتصفية النصوص من شوابها، ونواقصها، ومشاكلها.بمعنى أننا نعيش حركة انتقالية طبيعية وعادية ومألوفة ، وهي في الوقت نفسه، حركة انتعاش وازدهار، تمر بها جميع الأجناس الأدبية من أجل الاستواء الفني والجمالي إن تنظيرا، وإن ممارسة. وبالتالي، فأنا مقتنع أيما اقتناع بهذا الفن الأدبي الجديد، وأعتبره مكسبا لاغنى عنه، وأنه من إفرازات الحياة المعاصرة المعقدة التي تتسم بالسرعة الهائلة، والطابع التنافسي المادي والمعنوي من أجل تحقيق كينونة الإنسان ماديا ومعنويا، وإثباتها بكل السبل الكفيلة لذلك.
وأضيف كذلك أن جنس القصة القصيرة جدا فن صعب المراس، يستوجب الدقة الكبيرة، ومهارة الكتابة القصصية تحبيكا وتخطيبا، والتمكن من تقنيات التكثيف والاختزال، وتوظيف النزعة القصصية المناسبة بصورها البلاغية والسردية أحسن توظيف من أجل إثارة المتلقي بعنصري الإدهاش والإغراب، ودفعه إلى استخدام ملكة التخييل والنقد والتصوير والتجريد. كما ننصح المبدع ألا يستسهل كتابة هذا النوع من الفن القصصي، فهو صعب التناول، يحتاج إلى مهارة كبيرة، ويتطلب تقنية حرفية جيدة أكثر مما يستوجبها فن القصة القصيرة والرواية معا. كما يحتاج المبدع أيضا إلى عُدّة نظرية مفاهيمية، وكفاءة آلية متفردة وإلا سقط في شباك أدب الخاطرة، وكتابة النكت والألغاز والنوادر ، أو سقط في فن الأقصوصة أو فن القصة القصيرة حينما يميل إلى الإسهاب في الوصف، وتشبيك الأحداث تمطيطا، و تسريدا، وتخطيبا. وينبغي على الناقد أيضا ألا يتسرع في حكمه على النصوص القصصية القصيرة جدا بالسلب والهدم والشجب نقدا، وتقويما، وتشديدا؛ وعليه أن يرحب بهذا الفن المستحدث، ويشجع كتابه ورواده بتوجيهاته الموضوعية لكي يتبوأ هذا الفن الجديد مكانته المناسبة ضمن لائحة الأجناس الأدبية المعروفة.

إذا أقررنا بهذه النكسة، أو الفترة الزاهية، هل تمتد جغرافيا إلى الوطن العربي، وما علامات ذلك؟

تعرف القصة القصيرة جدا فترة زاهية في الوطن العربي في السنوات الأخيرة بفضل الشبكات العنقودية، وكثرة المقالات والدراسات النقدية الورقية والإلكترونية المنشورة عبر الوسائل الإعلامية والصحفية هنا وهناك.علاوة على الأبحاث والرسائل والأطاريح الجامعية التي نوقشت في المعاهد والمؤسسات والجامعات العربية. دون أن ننسى الملتقيات والمؤتمرات الإعلامية والثقافية التي انصبت على القصة القصيرة جدا بالتعريف، والتحليل، والتوصيف، والتأويل، والتقويم، والتوجيه.
ومن هنا، فلقد شهد العالم العربي، مع بداية الألفية الثالثة إلى يومنا هذا، مجموعة من المهرجانات والملتقيات المتعلقة بالقصة القصيرة جدا، تنصب على القراءات الإبداعية ، والندوات النقدية، والورشات التكوينية تنظيرا وتطبيقا، بتقديم معارض للكتب والمجموعات الإبداعية المتعلقة بالقصة القصيرة جدا. فضلا عن تكريم المبدعين والنقاد، وتوزيع الجوائز في ضوء مسابقات تحددها لجنها وإداراتها.
ومن بين الدول التي بادرت إلى تنظيم ملتقيات حول القصة القصيرة جدا سوريا، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة (الشارقة)، ومصر، والمملكة العربية السعودية، والعراق، والجزائر. بيد أن المغرب هو أكثر الدول العربية احتفاء بالقصة القصيرة جدا على مستوى الملتقيات، والندوات، والكتب، والنظريات، والمناهج النقدية. علاوة على الكم الكبير الذي عرفه المغرب على مستوى الإنتاج، فهناك أكثر من مائة وعشرين مجموعة قصصية قصيرة جدا.
ولقد كانت سورية قبل ذلك سباقة إلى تنظيم مجموعة من الملتقيات العربية التي تعنى بالقصة القصيرة جدا إبداعا، ونقدا، وكتابة، وتنظيرا، وبالضبط ملتقى دمشق وملتقى حلب.
ونظمت الشارقة – مؤخرا- بقصر الثقافة، على مدى يومين، فعاليات ملتقى الشارقة العاشر للسرد بشعار(القصة القصيرة جداً: سؤال النوع وتطور السرد)، بمشاركة اثنين وثلاثين (32) مبدعاً ومفكراً عربياً من: مصر، وسوريا، وفلسطين، والمغرب، وليبيا، والجزائر، والعراق، والإمارات.
كما شهد المغرب، في السنين الأخيرة من الألفية الثالثة، مجموعة من الملتقيات والمهرجانات في القصة القصيرة جدا، بعضها محلي وجهوي، والبعض الآخر وطني وعربي، مثل: ملتقيات الصالون الأدبي برئاسة مصطفى لغتيري، وملتقيات مشرع بلقصيري، والملتقى العربي الأول للقصة القصيرة جدا بمدينة بلفقيه بن صالح برئاسة عبد الله المتقي، وملتقيات مدينة خنيفرة بإشراف جمعية جذور للثقافة والفن ومبدعها وناقدها حميد ركاطة، وملتقيات الجمعية المغربية للغويين والمبدعين بالدار البيضاء، والمهرجان العربي للقصة القصيرة جدا بمدينة الناظور من تنظيم جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، وملتقى فاس للقصة القصيرة جدا…
وانعقد كذلك مؤتمر الإسكندرية للسرديات، في دورته الأولى، بمكتبة الإسكندرية، واستغرق المؤتمر ثلاثة أيام، من 03 إلى 05 دجنبر 2013م، وكانت دورة المهرجان تحمل اسم المبدع المصري مصطفى نصر. كما انصب المؤتمر على التعريف بفن القصة القصيرة جدا في مصر بصفة خاصة، والوطن العربي بصفة عامة. وقد نظم هذا المؤتمر بتعاون بين مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية والرابطة العربية للقصة القصيرة جدا بالمغرب التي يترأسها جميل حمداوي. ولقد حضر هذا المهرجان مجموعة من المبدعين والنقاد من عشر دول عربية هي: مصر، والمغرب، وتونس، وسوريا، وفلسطين، والسعودية، واليمن، وعمان، وليبيا، والأردن.
وأخيرا، أقول ، كما صرحت بذلك مرارا وتكرارا، في كثير من الجلسات والمداخلات والندوات الثقافية ، بكل شجاعة وجرأة، إن القصة القصيرة جدا ستكون أفضل الأجناس الأدبية في المستقبل؛ لأن عصرنا يتسم بالسرعة والعجلة والإيقاع المتسارع. وبالتالي، لا يسمح للقارئ العربي أن يقرأ نصوصا مسترسلة كما وكيفا. ولا يعني هذا أن الأجناس الأدبية الأخرى ستختفي وتنقرض بشكل نهائي، بل ستبقى حية ترزق إلى جوار القصة القصيرة جدا. لكن البقاء والاهتمام الكبير ، بلا ريب، سيكون لهذا الجنس الأدبي المستحدث. والدليل على ذلك أن كثيرا من الروائيين وكتاب القصة القصيرة العرب قد بدأوا في التخلي عن كتباتهم السابقة التي تعودوا عليها، وشرعوا في تجريب هذا الجنس الأدبي المستحدث، والتكيف معه إبداعا، وكتابة، وتصورا.٦٢

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.