معلومات حول الق ق ج

أتدري لماذا الكتابة فن من الفنون؟
لأنّ الكتابة الفنية طريقة ،و أسلوب، لا يتكرر، و لا يقلّد..و لأنّ الكاتب القاص مثلا: منْ حَدَثٍ ما.. يستشف رؤى، و أفكار قد لا تخطرُ ببال أحدٍ ممن يَمرون بنفسِ الحدث. وقد تأتيه الفكرة كإلهام فتتبلور حدثاً من أبعاد، و قيم ، و واقعية، و خيال، و أسباب ، و نتائج… كلّها من بنات خيال الكاتب، و لغة قصصية هي من قاموسه الخاص المتجدد دائماً..فلا نمطية، و لا تكرار، ولا اتّباع (non- respect) إنما تجديد و ابتكار ..

أتدري ما تحدثه الق ق ج في القارئ؟
إنّ ماتحدثه مقياس نجاحها: حدثا، وكتابة، و أسلوبا.
و يتعلق الأمر بالانتباه الخاطف (brief attention) فهو نقطة البداية لدى الكاتب
و المحفز و الدّاعي للكتابة ..و هو نقطة النّهاية /الخرجة التي ينتهي إليها القارئ ، سواء فهما و إدراكا، أو تأويلا. فالانتباه الخاطف ، نتيجة تفاعل ذات الفعل و ذات الحال..في النص القصصي.

أتدري على ماذا تقوم عمارة الق ق ج ؟
عمارتها تقوم على دعامتين،إذا أهملت إحداهما تصدع بناؤها.
ــ ذات الفعل (Sujet de faire ) الفكرة/ الحدث/الموضوع / التيمة..
ــ ذات الحال ( Sujet d’état) الحالة التي يكون عليها البطل أو الأبطال.
و هذا عكس ما نجده في بعض الكتابات، المستعجلة اللاهثة ..التي تشبه الهلوسة و الهذيان ، كلام في كلام، و لا شيء غير الكلام.و البطل أو الأبطال أشباح بدون ملامح،و لا صفات، و لا حالات و لا وضعيات..و المسوغ عند الكاتب: المحافظة على الايجاز و الاختصار..
فكلمة أو جملة هي علامة لسانية، تخدم الفكرة، و هي ذات الحال ، و بالتالي لا تخِلّ بالايجاز و اعتماده..
لأنّ السّؤال : كيف يتمّ التّواصل و النّص أمام المتلقي مجرّد من ذات الفعل، و ذات الحال، أو من أحدهما؟

أتدرى كيف نكتب ق ق ج مختلفة ؟
ــ ذلك بأن تكون قراءة قصص الآخرين استئناساً ليس إلاّ، لا تقليدا، وشغفا، و اتباعا..
ــ التّركيز على الحكي لأنّه الأساس.
ــ انتقاء ما يخدم الفكرة.
ــ اعتماد السّارد المحايد.
ــ الاكتفاء بالإشارة و الإيحاء (connotation)..
هذا غيض من فيض. و الإطار العام: [ماذا ؟ و كيف؟ ]ماذا أكتب ؟ و كيف أكتب؟ عن [ ماذا؟ ] ، لا يجب أن تكون الفكرة غير مطروقة. فدائما تشفع لها الـ [كيف ؟] لأنّها فنّية القصّة، و مهارة القاص..
و هذه الـ [ كيف؟] لم يتكيَّف معها الكثير من الذين يكرّرون المَكرور …

أتدري لماذا الق ق ج أصبحت كتابة الجميع ؟
لأنّ القليل و القليل جداً مَن يُدرك فنّيتها.و المؤسف لا يُكلّف نفسَه أن يعرفَ ذلك، و لا يهمّه إلا أن يكتبَ كما يَكتبون. بمعنى سياسة القطيع في الكتابة. أو تطبيق الطقوسية و القدسية بمعناها الأنتروبولوجي..
لذلك في وقتٍ وجيزِ تراكم هذا الرّكام الذي يَرونه قصصاً، و لا صلة لهُ بالقصة، لأنّ القصة القصيرة جداً فنّ الحكي القصير (Un récit bref) ، و الفنّ إبداع، و الإبداع ضدّ المحاكاة و الاتباع ، و ضد التّنميط و التحنيط …

أتدري لماذا الإضمار في الق ق ج ؟
إنّ آليات الاضمار(Modalités de la virtualité ) من خصائص الفنّ عموماً و( الق ق ج) بخاصّة.
فالإضمار:هو السّكوت عن ذكر أشياء في النص.لأسباب منها :
ــ السّياق العام قد يُلمح إليها،
ــ المؤشرات الفاعلة قد تدل عليها .
ــ والقاص ـ بذلك ـ يَحترم ذكاء المتلقي.
ــ وفوق كلّ هذا، فإنَّ ذكرها في النّص سَيُخلّ بالإيجاز.
ــ و يَدعو للتّبسيط.
ــ و يُعطل التّكثيف كخاصية لُغوية..
إلا أن المبالغة في الإضمار و الحذف ، و السّكوت عن أشياء هامّة و ضرورية قد يجعل النّص طلاسم .. لا يُجدي مَعها فهمٌ و لا تأويل..
و المقياس في كلّ هذا : كلّ ما يُمكن أن يدركه المُتلقي من خلال النّص لا داعي لكتابته. و يُعدّ من المُضمرات .

أتدري لماذا الق ق ج توظف السّارد المقتصد؟
النص القصير جدا كلّه اقتصاد: في الكلمات، و التّعابير، و الوصف، و التّوضيح ، و البوح..حفاظاً على الإيجاز، و دعماً للتكثيف، و احتراما لكلمة (جداً ). فهو ضد السارد الثرثار. و ضد فائض الكلمات…
ومن تمَّ كانت نقط الحذف، أو البياض ، أو الفراغ الباني ( Le vide constitutif)
لأنّ المُتلقي مُطالب بعد كلّ الدّلائل، و المُؤشّرات أن يُضيف من فِكره و تصوّره ما يتمُّ بناء النّص ليكونَ مُكتملا شكلا..أي : تتحقق معمارية النص في ذهن المتلقي، فينتقل من وضع الاستهلاك النّصي، إلى انتاجه ،إذ يُصبح مشاركاً في كتابته..

أتدري لماذا التكثيف في الق ق ج ؟
أعتقد ما من متحدث عن الق ق ج إلا و يذكر التّكثيف.
التكثيف (la condensation) هو مجرّد خاصية فنّية نجدها في مُختلف الأجناس بشكل متفاوت و لكن في الق ق ج فهي أوْكد و أضْمنُ لبقاءِ النّص في إطار الإيجاز و الحجم المُتوخى.و من أجل ذلك يُوَظَّف الاضمارُ و الحذف و بَلاغة اللّغة، و الرّمز و الأسْطرة…في غير مُبالغة، فالتكثيفُ يَستوجبُ مُؤشّرات دالة، حتّى لا يفقد النَّص روحَ ألتّواصل فيصبحُ مُنغلقاً على نَفسه، لا يفيدُ و لا يُستفاد مِنه .

أتدرى لماذا أغفل الزمان و المكان في الق ق ج؟
اعلم أنّه خطأ مَعرفي و تقني اتّبعه البَعضُ نمطيا دونَ أن يسأل لماذا؟ فلو سأل لكان الجواب.لا يمكن أن يكون هناك حدث ما خارج المكان و الزّمان.فذِكرهما أو التّلميح إليهما، يحقق واقعية النّص، و يزكي فاعلية الحَكي. و يضبطُ المَبنى و مآل المعنى..
فالتّفضئ (Spatialisation) مسرحُ الحَدث، و التّزمين (Temporalisation)
زمنُ وقوعه . و إغفالُ ذلك عمداً، أو رغبة في الإيجاز و الاختصار، أو تحت أيّ سببٍ ما ..فذلك خرق للهوية السّردية.(L’identité narrative)

أتدري ما الحدث في الق ق ج ؟
هو لمحة عابرة، لقطة سانحة، مفارقة غريبة، حاجة مرتقبة، ممارسة آنية، ذكرى عالقة في الذّهن .. كل ذلك و أكثر..
فالقصة القصيرة جداً، رغم قصرها الشّديد، تتّسع لكلّ حَدث مُفيد. و الشَّرط الأساس أن يكونَ شبيها بالحقيقة ( Vraissemblable ) سواء في حدوثه، أو مُمارسته، أو تلميح غرائبيته للواقع المعيش.

أتدري ما معنى الاختصار في الق ق ج؟
الاختصار (Brièveté)هو موجز الكلام، دون خلل بحذف أو إضمار، بمعنى ما قلّ و دلّ.
و في الق ق ج نفس الشيء: فلا تكرار للفظ ، إلا ما استوجبته الفكرة.
و لا ترادف للكلمات،
و لا شرح ،
و لا تعليق ،
و لا استطراد،
و لا جملا اعتراضية،
و لا ألفاظ زائدة غير وظيفية،
و لا كثرة الروابط،
و لا جملا طويلة،
و لا فضلة مما يمكن الاستغناء عنه من الجملة.
و فضلا عن كل هذا، اعتماد لغة الكَشف لا لغة الوَصف .

أتدري ما الهدف من الق ق ج ؟
لا شك أن الكثير سيقول المعنى.
بيد أنّ الق ق ج، و نسق كتابتها المُلهِم ( inspirant)، و المتميز بالتّسريع ، و الادهاش، و الوظائف الانعكاسية، والتّداعي الحر، و التلقائية..كلّ ذلك لم يكن لتحديد المعنى فحسب، لأنّها ليس نصا إخباريا، قصديا، تقريريا.. بل هي فن, و الفن إيحاء، و ترميز، و مزاوجة بين الموهبة ،و الواقع، و سحر الخيال، لذا كان الهدف منها خلق إحساس بالحالة، لا قول المعنى.

أتدري هناك خلط بين الق ق ج و غيرها؟
إنّ في كل ما أقرأ من نصوص وجيزة، أجد خلطاً و تخبّطاً مُريباً بين الق ق ج و غيرها ! إذ كثرت هذه الكتابة الاستعجالية (L’écriture de l’urgence) :
فكثيرة هي النّكت، و الخواطر، و الشّذرات، و مقاطع قصائد النثر، و الموجزات الخبرية، و ما يسمونه الهايكو و لاهايكو، و الومضة القصصية، مع أنَّ الومضَ في كلّ الأجناس الأدبية..!
و ماشاء الله ..كلّ هذا الخليط غير المتجانس يجعلونه في نهاية المطاف ( ق ق ج) و يجدون من يُبارك ذلك عن غير علمٍ و لا تبصّر..!

2 تعليقان

  1. الحسين الناصري

    إضاءات قوية و أنيقة شكلا و مضمونا.. بوركتم أستاذنا.

  2. مقال مهم جدا، هو مدرسة واضحة وضعت مرتكزات حقيقية لكتابة القصة القصيرة جدا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.